الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وفاءً لرسالة التصوف المغربي الأصيل، واستحضارًا لعمق الثوابت الدينية للمملكة تحت إمرة أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، وغيرةً على الأمن الروحي للمغاربة، وحرصًا على صيانة هذا الإرث الرباني من كل ما قد يشوبه أو يخرجه عن مقاصده النبيلة، تتوجه جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن بهذا البلاغ إلى الرأي العام الوطني، في لحظة دقيقة تستدعي إعمال الحكمة، واستنهاض الضمير، والإنصات لصوت الحق. لقد كان التصوف المغربي، عبر تاريخه المجيد، مدرسة للصفاء والتزكية، ومنبعًا للقيم السامية، وركيزة من ركائز وحدة الأمة، بفضل ما أرسته أعلامه الكبار، وفي مقدمتهم القطب الرباني عبد السلام بن مشيش، ووارث سره العارف بالله أبو الحسن الشاذلي، وكلاهما من أبناء شمال المغرب، حيث تأسست معالم طريق روحي مغربي أصيل، قوامه الإخلاص، وعماده التربية، وغايته إصلاح الفرد وبناء المجتمع. وإن الجمعية، وهي تستحضر هذا الامتداد النوراني، تتابع بقلق بالغ ما تعرفه الزاوية البودشيشية، باعتبارها امتدادًا للطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني المولود بالعراق، والتي تفاعلت مع الخصوصية المغربية عبر الزمن. غير أن ما تشهده هذه الزاوية اليوم من توترات واختلالات، لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا معزولًا، بل هو مؤشر دقيق على اختلال أعمق قد يطال بنية الحقل الديني إذا لم يُعالج بالحكمة والبصيرة. إن ما يقع يضعنا أمام سؤال مصيري: كيف نحفظ الشرعية الروحية ونصون وحدة الزوايا، دون أن ننزلق إلى صراعات تفتح أبواب الفتنة، وتهدد الأمن الروحي الذي ظل المغرب متمسكًا به عبر القرون؟ وفي هذا المقام، تؤكد الجمعية أن التصوف المغربي الأصيل، الذي تجسده مدارس عريقة على رأسها الطريقة الشاذلية، لم يكن يومًا قائمًا على الامتيازات أو الاحتكار، بل على التربية والسلوك والعلم. كما أن الطريقة التجانية، في سياقها التاريخي، تأثرت بالبيئة الصوفية المغربية، حيث تتلمذ مؤسسها أحمد التيجاني على يد الشيخ مولاي الطيب الوزاني، أحد أعلام المدرسة الشاذلية الوزانية، بما يعكس وحدة الروح الصوفية المغربية وتكامل مساراتها. وانطلاقًا من هذه الرؤية، فإن الجمعية تعلن للرأي العام ما يلي: أولًا: التأكيد على أن الشرعية الروحية في الزوايا ليست ملكًا موروثًا، ولا امتيازًا عائليًا، بل أمانة تقوم على الكفاءة الروحية، والعلم، والتزكية، والسند التربوي الصحيح. وإن اختزالها في التوريث العائلي يُفرغ التصوف من جوهره، ويحوّله من مدرسة إصلاح إلى إطار مغلق، وهو ما يتنافى مع روح الدين ومقاصده. ثانيًا: الدعوة الصريحة إلى ترسيخ مبدأ التداول داخل الزوايا والطرق الصوفية، على أساس الاستحقاق الروحي والمعرفي، بما يضمن استمرارية الرسالة وتجددها، ويمنع كل أشكال الاحتكار أو الانغلاق. ثالثًا: الدعوة إلى تنظيم الزوايا وتأطيرها بنص قانوني واضح، يحفظ وحدتها واستقرارها، ويصون رسالتها التربوية، ويضع حدًا لكل أشكال العبث أو الاستغلال أو توظيف النفوذ. رابعًا: التحذير من خطورة ما يقع داخل بعض الزوايا، وعلى رأسها الزاوية البودشيشية، لما قد يشكله من سابقة قد تفتح أبواب الفتنة في باقي الزوايا، بما يهدد بتحويلها من مؤسسات للوحدة إلى بؤر للتنازع والانقسام. خامسًا: التأكيد على ضرورة تحييد الزوايا عن كل أشكال التسييس أو الصراع، حتى تظل فضاءات للسكينة والتربية، ومشاعل للنور والهداية. سادسًا: الدعوة إلى حماية التصوف المغربي الأصيل، وصون نقائه من الخرافات والشوائب، وتعزيز إشعاعه كأحد أعمدة الهوية الدينية والحضارية للمملكة. سابعًا: مناشدة الجهات المعنية إلى التدخل الحكيم والمسؤول، بما يعيد الأمور إلى نصابها، ويحفظ الشرعية، ويصون وحدة الصف، ويمنع الانزلاق نحو ما لا تُحمد عقباه. وختامًا، تؤكد الجمعية أن المغرب، بقيادته الحكيمة، ظل عبر التاريخ نموذجًا فريدًا في التوازن بين الدين والدولة، وأن التصوف المغربي سيبقى، ما دام متشبثًا بأصوله، نورًا يهدي القلوب، ويجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم. إنها لحظة صدق مع الذات، واختبار للضمير، ونداء إلى كل الغيورين: أن نحفظ لهذا الوطن روحه، ولتصوفه نقاءه، ولمؤسساته عظمتها. والسلام الفقير إلى الله محمد اعبيدو رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن