على بعد أقل من ثلاثة أشهر من انعقاد مجلس الأمن للنظر في آخر تطورات ملف النزاع المفتعل حول الصحراء، وتحديد المسار الذي يجب أن تتخذه الأممالمتحدة، في حال التخلي عن "خدمات" المبعوث الأمي الحالي كريستوفر روس، بعد فشله الذريع في مهمة الوساطة بين أطراف القضية، تبرز معطيات جديدة على الساحة الدولية، تؤشر إلى وجود عدة تحولات جيو إستراتيجية واقتصادية كبرى، تشهدها الدول التي تساند البوليساريو، سيكون لها حسب عدد من المراقبين والمحللين وقع سلبي لا محالة على أجندتها ومخططاتها المعادية للمغرب و" ستضعف من الدعم المادي والدبلوماسي الذي يتلقاه المرتزقة، خاصة من بعض دول أمريكا الجنوبية كفنزويلا وكوبا، علاوة عن الجزائر التي تواجه أزمة حقيقية بسبب انخفاض ثمن برميل النفط إلى مستويات قياسية منذ 2008. هذه المعطيات أو المؤشرات تمثل بالنسبة للمغرب بحق فرصة تاريخية لا تعوض، ولا يجب تفويتها، إذا ما تم استثمارها من قبل القائمين على تسيير الشأن العام بالشكل المطلوب سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا. فالنظام الجزائري الذي راهن دائما وعلى مدى سنوات على التشويش على المغرب من خلال دعمه لمرتزقة البوليساريو، خدمة لمخططاته التوسعية وأجندته الجيو-إستراتيجية ومصالحه الاقتصادية، يواجه اليوم اختبارا صعبا جدا في مواجهة انهيار أسعار النفط، وهو الذي يعتمد اقتصاده أساسا على صادرات البترول والغاز، ما يعني أن أسعار النفط الحالية تضع الاستقرار المالي والاقتصادي والاجتماعي للجزائر كغيرها من الدول التي يقوم اقتصادها على الصادرات الهيدروكربونية مثل فنزويلا والإكوادور وإيران والعراق على المحك، ما سيفقدها الكثير لتحقيق التوازن والاستقرار لشعوبها. فهل تدرك حكومتنا "الموقرة " قيمة هذه الفرصة التاريخية، وأهميتها البالغة في خدمة قضيتنا الوطنية الأولى، وإعداد ما يمكن إعداده من المخططات والبرامج والمبادرات، لاختراق دائرة الدول التي كانت إلى وقت قريب تعتبر سندا قويا لجماعة الانفصاليين في تيندوف بتخطيط وتوجيه من حكام الجزائر، وتحقيق سبق تاريخي في استمالة هذه الدول لصالح قضية وحدتنا الترابية؟. إن الاقتصاد اليوم أضحى سلاحا فعالا بل فتاكا داخل الساحة الدولية، وأداة لتحقيق مكتسبات سياسية كبيرة للدول التي تجيد قواعد وآليات اللعبة الاقتصادية من خلال استثمار كل الظروف والتحولات الجارية، وتوجيهها لخدمة قضيتنا العادلة ومصالحنا السياسية والاقتصادية، وهو ما ينبغي على الحكومة أخذه بعين الاعتبار خاصة وأن المبادرة التاريخية لجلالة الملك بوضع مقاربة جديدة تقوم على الانفتاح على دول القارة الإفريقية وتقوية دوره الإقليمي، تمثل إشارة قوية إلى القائمين على تسيير الشأن العام ببلادنا إلى ما يجب القيام به في هذا الصدد، في الوقت الذي بدأت فيه الجزائر تواجه فعلا صعوبات جمة بفعل التحولات الخطيرة التي تعرفها سوق النفط الدولية في ظل موارد مالية ضعيفة، تجبرها على إعادة برمجة أولوياتها وتقليص مصاريفها، وما سيصحب ذلك من إعادة النظر في الدعم المالي الذي يخصصه حكام الجزائر لدعم أنشطة البوليساريو المعادية للمغرب. إن الحكومات الذكية في مثل هذه الظروف لا تقف موقف المتفرج أو الشامت، بل تبادر إلى تشكيل مجموعة تفكير وتخطيط، فيما يجب فعله، للاستفادة من هذه التحولات لصالح قضاياها الوطنية، وهو ما على حكومتنا الموقرة أن تفعله. تحولات أفرزها الواقع السياسي والاقتصادي العالمي، والتغير الكبير في شكل ومضمون العلاقات الدولية ، مما بات ضروريا بالنسبة للدول التي لم تلحق بركب التغيير الديمقراطي والليبرالي، العمل على مراجعة أولوياتها السياسية وقناعاتها الأيديولوجية وعلاقاتها الدولية. ولعل ما تشهده فنزويلا وكوبا بناء على المستجدات والمتغيرات الجيو- إستراتيجية الإقليمية والدولية اقتصاديا وسياسيا، خير دليل على ما نقول، باعتبار هاتين الدولتين آخر ما تبقى من المعسكر الاشتراكي، الذي تداعت أركانه وانهارت أسسه منذ عام 1990. فهاتان الدولتان أضحتا اليوم وفي ظل ما يشهده العالم من تحول عميق، تبحثان عن بدائل وخيارات جديدة، للخروج من أزمتهما الاقتصادية الخانقة، والتي لا حل لها سوى التخلي عن سياسة وفكر الحرب الباردة، والخروج من دائرة الاستقطاب الايديولوجي إلى رحابة الانفتاح على العالم، والإمكانات الضخمة التي يوفرها اقتصاد السوق. ففنزويلا تبحث عن حلول بديلة لتجنب أزمة اقتصادية مع ضرورة إيجاد موارد مالية ضرورية لإنعاش اقتصادها، مما سينعكس على مساعداتها لحركات انفصالية مثل البوليساريو، وكوبا تعيد النظر في نظام تحالفها الدولي ولو بطريقة تدريجية، بعد أن أصبح من الصعب الاعتماد على مجانية موارد النفط الفنزويلية، وصار عليها البحث عن موارد مالية هي الأخرى مما سينعكس على مساعداتها للانفصاليين. فهل تملك الحكومة اليوم أدنى تصور للتعاطي مع هذه المستجدات داخل القارة الأمريكو لاتينية، والانتقال إلى العمل على استثمار التحول الجاري داخلها، لصالح قضيتنا الوطنية، ومصالحنا الاقتصادية، كما هو قائم الآن مع العديد من الدوال الإفريقية؟ ذلك ما نشك فيه.