حسمت الحكومة بشكل رسمي ملف تصميم تهيئة الشريط الساحلي لإقليم الفحص أنجرة، واضعة بذلك حدا لمسار طويل وشاق من الدراسات والمشاورات التي انطلقت منذ عام 2018. وتأتي مصادقة المجلس الحكومي، أمس الخميس، على هذه الخطوة التنظيمية الهامة في وقت يشهد فيه الاقليم تحولات ديموغرافية واقتصادية متسارعة بفعل الجاذبية التي يمارسها ميناء "طنجة المتوسط"، غير أنها لا تزال تثير نقاشا محليا حول معادلة التوفيق بين صرامة التخطيط العمراني وتطلعات الساكنة المحلية. وكرس المرسوم رقم 2.25.781، المنشور في الجريدة الرسمية أواخر أكتوبر الماضي، هذا التصميم كوثيقة مرجعية ملزمة لتنظيم المجال الساحلي الممتد بين جماعتي القصر المجاز وتغرامت. وجاء هذا القرار الحكومي تتويجا لمسار إداري معقد، مر عبر محطة البحث العلني الدقيقة خلال شهري نوفمبر ودجنبر 2024، وهي الفترة التي سمحت للسكان والمهنيين بتدوين ملاحظاتهم، قبل أن تعكف اللجنة التقنية المركزية في يوليو 2025 على البت في "التعرضات" المسجلة، رافعة تقريرا مفصلا مهد الطريق للمصادقة النهائية. وتكشف الوثائق التقنية المرتبطة بالتصميم الجديد عن توجه السلطات نحو "عقلنة" استعمالات الأرض في منطقة تعيش تحت ضغط عمراني متزايد. ويقر التقسيم الجديد مناطق محددة بوضوح للسكن القروي والتجهيزات العمومية، ومناطق أخرى مخصصة للاستثمار السياحي، بينما يفرض قيودا صارمة على البناء في المساحات المصنفة ذات صبغة فلاحية أو بيئية. كما تضمن التصميم، في محاولة لاستيعاب الوضع القائم، مقتضيات تهم "إعادة الهيكلة" للدواوير التي شهدت توسعا عشوائيا، بهدف إدماجها في النسيج المنظم. وينظر إلى هذه الوثيقة التعميرية الجديدة كاستجابة حكومية لضرورات المرحلة التي يفرضها الإشعاع الاقتصادي لميناء طنجة المتوسط، حيث تحولت الجماعات المحاذية لهذا الشريان الاقتصادي إلى مناطق جذب تتطلب بنية تحتية ومواكبة عمرانية دقيقة. وتؤكد الفعاليات الرسمية، بما فيها الوكالة الحضرية لطنجة، أن تحديث هذا التصميم يندرج ضمن رؤية استراتيجية لتعويض الوثائق المنتهية الصلاحية، وتوفير إطار قانوني يحسن الربط بين المراكز القروية ويحمي الفضاءات الطبيعية من زحف الإسمنت. وفي المقابل، لم يمر هذا التنظيم الجديد دون إثارة قلق محلي ملموس؛ فقد سبق لمجلس جماعة تغرامت أن عبر عن رفضه للمشروع في دورة استثنائية عقدت في يناير 2025، قبل أن يتم تدارك الأمر عبر تعديلات جزئية أدخلتها اللجنة المختصة لاحقا. وتتركز تحفظات المنتخبين وبعض فئات الساكنة حول "صرامة" المعايير المفروضة على البناء في الأراضي الفلاحية، لا سيما بالنسبة للملاك الصغار الذين يرون في هذه القيود عائقا أمام تلبية حاجياتهم السكنية الطبيعية. ومن جانب آخر، دخلت هيئات المجتمع المدني على خط النقاش، مبدية ملاحظات جوهرية حول الجانب البيئي. وتعتبر هذه الجمعيات أن التصميم، رغم أهميته، يحتاج إلى ضمانات أقوى لحماية النظم البيئية الهشة، خصوصا في المناطق المتاخمة للشواطئ ومساحات الرعي التقليدية التي تشكل جزءا من هوية المنطقة الاقتصادية والاجتماعية. ويرى مراقبون للشأن المحلي أن المصادقة الحكومية، وإن كانت تمثل نهاية للمسار التشريعي للتصميم، فإنها تدشن مرحلة جديدة من التدافع الميداني أثناء التنفيذ. وسيكون المحك الحقيقي للسلطات المحلية هو القدرة على تنزيل مقتضيات التصميم بمرونة تضمن التنمية الاقتصادية والسياحية للمنطقة، دون الإخلال بالسلم الاجتماعي أو القضاء على الطابع القروي والبيئي الذي يميز شواطئ الفحص أنجرة. ويبقى الباب مفتوحا، وفق النصوص القانونية، أمام مراجعات جزئية مستقبلا في حال ظهور مستجدات تفرض تعديل هذه الرؤية المجالية.