لا تبدو ليلة رأس السنة في طنجة هذا العام مجرد وداع لسنة واستقبال لأخرى، بل تتحول في هذه الأثناء إلى مهرجان مفتوح تمتزج فيه أمنيات العام الجديد 2026 بحمى كرة القدم، إذ أضفت منافسات كأس إفريقيا للأمم طابعا استثنائيا على أجواء المدينة التي تكتظ شوارعها بالزوار والمشجعين في مشهد نادر. وتشهد المدينة ليلة بيضاء، حيث يبدو "بولفار باستور"، الشريان الرئيسي لوسط المدينة، منذ الدقائق الأخيرة لعام 2025 وحتى الآن ممتلئا عن آخره. وتشكلت طوابير طويلة من العربات التي أطلقت منبهاتها الصوتية في سيمفونية صاخبة تعبيرا عن الفرح، في وقت عجزت فيه حركة السير عن استيعاب التدفق الهائل للمحتفلين الذين توافدوا من مختلف المدن المغربية والدول الإفريقية لمواكبة العرس الكروي القاري. وتترجم لغة الأرقام هذا الزخم البشري الكثيف، إذ تشير التقديرات الأولية للمهنيين إلى أن المدينة سجلت خلال ال24 ساعة الأخيرة تدفقا قياسيا للزوار يقدر بعشرات الآلاف، وصل معظمهم عبر قطار "البراق" ومطار ابن بطوطة. وقفزت نسبة الإشغال في الفنادق المصنفة، بحسب مصادر محلية، لتلامس عتبة 100 بالمئة، مما اضطر الكثير من الوافدين المتأخرين للجوء إلى الشقق المفروشة التي سجلت هي الأخرى طلبا فاق العرض بمرات عدة، في انتعاشة قياسية لم يشهدها القطاع السياحي في مثل هذا الوقت من العام. ويشكل كورنيش المدينة، الممتد على طول الساحل المتوسطي، "مركز الثقل" في هذه الاحتفالات المستمرة، حيث تغص جنباته بآلاف المواطنين والسياح. وتزينت الواجهة البحرية بأضواء السيارات والألعاب النارية العفوية التي يطلقها المحتفلون، فيما تتمازج هتافات "سنة سعيدة" مع الأهازيج التشجيعية للمنتخبات المشاركة في البطولة، مما يخلق لوحة كرنفالية فريدة تعكس الروح الكوسموبوليتية للمدينة. واستجابة لهذا الإقبال الكثيف، كسرت المقاهي والمطاعم قواعد توقيتها المعتاد، حيث مددت الكثير منها ساعات العمل حتى ساعات الصباح الأولى. فيما اكتظت مقاهي الكورنيش ووسط المدينة بالرواد الذين يتابعون السهرات التلفزيونية واللقطات المعادة من مباريات البطولة، في مشهد يعكس الانتعاشة الاقتصادية القوية التي تعيشها طنجة بفضل تزامن احتفالات رأس السنة مع الحدث الرياضي الأبرز في القارة. ويقول أحد مسيري المقاهي في منطقة "مالاباطا" إن الأجواء هذا العام "غير مسبوقة"، مضيفا أن "تواجد المشجعين الأفارقة إلى جانب الزوار المغاربة يمنح الاحتفالات نكهة خاصة وحيوية لم نعهدها من قبل في مثل هذه المناسبات". وبينما تتجاوز عقارب الساعة توقيت دخول العام 2026، تؤكد طنجة مرة أخرى قدرتها على استيعاب الأحداث الكبرى، مانحة لزوارها ليلة استثنائية لا تزال فصولها مستمرة، عنوانها الفرح وكرة القدم.