لم تكن طنجة، عبر تاريخها الممتد كحارس أزلي لبوغاز جبل طارق، مجرد رقعة جغرافية، بل كانت دائما فكرة حضارية سابقة لعصرها؛ مدينة تتقن فن العيش المشترك وتجعل من "الآخر" جزءا من نسيجها اليومي دون عناء. لكن ما عاشته المدينة خلال الأسابيع الماضية، وما تلاها من تداعيات، وضع هذا الإرث الحضاري أمام اختبار وجودي قاس. فبينما فتحت طنجة ذراعيها لضيوف القارة، محولة شوارعها ومطاعمها وفنادقها إلى فضاءات للأخوة العفوية، جاء الرد ممن أكرموا صادما في دناءته، وموغلا في جحود لا يمكن تصنيفه إلا ضمن خانة "الإفلاس الأخلاقي" المكتمل الأركان. إن حالة الغضب التي تسري اليوم في عروق الشارع الطنجاوي ليست انفعالا عابرا، بل هي رد فعل فيزيائي طبيعي على انتهاك صارخ لميثاق الشرف غير المكتوب. لقد قدمت طنجة، نيابة عن المغاربة جميعا، درسا في الرقي الإنساني؛ حيث تجول المشجعون والزوار في أزقة المدينة العتيقة، وعلى طول الكورنيش، آمنين مطمئنين، يتقاسمون مع أهل الدار طعامهم وضحكاتهم. لم تكن تلك "تمثيلية" دبلوماسية، بل كانت الطبيعة الطنجاوية الصرفة التي لا تعرف التكلف. وفي المقابل، قوبل هذا السخاء، بمجرد انتهاء العرس القاري، بحملات ممنهجة من السخرية والتنكر، كشفت عن "عقدة نقص" متجذرة لدى طرف لم يستطع استيعاب أن يكون المضيف متفوقا تنظيميا، وكريما أخلاقيا، ومنتصرا رياضيا في آن واحد. وهنا يبرز الدرس التاريخي الذي يجب أن تستحضره الذاكرة الطنجاوية الحية، لترميم هذا الشرخ النفسي دون الانزلاق إلى القاع. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة هي التي تبنى على الترفع لا على الانجرار لمعارك المستنقعات. لنتأمل تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية؛ تلك الأمة التي تعرضت لأبشع أنواع التدمير والشيطنة من محيطها ومن خصومها، لكنها لم تضيع طاقتها في تبادل الشتائم أو البكاء على الأطلال. اختارت اليابان "الانتقام الحضاري" بالعمل والصمت، فصعدت لتصبح عملاقا يخطب العالم وده، بينما بقي خصومها وحسادها الإقليميون غارقين في وحل الأيديولوجيات البائدة، يراوحون مكانهم في أسفل سافلين من سلم التنمية. والنموذج ذاته تكرر مع ألمانيا الغربية، التي واجهت حملات الكراهية من جيرانها الشرقيين بمزيد من البناء الديمقراطي والرفاه الاقتصادي، تاركة للآخرين "ضجيج الحناجر" بينما احتفظت هي ب "فصاحة الإنجاز". إن الإساءة التي طالت المغاربة، وطنجة في القلب منهم، هي في جوهرها اعتراف ضمني من الطرف الآخر بالعجز. فالجاحد لا ينكر الجميل إلا لأنه يشعر بضآلة حجمه أمام قامة المحسن. لذا، فإن الدعوة اليوم لضبط النفس وعدم الانجرار وراء دعوات الكراهية أو العنصرية، ليست دعوة للمثالية الساذجة، بل هي "استراتيجية قوة". إن الرد بالعملة نفسها، واستخدام لغة عنصرية مقيتة ضد من أساؤوا، هو بالضبط ما يرجوه هؤلاء؛ إنهم يريدون سحب طنجة، المدينة العالمية المنفتحة، ومعها المغرب الشامخ بعظمته التاريخية والحضارية، إلى ملعبهم الضيق المليء بالأحقاد، لتتساوى الرؤوس في الرداءة. على الطنجاويين أن يدركوا أن كرامتهم محفوظة بمجرد كونهم من هم. إن الرد الأبلغ على من عض اليد التي أكرمته ليس بصفعه، بل بتركه يغرق في سوءة عمله، بينما تستمر القافلة المغربية في مسيرها التنموي والرياضي والدبلوماسي. إن الحفاظ على نقاء الصورة الحضارية لطنجة، كمدينة لا تضيق بالآخر مهما كان جحوده، هو انتصار بعيد المدى. فالعالم الذي راقب البطولة، رأى بأم عينيه الفرق بين رقي المضيف ودناءة سلوك الضيف بعد مغادرته. فليكن غضب المغاربة وقودا لمزيد من الاعتزاز بالذات، ولمزيد من العمل لتظل هذه البلاد منارة شاهقة تعمي أبصار الحاسدين. إن "الانتقام" الحقيقي يكمن في أن يظل المغرب كما هو: جميل، شامخ، كريم، وعصي على الانجرار إلى الوحل. أما الجاحدون، فقد حكموا على أنفسهم بالبقاء أسرى لظلام قلوبهم، وتلك، لعمري، هي أقسى عقوبة يمكن أن يبتلى بها إنسان أو جماعة. لتبقى المملكة الشريفة في العلالي، وليبق الحقد في مكانه الطبيعي: في القاع.