تحت سماء رمادية ثقيلة وسحب منخفضة تلامس قمم الجبال، يطغى هدير المياه المتدفقة بغزارة من الشقوق الصخرية في قرية الشرافات على ضجيج محركات الشاحنات التي تعبر بصعوبة الطريق الوطنية رقم 2، الرابطة بين شفشاون والحسيمة، والتي باتت حركتها محفوفة بالمخاطر بفعل التساقطات الثلجية التي تغطي المرتفعات المجاورة. من قلب الجبل، تندفع المياه بقوة مشكلة رغوة بيضاء كثيفة عند ارتطامها بالصخور المكسوة بالطحالب، قبل أن تنحدر بسرعة نحو الوديان. هذا المشهد المائي الصاخب يكسر رتابة الرحلة الشاقة عبر هذا الشريان الطرقي الحيوي، حيث تفرض الظروف المناخية القاسية إيقاع بطيئا وحذرا على حركة السير. يقف أحمد (58 عاما)، وهو فلاح من أبناء المنطقة يرتدي جلبابا صوفيا بنيا وقبعة تقيه لسعات البرد القارس، مراقبا منسوب المياه وهو يفيض عن السواقي التقليدية. يقول الرجل وهو يشير بيده نحو المنبع: "الماء عاد بقوة هذا الموسم. الأرض تشبعت تماما، ولم نعد ننتظر دورنا في السقي طويلا كما كان الحال في السنوات الماضية الجافة". وتقع قرية الشرافات ضمن النفوذ الترابي لجماعة بني دركول القروية بإقليم شفشاون، وتعتمد ساكنتها بشكل أساسي على الزراعة المعيشية وتربية الماشية، في منظومة اقتصادية محلية تشكل الموارد المائية عصب الحياة فيها، خاصة في ظل العزلة التي قد تفرضها الثلوج شتاء. انتعاش مائي وسط حصار الثلوج ويعكس هذا التدفق القوي تحسنا ملموسا في الوضعية الهيدروليكية للمنطقة، نتيجة موسم مطري وثلجي استثنائي. وتفيد البيانات الرسمية أن المعدل التراكمي للتساقطات المطرية بإقليم شفشاون بلغ 691 ملم منذ بداية الموسم المطري 2025-2026 وحتى 22 يناير الجاري. وعززت الاضطرابات الجوية الأخيرة هذا الوضع، إذ سجلت 11 ملم إضافية خلال الأربع والعشرين ساعة التي سبقت 25 يناير. هذا "الغيث" لم يأت وحده، بل رافقته تساقطات ثلجية كثيفة على المرتفعات المحيطة، ما أثر بشكل مباشر على حركة المرور في المحاور الطرقية الجبلية، ورغم ذلك، انعكس الذوبان الأولي للثلوج مع الأمطار فورا على صبيب المنابع. ويقدر صبيب منبع الشرافات حاليا ما بين 80 و200 لتر في الثانية، مغذيا الشبكة المائية لحوض وادي لاو. وعلى مسافة قريبة من المنبع، يمر راع يقود قطيعا من الماعز نحو حوض حجري طافح بالمياه. يقول الراعي باقتضاب، بينما تتجمع ماشيته للشرب: "وفرة المياه تريحنا، لكن البرد والثلوج في الأعالي تجعل الرعي صعبا. على الأقل، الماشية تجد ما تشربه قرب الدوار ولا نضطر للمخاطرة في المسالك الوعرة". ملاذ وسط طريق شاق وعلى طول الطريق الوطنية الملتوية، يواصل موقع المنبع لعب دوره التقليدي كمحطة استراحة رئيسية وتاريخية للمسافرين، خاصة في ظل الظروف الحالية. فالوصول إلى هذه النقطة اليوم يعد "إنجازا" للسائقين الذين تجاوزوا لتوهم مقاطع طرقية تكسوها الثلوج في المرتفعات المجاورة مثل مركز باب تازة، حيث تسابق فرق إزاحة الثلوج الزمن لفتح الممرات وتأمين انسيابية السير. في الفسحة الترابية المقابلة للمنبع، والتي غطتها الأوحال، تتوقف السيارات والحافلات المغطاة بطبقة من الثلج المذاب والطين. ينزل الركاب، متدثرين بمعاطفهم الشتوية، لممارسة طقوسهم المعتادة: غسل الوجوه بالمياه الباردة لطرد تعب القيادة والتركيز، وملء القوارير البلاستيكية. يقول عبد الرحيم، وهو مسافر متجه نحو مركز باب برد، بدت على وجهه علامات الإرهاق بعد قطع مسافة طويلة وسط الضباب والثلوج: "الطريق صعب جدا اليوم، الثلوج تغطي عدة نقاط والمرور يتطلب حذرا شديدا رغم وجود الآليات التي تزيح الثلوج". ويضيف وهو يغسل وجهه بماء المنبع: "التوقف هنا تقليد لا نحيد عنه، لكنه اليوم ضرورة لالتقاط الأنفاس والتأكد من سلامة العربة قبل إكمال الرحلة". ويحافظ هذا التوافد المستمر، رغم قسوة الطقس، على حركة اقتصادية محلية حيوية. في مطعم صغير قريب، يؤكد أحد العاملين أن "المنبع هو رئة المنطقة، فالمسافرون يتوقفون دائما، واليوم يتوقفون بحثا عن الراحة من عناء السياقة في الثلج وشرب المياه الطبيعية". مع انتصاف النهار، وفي ظل ضوء خافت ينفذ بصعوبة من بين الغيوم الكثيفة، تستمر حركة المرور ببطء شديد. تتوقف سيارة رباعية الدفع، يترجل سائقها ليتفقد عجلات مركبته ويتزود بالماء، ثم ينصرف بحذر لمواجهة المنعرجات القادمة. ويبقى صوت المياه الهادر سيد المكان، شاهدا على موسم شتوي قاس أعاد الحياة للينابيع، لكنه فرض تحديات جمة على سالكي الطرق الجبلية.