تحت ظلال أسوار "قصبة" طنجة التاريخية، وبمحاذاة "سوق الداخل" الذي يفوح بعبق التاريخ، تقف السيدة "كنزة" متأملة واجهات المحلات التي تزدان بأبهى حلل الخياطة التقليدية. كنزة، المقيمة بالديار الإسبانية، لم تأتِ لزيارة عائلتها فحسب، بل جعلت من رحلتها هذه "مهمة وطنية" لاقتناء ألبسة تقليدية تعيد بها رسم ملامح شهر رمضان في بيتها وراء البحار. بالنسبة لكنزة، فإن الاستعداد للشهر الفضيل يبدأ من أزقة طنجة. تقول وعيناها تلمعان برضا وهي تتفحص قطعة "مليفة" حريرية: "في إسبانيا، اللباس التقليدي هو هويتنا التي نعتز بها. جئت اليوم لأختار لنفسي 'جلابة' طنجاوية بلمسة 'الراندة' اليدوية، ولأبنائي 'جبادورات' مطرزة ب 'العقاد' الأصيلة". وتضيف في حديثها ل"طنجة 24″: "رمضان في ديار الغربة يحتاج إلى هذه الرموز؛ عندما أرتدي الجلابة ويصلي أبنائي بالجبادور، نشعر بأننا في قلب طنجة وليس في إسبانيا. إنه درس حي في الانتماء أقدمه لأطفالي ليعرفوا جذورهم". فخلف منضدة محله العتيق، يبدو السيد "العربي"، الذي ورث تجارة الأثواب واللباس الجاهز عن أجداده، مستعداً لهذا الموسم. يوضح أن الإقبال في شمال المملكة يتميز بخصوصية "الذوق الرفيع" والبحث عن الألوان الهادئة التي تشتهر بها عروس الشمال. يقول العربي: "نحن ننتظر زبناءنا من مغاربة العالم في شعبان. يبحثون عن 'القميص' و'الكندورة' و'الجبادور' للأطفال الصغار، فالأمهات مثل السيدة كنزة يحرصن على أن يظهر أطفالهن بزي بلدهم الأصيل في المساجد والمصليات بإسبانيا، خاصة في صلاة التراويح وصباح العيد". ولا يكتمل المشهد في أسواق طنجة دون "المنديل" الجبلي المخطط والشاشية المزينة بالخيوط الملونة. كنزة لم تنسَ نصيبها من هذه القطع التي تعتبرها "تحفاً فنية" تزين بها بيتها وتلبسها في المناسبات الحميمية. تقول وهي تبتسم: "المنتجات المغربية الأصيلة لها طابع خاص لا تجده في أي مكان آخر، مهما توفرت المستلزمات في الخارج. 'ريحة البلاد' موجودة في هذه الغرز اليدوية التي أبدعتها أنامل الصانع التقليدي المغربي". ومع غروب الشمس فوق ميناء طنجةالمدينة، تنهي كنزة جولتها وهي تحمل حقائب "عامرة" بكنوز التراث المغربي. لم تكن مجرد مشتريات، بل هي "حقيبة هوية" ستفتحها في بيتها بإسبانيا مع أول أيام رمضان، لتبث الدفء والأصالة في روح أفراد عائلتها، وتذكرهم بأن المغرب، بجماله وتراثه، يسكنهم أينما ارتحلوا.