يعيش قطاع النسيج بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، الذي يشكل إحدى أهم قلاع التصدير الصناعي بالمغرب، على وقع تحولات متسارعة تفرض انتقال المصانع المحلية من نظام المناولة البسيطة إلى سلاسل إنتاج متكاملة، لاحتواء التراجع الأخير في الصادرات الوطنية ومواجهة المعايير البيئية الأوروبية الصارمة. وتنعكس التقلبات الماكرو-اقتصادية للقطاع على المستوى الوطني بشكل مباشر وحاد على المنظومة الصناعية للشمال. فقد أظهرت بيانات مكتب الصرف الصادرة في يناير 2026 تراجعا في إجمالي صادرات "النسيج والجلد" المغربية بنسبة 4,5 في المائة لتستقر عند 43,8 مليار درهم نهاية 2025. وباعتبار طنجة المنصة المباشرة لتلبية طلبيات الأسواق الإسبانية والفرنسية، التي تمتص نحو 60 في المائة من هذه الصادرات، فإن الانكماش الوطني المسجل يضغط بشدة على المصانع المحلية، ويفضح الهشاشة الهيكلية لنموذج يعتمد على هوامش ربح ضيقة وطلبيات قصيرة الدورة. ويكتسي هذا التحدي الصناعي طابعا سوسيو-اقتصاديا بالغ الحساسية في الجهة. فالقطاع، الذي يوفر مئات الآلاف من مناصب الشغل ويمثل 27 في المائة من الوظائف الصناعية وطنيا، يعتمد في شمال المملكة بشكل مكثف على الطبقة العاملة النسائية. وفي سياق يتسم بضعف معدل النشاط النسائي الوطني المستقر في حدود 19 في المائة بحسب المندوبية السامية للتخطيط، تتحول مصانع النسيج بطنجة ومحيطها إلى صمام أمان اجتماعي يضمن الاستقرار المالي لآلاف الأسر، مما يجعل أي اهتزاز في حجم الطلبيات الخارجية تهديدا مباشرا للقدرة الشرائية المحلية. وتتضاعف هذه الإكراهات الإقليمية مع دخول "استراتيجية المنسوجات المستدامة" الأوروبية حيز التنفيذ. وتلزم هذه التشريعات، وفي مقدمتها "جواز المنتج الرقمي" وتوجيهات العناية الواجبة، مصانع الشمال باستثمارات عاجلة في أنظمة التتبع البيئي، وقياس البصمة الكربونية، وإدارة الموارد. وهي تكلفة امتثال معقدة تعجز مقاولات المناولة التقليدية عن استيعابها، مما يحتم عليها الارتقاء نحو تقديم "المنتج النهائي" أو التحول إلى "النسيج التقني". ولإنجاح هذا الانتقال الجذري في هيكل القيمة، ترتكز الصناعة المحلية على التفوق اللوجستي الإقليمي. ويشكل المركب المينائي طنجة المتوسط، الذي تجاوز عتبة 11,1 مليون حاوية نمطية في 2025، منصة حاسمة. فهذا القطب، بمناطقه الصناعية التي تحتضن 1300 شركة وتوفر 115 ألف منصب شغل، يتيح لجهة الشمال بنية تحتية قادرة على تجاوز منطق "تقليص آجال التسليم" البسيط، نحو القدرة على إدارة مواد أولية متطورة وتصدير منتجات نهائية تخضع لتدقيقات الامتثال الأوروبية. وتدفع هذه المعطيات المتقاطعة الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة نحو تسريع إعادة هيكلة القطاع، لتجاوز مخاطر الارتهان للمناولة، وضمان تنافسية الصادرات، وتحصين المكتسبات الاجتماعية لطبقة عاملة تشكل المحرك الأساسي للاقتصاد المحلي.