تستعد جهة طنجة-تطوان-الحسيمة لإطلاق برنامج واسع النطاق لتأهيل 83 مركزا قرويا موزعة على مختلف أقاليمها، في مسعى يهدف إلى تحسين البنية الحضرية لهذه التجمعات وتعزيز دورها بوصفها مراكز محلية للخدمات في المجال القروي بشمال المغرب. ويجد هذا البرنامج سنده القانوني في اتفاقية إطار تجمع مجلس الجهة بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، صادق عليها مجلس الجهة خلال دورته العادية لشهر مارس الجاري، وتُحدد ملامح تدخل مشترك لتحديث عدد من المراكز القروية التي تشهد تحولات عمرانية متسارعة. ويبلغ الغلاف المالي الإجمالي للبرنامج 420 مليون درهم بتمويل مشترك بين الطرفين، على أن تمتد المشاريع الميدانية خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2027، وتشمل أساساً تهيئة البنية التحتية الحضرية وتحسين ظروف العيش داخل هذه التجمعات. وعلى صعيد توزيع الأعباء التمويلية، يتولى مجلس الجهة تمويل تأهيل 48 مركزا قرويا، فيما تضطلع الوزارة بتمويل 35 مركزا، في حين يُموَّل ثمانية مراكز أخرى بصورة مشتركة بين الطرفين. وتتضمن محاور التدخل تهيئة الطرق والشوارع الرئيسية، وتأهيل الأحياء الناقصة التجهيز، فضلاً عن إحداث أو إعادة تهيئة الساحات العمومية والمساحات الخضراء وتحسين المشهد العمراني العام لهذه المراكز. ومن بين المراكز المستهدفة، يبرز القصر الصغير والجوامعة بإقليم الفحص-أنجرة، والحمراء بإقليم تطوان، والعوامرة وبني عروس بإقليم العرائش، وإزمورن بإقليم الحسيمة، إضافة إلى بريكشة والمجاعرة بإقليم وزان. وتؤدي هذه المراكز القروية تاريخيا دور الوجهة الرئيسية لسكان القرى والمداشر المجاورة للحصول على الخدمات الإدارية والتجارية الأساسية، إذ تتركز فيها الإدارات المحلية والمرافق العمومية والأسواق الأسبوعية وأنشطة التجارة والخدمات التي يرتكز عليها المجال القروي المحيط. غير أن هذه التجمعات شهدت في السنوات الأخيرة نموا ديموغرافيا وعمرانيا متسارعا، مدفوعا بتوسع البناء وارتفاع الكثافة السكانية وتحسن الربط الطرقي بين القرى والمدن، مما حوّل عدداً منها تدريجياً إلى شبه مدن صغيرة تستقطب أنشطة اقتصادية وخدماتية متنامية. بيد أن هذا التحول العمراني لم يواكبه في أغلب الأحيان تجهيز كافٍ للبنيات التحتية الأساسية، سواء على مستوى الطرق الداخلية أو الفضاءات العمومية أو تنظيم المجال العمراني، مما أفضى إلى بروز اختلالات عمرانية وضغط متزايد على المرافق المحلية. وفي هذا السياق، يُعوّل الفاعلون الترابيون على هذا البرنامج ليسهم في تحديث البنية الحضرية لهذه المراكز وتحسين جودة العيش بها، بما يُمكّنها من مواكبة التحولات الديموغرافية والعمرانية التي يشهدها شمال المغرب. كما يُرتقب أن يُعزز التأهيلُ جاذبيتها الاقتصادية والخدماتية، لا سيما في مجالات التجارة المحلية وخدمات القرب، مما يُرسّخ دورها بوصفها محطات وسيطة بين المجال القروي والمدن الكبرى بالجهة. ومن المنتظر أن تُنزَّل المشاريع المبرمجة عبر اتفاقيات خاصة لاحقة تحدد طبيعة الأشغال والجدولة الزمنية للتنفيذ وتوزيع الاعتمادات المالية، مع تولي ولاية الجهة مهام التنسيق وتتبع تقدم البرنامج على المستوى الترابي. ويرى فاعلون محليون أن تحديث هذه المراكز القروية بات يُشكّل رهاناً محورياً في سياسة التهيئة الترابية بالجهة، في ظل التحولات الاقتصادية والعمرانية التي يشهدها شمال المملكة، والتي جعلت عدداً من هذه التجمعات يتحول إلى نقاط استقرار سكاني ونشاط اقتصادي خارج المجال الحضري التقليدي.