يضع مشروع المخطط العمراني الجديد لمقاطعة "طنجةالمدينة"، المعروض حاليا على أنظار السكان لإبداء الرأي، مسألة السير والاختناق المروري في صلب إعادة تنظيم قلب العاصمة الاقتصادية لشمال المغرب. ويسعى هذا المخطط، المعروف إداريا ب "تصميم التهيئة"، إلى ربط رخص البناء الجديدة بشبكة المواصلات، لحماية الشوارع من التكدس الذي تفرزه المشاريع العقارية والسياحية. ويأتي هذا التوجه ضمن مسار تخطيطي خاص بمقاطعة "طنجةالمدينة" التي تضم المركز التجاري والتاريخي للمدينة. ولا يتعامل المخطط الجديد مع أزمة التنقل كمسألة تقنية معزولة، بل يعتبرها أساسا لتنظيم الأحياء. حيث تهدف الوثيقة، التي تمثل الإطار القانوني المحدد لاستعمالات الأراضي، إلى رسم تسلسل واضح لشبكة الطرق، وبرمجة توسيع الشوارع الحالية، مع شق محاور حضرية جديدة لفك العزلة عن الأحياء الناشئة وربطها بمركز المدينة بسلاسة. مراكز فرعية لتخفيف الضغط ولمواجهة تركز تدفقات السيارات نحو وسط المدينة، يقدم المشروع حلا يعتمد على الجغرافية الحضرية. ويقترح المخطط خلق "مراكز فرعية" في أحياء مختلفة، وهي عبارة عن أقطاب مصغرة تضم خدمات إدارية وتجارية ومرافق عمومية، مما يغني المواطنين عن التنقل اليومي الإجباري نحو المركز التقليدي المكتظ أصلا بالوظائف والمؤسسات. وفي تغيير جوهري للقواعد المعتمدة سابقا، يفرض المشروع قيودا إضافية على المستثمرين في قطاعي العقار والسياحة. فلن يعود مسموحا تشييد مبانٍ كبرى تعتمد حصرا على الشارع العام لركن سيارات الوافدين إليها. وبدلا من ذلك، تلزم الوثيقة المنعشين العقاريين بدمج حلول عملية داخل مشاريعهم، من قبيل بناء مواقف سيارات تحت أرضية كافية، وتوفير ساحات عامة مصغرة، ليتحمل المستثمر جزءا من أعباء الازدحام الذي يخلقه مشروعه، بدلا من تحميل كلفته للمجال العام. استثمارات لمواجهة الاختناق ويستند هذا التوجه إلى معطيات ميدانية تؤكد بلوغ أزمة السير مستويات تتطلب تدخلا هيكليا. وكان تقرير صادر عن البنك الدولي، حول واقع النقل الحضري في المغرب، قد حذر من وجود اختناقات مزمنة في محاور رئيسية بطنجة، أبرزها طريق "كاب مالاباطا" الساحلي. وكشف هذا التشخيص أن وتيرة التوسع العمراني تجاوزت بكثير قدرة الشوارع الحالية على استيعاب حركة المرور المتزايدة. ولم يعد التعامل مع هذا الضغط مقتصرا على المخططات الورقية، بل تُرجم إلى التزامات مالية ضمن ميزانية جماعة طنجة لسنوات 2022-2027. وخصص المجلس الجماعي ستة ملايين درهم لتمويل دراسات "مخطط التنقل الحضري المستدام"، إضافة إلى مليوني درهم للتحضير لإطلاق نظام حافلات عالية الجودة تتوفر على ممرات خاصة (BHNS)، لتشجيع النقل الجماعي على حساب السيارات الفردية. وتمتد الخطط الاستثمارية للجماعة لتشمل مشاريع كبرى، حيث تتضمن البرمجة إسهام المؤسسة المنتخبة في مشروع شامل للنقل الحضري تقارب كلفته الإجمالية 1.4 مليار درهم. كما ترصد الميزانية 600 مليون درهم لتمويل مشروع النقل المعلق "التلفريك"، في اعتراف مؤسساتي بأن التقاطعات التقليدية وإشارات المرور لم تعد تكفي لحل أزمة التنقل في مدينة جبلية وتعرف نموا ديموغرافيا سريعا. وتتجلى أزمة الركن بشكل خاص في النواة التاريخية للمدينة. ويعكس قرار المجلس الجماعي، المصادق عليه أواخر 2022، بتفويض تدبير الموقف التحت أرضي بساحة "سيدي بوعبيد" المحاذية للمدينة العتيقة، حجم الضغط اليومي المستمر على محيط المآثر التاريخية والأسواق القديمة، وهو ما يحاول تصميم التهيئة الجديد تنظيمه ومأسسته بشكل استباقي.