أعادت السلطات بولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ملف المباني الآيلة للسقوط إلى صدارة المتابعة الإدارية والتقنية، مؤكدة على ضرورة تسريع التدخلات الوقائية وتقوية تنسيق جهود المراقبة للحفاظ على السلامة العمرانية، لاسيما داخل الأنسجة العتيقة التي تعاني من تقادم بنياتها. وجاء هذا التحرك خلال اجتماع موسع احتضنه مقر الولاية بمدينة طنجة، بمناسبة زيارة كاتب الدولة المكلف بالإسكان أديب ابن إبراهيم. وشهد اللقاء حضور والي الجهة يونس التازي، ورئيس مجلس الجهة عمر مورو، إلى جانب مسؤولي العمالات ورؤساء المصالح الجهوية ومدراء الوكالات الحضرية المعنية بتدبير الشأن العمراني في أقاليم الشمال. وأفادت معطيات رسمية نُشرت عقب اللقاء بأن الاجتماع خُصص لتتبع وضعية البنايات المهددة بالانهيار بمختلف عمالات وأقاليم الجهة. وجرى التركيز خلال المباحثات على محورية الإجراءات الاستباقية لتأمين سلامة السكان، وتفعيل آليات التنسيق المشترك بين مختلف المتدخلين المؤسساتيين في مجال مراقبة البناء وتحسين شروط السلامة العمرانية. إطار قانوني ومسح جهوي مؤطر وتعد جهة طنجة-تطوان-الحسيمة من بين أكثر المجالات الترابية المعنية بورش معالجة البنايات الهشة على الصعيد الوطني. وفي هذا السياق، كانت الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط قد أطلقت، في عام 2022، صفقة خاصة بإجراء مسح منهجي شامل للبنايات المهددة بالانهيار على مستوى تراب الجهة. ويشكل هذا المسح الميداني أداة أساسية لتقييم حجم المخزون العقاري الهش، الذي يتطلب عمليات جرد، وخبرة تقنية، وتصنيف دقيق لتحديد درجات الخطورة. ويستند تدبير هذا الملف ذي الأبعاد الاجتماعية والأمنية إلى مقتضيات القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري. ويحدد هذا النص التشريعي بشكل مفصل مسطرة المعاينة وإنجاز الخبرة الهندسية وطبيعة التدخل الميداني في البنايات المعنية. كما يوزع هذا الإطار القانوني المسؤوليات المترتبة عن هذا الوضع بشكل صريح بين المالكين الخواص، والجماعات الترابية، والسلطات المحلية، والهيئات المختصة، بهدف ضمان تدخل منسق وسريع يحد من المخاطر المحتملة على الأرواح والممتلكات. وفي مدينة طنجة، تتركز إحدى أكثر البؤر العمرانية حساسية داخل نسيج المدينة العتيقة. وأعاد اجتماع الثلاثاء التذكير بمضامين اتفاقية شراكة تهم برنامج معالجة وتأهيل المباني الآيلة للسقوط في هذه المنطقة الحيوية خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2027. وتندرج هذه الاتفاقية في إطار مقاربة تشاركية تضم عدة مؤسسات عمومية، من بينها مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة. وتهدف الوثيقة إلى التحديد الدقيق للبنايات الأكثر عرضة للخطر، ومباشرة تدخلات استعجالية لإصلاحها أو إعادة تأهيلها، مع الحرص الصارم على الحفاظ على الخصوصية المعمارية والتراثية للنسيج التاريخي للمدينة. برمجة مالية ومواكبة ميدانية وعلى مستوى البرمجة المالية، كانت معطيات منشورة في ماي 2024 قد تحدثت عن إطلاق برنامج ثان لإعادة تأهيل المباني الآيلة للسقوط بالمدينة العتيقة لطنجة، بكلفة إجمالية تفوق 98 مليون درهم. ووجهت هذه الاعتمادات لتمويل الدراسات التقنية وأشغال معالجة 328 بناية سكنية مصنفة في خانة الخطر. وحسب المصادر ذاتها، تساهم جماعة طنجة بغلاف مالي يقدر ب 36 مليون درهم في تمويل هذا البرنامج الممتد بين عامي 2024 و2027. وجاء تحديد البنايات المستهدفة استنادا إلى نتائج الدراسة والمسح الميداني اللذين أنجزتهما الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط في وقت سابق. في المقابل، كشفت معطيات لاحقة نُشرت في أكتوبر 2024، عن رصد غلاف مالي أكبر يبلغ 125 مليون درهم لمعالجة المباني الآيلة للسقوط بالمدينة العتيقة، مع برمجة الإنجاز لتشمل الفترة الممتدة بين 2025 و2028. ويعكس هذا الفارق في الاعتمادات المالية المبرمجة تحيينا في التقديرات من قبل القطاعات المعنية، أو توسيعا في نطاق التدخلات الميدانية لتشمل بنايات إضافية. غير أن هذا التحيين المالي لا يغير من الطبيعة المعقدة للمشكلة، التي ترتبط أساسا بوجود رصيد هام من البنايات الهشة داخل نسيج عمراني قديم يتسم بالكثافة السكانية وصعوبة ولوج الآليات وتعدد الملكيات. وتضع هذه التطورات الميدانية والمالية اجتماع ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة الأخير في سياق يغلب عليه طابع تتبع التنفيذ الفعلي، متجاوزا مرحلة التداول الإداري في هذا الملف. وتؤكد المقاربة المعتمدة أن معالجة هذا النوع من البنايات لا ترتبط حصرا بتوفير التمويل وإنجاز الأشغال التقنية الكبرى. وترتكز نجاعة هذه البرامج على سرعة إنجاز الخبرات الهندسية الفاصلة، وتعبئة الموارد المالية في آجالها المحددة. كما تتطلب العملية مستوى عاليا من التنسيق بين السلطات المحلية والمجالس المنتخبة والوكالات الحضرية، خاصة عند التدخل داخل أحياء تاريخية تفرض الموازنة بين معالجة الهشاشة العمرانية ومتطلبات الحفاظ على التراث المعماري للمدينة العتيقة الممتد لقرون.