في سابقة لافتة، بل مقلقة في دلالاتها، لم تعد الانتقادات الموجهة للإنتاجات التلفزية المغربية حبيسة مقالات النقاد أو نقاشات المهتمين بالإعلام والثقافة. هذه المرة خرج النقد من فضائه الطبيعي ليصل إلى مدرجات ملاعب كرة القدم، حيث رفع جمهور ملعب سانية الرمل بتطوان يافطة طويلة عريضة تنتقد رداءة بعض البرامج التلفزية. ليست المسألة مجرد لافتة عابرة في مباراة كرة قدم، بل مؤشر على أن أزمة الإنتاج التلفزي لم تعد قضية نخبوية أو مهنية تخص أهل الاختصاص، بل تحولت إلى موضوع نقاش عام يتداوله الجمهور الواسع، بل ويحتج عليه في الفضاءات الشعبية الأكثر حيوية. والحقيقة أن هذه الرداءة ليست وليدة اللحظة. فمنذ سنوات تشكلت نمطية مقلقة في مجال الإنتاج التلفزي، حيث برزت شبكات من المنتجين والسماسرة الذين ارتدوا عباءة الإعلام والثقافة، فحصدوا الملايير من المال العام، بينما كان نصيب الأرشيف التلفزي المغربي مزيداً من التراجع والسطحية والابتذال. ولو كان الأمر يتعلق فقط بحرية السوق أو بتنافس طبيعي بين شركات إنتاج مستقلة، لهان الأمر نسبياً، ولأمكن تحميل المشاهد جزءاً من المسؤولية باعتباره صاحب الاختيار. غير أن الواقع مختلف تماماً، لأن جزءاً مهماً من هذه الإنتاجات يعتمد أساساً على الدعم العمومي والمال العام. وهنا تبرز مسؤولية دفاتر التحملات التي يفترض أن تؤطر عمل القنوات العمومية وتحدد معايير الجودة والتنوع واحترام الذوق العام. فدفتر التحملات ليس مجرد وثيقة تقنية، بل هو تعاقد أخلاقي وثقافي بين الإعلام العمومي والمجتمع. غير أن ما يجري اليوم يطرح سؤالاً مشروعاً: أين أثر هذه الدفاتر في ضمان جودة الإنتاج؟ وأين دورها في حماية المال العام من أن يتحول إلى مورد قار لشبكات إنتاج محدودة تقتسم السوق في ما بينها دون منافسة حقيقية؟ لقد ظهرت، مع مرور الوقت، شركات إنتاج من الباطن، تعمل أحياناً بوسائل وإمكانات عمومية، وكأننا أمام اقتصاد موازٍ داخل القطاع السمعي البصري. وضع لا يختلف كثيراً عما تعيشه قطاعات أخرى، حين يتم إضعاف المرفق العمومي أو تعطيل إمكاناته، ليفتح المجال أمام مصالح خاصة تستفيد من الوضع القائم. لكن الأخطر من كل ذلك هو تسلل التأويلات السياسية أو الدينية إلى مجال تقييم العمل الفني. فالفن بطبيعته مجال للحرية والإبداع، ولا ينبغي أن يخضع لمنطق الوصاية أو التنميط. لذلك فإن نقد هذه الإنتاجات لا يجب أن يُفهم باعتباره حكماً أخلاقياً على مضمونها أو محاولة لتقييد الحرية الفنية، بل دفاعاً عن المال العام وعن حق المغاربة في إنتاجات تليق بهم. إن القضية هنا ليست معركة ضد الإبداع، بل معركة ضد الرداءة وضد اقتصاد الريع الذي يخنق الإبداع الحقيقي ويقصي المبدعين. ويبقى سؤال آخر يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يتحول شهر رمضان كل سنة إلى الموعد شبه الوحيد للإنتاجات التلفزية الكبرى؟ ولماذا تتكدس الأعمال في هذا الشهر تحديداً بينما تمر باقي أشهر السنة بفراغ شبه كامل؟ أليس في الأمر قدر من الانتهازية الإعلامية والتجارية؟ فشهر رمضان لحظة إنسانية وروحية ودينية تجتمع فيها الأسر حول مائدة واحدة، وحول شاشة واحدة أيضاً. غير أن تحويل هذه اللحظة الجماعية إلى موسم سنوي لتصريف إنتاجات سريعة الصنع ومتكررة، يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة السياسة الثقافية والإعلامية في البلاد. والنتيجة التي تفرض نفسها اليوم واضحة: وفرة في الإنتاج، لكن ندرة في الإبداع. حضور كثيف للشاشات، مقابل غياب مؤلم للمبدعين الحقيقيين الذين يجد كثير منهم أنفسهم على هامش المشهد، أو مصطفين في طوابير بحثاً عن بطاقة فنان لا تسمن ولا تغني من جوع. إنها حقيقة مرة: لا إبداع بلا مبدعين، ولا إعلام عمومياً حقيقياً بلا احترام للمال العام. وحين يصل الغضب من رداءة الإنتاج التلفزي إلى مدرجات الملاعب، فذلك يعني أن الأزمة تجاوزت حدود النقد الثقافي، وأصبحت عنواناً لاختلال عميق ومنحدر رهيب !