ما تزال تداعيات الاحتقان السياسي والتنظيمي ترخي بظلالها داخل مجلس جماعة العرائش بعد أسابيع من دورة فبراير، في مشهد يتجاوز الخلافات العابرة حول جداول أعمال الدورات. وتواجه رئاسة المجلس وضعية دقيقة في ظل تآكل الحزام السياسي الداعم لها، بعدما لم تعد الانتقادات تصدر فقط عن خصومها داخل المجلس، بل امتدت إلى مستشارين ونواب للرئيس على خلفية شبهات خرق المساطر والجدل المتصل بتدبير ملفات مالية وبيئية حساسة. ويعكس التموقع الجديد لعدد من المستشارين تحولا ملموسا في موازين القوى داخل المؤسسة المنتخبة، حيث انتقل النقاش من تقييم المشاريع إلى التشكيك المتواصل في مساطر التدبير. وفي هذا السياق، شكلت تدخلات المستشار عمر الكاموني أحد أبرز مؤشرات هذا التحول، بعدما وضع منهجية تسيير الجلسات والمجلس موضع مساءلة مسطرية متكررة. وأثار الكاموني مسألة الإحجام عن عرض لوائح الغيابات على أنظار المجلس، معتبرا ذلك إخلالا بالإجراءات القانونية المنظمة للعمل الجماعي. ويمتد هذا النقد، بحسب المستشار ذاته، إلى ما وصفه بشلل يصيب اجتماعات "مكتب المجلس"، التي يلزم القانون التنظيمي 113.14 بانعقادها مرتين على الأقل كل شهر. ويطرح هذا التعثر في آلية التشاور الدورية تساؤلات حول مدى إشراك باقي المكونات المنتخبة في بلورة التوجهات العامة، وهو ما يغذي شعورا متناميا بالتهميش والانفراد بالقرار داخل دواليب الجماعة. وفي امتداد لهذا المناخ المشحون بالانتقادات الإجرائية، برزت مواقف نائبة الرئيس هيام الكلاعي لتسلط الضوء على ما تعتبره انتقائية في التعاطي مع مبادرات الأعضاء. وتوقفت الكلاعي عند عدم إدراج مقترح تسمية أحد شوارع المدينة باسم "31 أكتوبر" ضمن جدول الأعمال، مؤكدة أن المقترح أودع داخل الآجال القانونية. وتتحول هذه التفاصيل المرتبطة بعدم إدراج المقترحات، أو غياب التعليل الكتابي للرفض كما تقتضي ذلك المساطر، إلى مؤشرات سياسية تستعمل للتدليل على وجود نمط تدبيري يميل إلى تضييق مساحة التداول داخل المؤسسة والانفراد بهندسة جداول الأعمال. وفي الشق المالي، الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية داخل الجماعة، أخذ السجال بعدا أشد حدة مع استمرار تداول شبهات التلاعب بالوثائق الرسمية. ويرتبط هذا المنعطف بتصريحات نائبة الرئيس هيام الكلاعي، التي تحدثت بصراحة عن وجود "محضر مزور" صادر عن اللجنة الدائمة المختصة بالشؤون المالية والميزانية. وتشير المعطيات المثارة إلى عدم تطابق الأرقام المتعلقة ببرمجة فائض ميزانية 2025 مع ما تمت مناقشته والاتفاق عليه فعليا داخل اللجنة. وبدل تطويق هذا الجدل عبر تقديم توضيحات مؤسساتية مدعومة بالوثائق، ترك غياب الرد الرسمي الباب مفتوحا أمام مزيد من التأويلات، وهو ما يضعف الموقف الترافعي للمكتب المسير ويجعل مقرراته المالية، حتى بعد تمريرها، عرضة لتدقيق متزايد. ويمتد التوتر التدبيري إلى ملفات التدبير المفوض، وتحديدا قطاع النظافة وجمع النفايات، الذي يستنزف جزءا مهما من ميزانية الجماعة. وتبرز في هذا السياق الاتهامات التي فجرها مستشار عن حزب التجمع الوطني للأحرار، والمتعلقة ب"سرقة أطنان من المياه" واستغلال الموارد المائية للجماعة من طرف الشركة المفوض لها خارج الضوابط التعاقدية ودون مراقبة كافية. وتضع هذه القضية الرئاسة، بصفتها السلطة المتعاقدة والجهة المكلفة بالتتبع، أمام مساءلة مزدوجة: شق قانوني ومالي يتعلق بمدى صرامة تفعيل آليات المراقبة والجزاءات التعاقدية، وشق بيئي يرتبط بتدبير الموارد في ظرفية وطنية تتسم بالإجهاد المائي. ومع استمرار هذا الوضع الانقسامي حتى أواخر مارس، تتضاءل مساحة المناورة السياسية والإدارية أمام رئاسة المجلس. فغياب مبادرات مؤسساتية لاحتواء الاحتقان الداخلي، والاكتفاء بتمرير المقررات بأغلبيات عددية هشة، يكرس صورة هيئة منتخبة تشتغل بالحد الأدنى من التوافق. وفي مدينة كالعرائش، التي تنتظر تسريع وتيرة الاستثمارات وتأهيل البنيات التحتية الأساسية، يتحول الزمن السياسي المستهلك في السجالات حول خرق المساطر، وشبهات المحاضر، وتدبير الأزمات الداخلية، إلى عبء إضافي على المرفق الجماعي، وسط ترقب متزايد لما إذا كانت الرئاسة ستنتقل من موقع تلقي الانتقادات إلى موقع تقديم أجوبة مؤسساتية واضحة.