حطّت شاحنات الرعاة الرحل الرحال، صباح الأحد الماضي، بمنطقة تمزليت الخنابيب التابعة لجماعة أكلو بإقليم تيزنيت، تزامنًا مع التساقطات المطرية التي تعرفها المنطقة في مثل هذا الوقت من كل سنة، بحثًا عن الكلأ والمراعي. وكانت جماعة الساحل قد عرفت خلال الأسبوع الماضي وصول أولى شاحنات الرحل، قبل أن تلتحق اليوم شاحنات أخرى بالمنطقة نفسها، حيث جرى تفريغ أعداد كبيرة من الإبل والماشية، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف الساكنة من تفاقم التوترات المرتبطة بالرعي والترحال. تاريخ الإقليم مع التوترات: احتجاجات واشتباكات دامية سبق لإقليم تيزنيت أن شهد توترات متكررة خلال السنوات الأخيرة مع الرعاة الرحل، حيث نظمت وقفات احتجاجية حاشدة أمام عمالة الإقليم، كما لوح بعض المنتخبين ب الاستقالة من الجماعات والمجالس المحلية احتجاجًا على الوضع. كما تم إدراج نقط الرعي والرحل ضمن جدول أعمال دورات المجالس للتداول حول الأزمة، في محاولة للسيطرة على التوترات. وشهدت جماعة الساحل وبعض مناطق أخرى بالإقليم، منها جماعة آيت أحمد، أحداثًا دامية نتيجة هجوم الرعاة على مزارع الساكنة ومنازلها، وأضرام النار في الممتلكات، إضافة إلى الاعتداء بالضرب والحجارة على الساكنة، ما عمّق الاحتقان وأعاد الملف إلى الواجهة. قطعان الإبل والماشية تقتحم أراضي الفلاحين وتثير غضب الساكنة ويعيد هذا التوافد الموسمي طرح إشكالية الترحال والرعي الجائر، في ظل شكايات متكررة من الساكنة، خصوصًا القرويين، بشأن الأضرار الكبيرة التي تلحق بممتلكاتهم الزراعية الخاصة وبالمجالات الرعوية المستغلة تقليديًا. الرعاة يستفيدون من النفوذ ويتحركون دون قيود وتفيد المعطيات أن ما تصفه الساكنة ب"مقاولات مافيا الرعي" لا يقتصر على إنزال القطعان، بل يشمل تجنيد مجموعات من الأشخاص كرعاة، بعضهم من ذوي السوابق، يقومون باقتحام المزارع والأراضي الخاصة للفلاحين، وتوجيه تهديدات لهم، كما يستخدمون وسائل نقل متطورة كالدرجات النارية والسيارات لتسهيل تحركاتهم داخل المجال القروي. وتفيد المعطيات أيضًا أن الساكنة عند اللجوء إلى الأمن أو القضاء غالبًا ما تواجه رفضًا في تسلّم شكاياتهم، وحتى عند قبولها لا يُسجّل أي تدخل فعلي، بينما أي شكاية يرفعها الرعاة بسبب تصرفات الساكنة تحرك جميع الجهات المعنية من أمن ودرك وقوات مساعدة وسلطات محلية وقضاء. كما تشير المعطيات إلى أن رجال الأمن والسلطات المحلية والمنتخبين سبق أن تعرضوا لاعتداءات من طرف بعض الرعاة، دون متابعة قانونية لهم، نتيجة ما تصفه المصادر ب نفوذ أصحاب القطعان وتعقّد مصالحهم. نفوذ أصحاب القطعان يعرقل تطبيق القانون وتفيد المعطيات أن ما يُسمّى بالرحل في بعض مناطق الإقليم ليسوا رحلًا تقليديين، بل عبارة عن شركات كبيرة تملك قطعان ضخمة من الأغنام والمعز والإبل. وتشير المصادر إلى أن بعض هذه الشركات تملك روابط قوية مع شخصيات نافذة تشمل منتخبين، برلمانيين، أعيان، وزراء، وحتى ضباطًا بالجيش، ما يجعل تطبيق القانون عليهم صعبًا. وبحسب الساكنة، فإن أمن، وقضاء ودرك الإقليم غالبًا ما يتجنب التدخل المباشر خوفًا من ردود فعل أصحاب النفوذ، وهو ما يترك الفلاحين والساكنة المحلية في مواجهة مباشرة مع التجاوزات والانتهاكات دون حماية فعالة. الساكنة تواجه صعوبة في تحريك القضاء والأمن ورغم دخول القانون الرعوي رقم 113.13 حيز التنفيذ سنة 2018، إلى جانب نصوصه التطبيقية، يؤكد فاعلون محليون أن الإشكال لا يكمن في غياب الإطار القانوني، بقدر ما يرتبط بضعف التنزيل الميداني وغياب الصرامة في المراقبة، ما يفتح المجال أمام العشوائية والفوضى. الملف يصل البرلمان: تساؤلات حول قانونية الرعي الجائر وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية النزهة أباكريم، عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، سؤالًا كتابيًا إلى وزير الداخلية حول الاعتداءات المتكررة للرعاة الرحل على الفلاحين بكل من جماعتي أربعاء الساحل وأكلو بإقليم تيزنيت، وما نتج عنها من منع الساكنة المحلية من حرث واستغلال أراضيها الفلاحية. ويأتي هذا التحرك البرلماني في سياق مناخي استثنائي، بعدما شهد الإقليم تساقطات مطرية مهمة خلال شهري دجنبر 2025 ويناير 2026، أنهت جزئيًا سنوات من الجفاف، وأعادت الأمل للفلاحين الصغار في استئناف نشاطهم الفلاحي، خاصة عملية الحرث. غير أن هذا الأمل، حسب مضمون السؤال البرلماني، اصطدم بإنزالات مكثفة للرعاة الرحل الذين استقدموا آلاف رؤوس الأغنام إلى المنطقة، خصوصًا بجماعة أربعاء الساحل بمنطقة الكريمة، وبجماعة أكلو، خاصة بمناطقي سيدي بونوار والكعدة، ما أدى إلى توتر الأوضاع واندلاع اصطدامات مباشرة مع الساكنة المحلية. وأشار السؤال إلى أن الفلاحين المتضررين تقدموا بشكايات رسمية إلى السلطات المحلية والدرك الملكي، بسبب ما وصفوه باعتداءات واحتلال لأراضيهم ومنعهم من استغلالها، في خرق لحقهم المشروع في الحرث والاستفادة من ممتلكاتهم الخاصة. وطالبت النائبة البرلمانية وزارة الداخلية بتوضيح مدى قانونية تواجد الرعاة الرحل بالمنطقة، وما إذا كانت السلطات قد منحت تراخيص رسمية لإنزال القطعان، إلى جانب الكشف عن التدخلات الاستعجالية المتخذة لحماية الساكنة، وتفعيل القوانين المنظمة للرعي المتنقل، بما يضمن التوازن بين حقوق الرعاة وحقوق الفلاحين المستقرين، تفاديًا لمزيد من الاحتقان. الرعاة التقليديون نموذج للتعايش والاحترام بالمقابل، تتوافد على الإقليم أيضًا الرعاة التقليديون الذين يعيشون في انسجام مع الساكنة المحلية. وتشير المعطيات إلى أنهم يتبادلون الزيارات في المناسبات الدينية والاجتماعية، ويعملون وفق احترام تام للقانون والأعراف والتقاليد المحلية. وفي بعض الحالات، تتحول هذه العلاقات إلى مصاهرة وروابط اجتماعية متينة بين الأسر، ما يعكس الجانب الإيجابي للترحال التقليدي والتعايش بين السكان والفلاحين، بعيدًا عن ممارسات الرعي الجائر التي تثير التوترات.