تفصلنا أيام قليلة عن موعد مباراة ليست كباقي المباريات، نهائي كأس إفريقيا للأمم التي يحتضنها المغرب، حيث يواجه أسود الأطلس منتخب السنغال في مواجهة تختزل الحلم الجماعي والانتظار الطويل ورغبة شعب بأكمله في معانقة المجد القار، هو نهائي لا يُقاس فقط بزمنه الكروي، بل بثقله الرمزي، وبما يحمله من آمال وتطلعات تجاوزت حدود المستطيل الأخضر. منذ 22 سنة، لم يلعب المنتخب الوطني المغربي نهائي كأس إفريقيا للأم، آخر ظهور كان سنة 2004 بملعب رادس في تونس، عندما قاد بادو الزاكي الأسود إلى النهائي، وكان وليد الركراكي، الناخب الوطني الحالي، لاعباً ضمن تلك المجموعة التي اقتربت كثيراً من اللقب دون أن تنجح في حمله، اليوم، يعود الركراكي إلى المشهد ذاته، لكن بعين المدرب ومسؤولية القائد، في لحظة تبدو وكأنها فرصة شخصية وجماعية لطي صفحة الانتظار الطويل. صحيح أن المغاربة يعيشون فرحة كبيرة ببلوغ النهائي، لكن هذه الفرحة تظل ناقصة إن لم تُتوَّج بالكأس. فاستضافة البطولة، والحضور الجماهيري الكثيف، وأجواء الفرح التي عمّت المدن المغربية، كلها عناصر رفعت سقف التوقعات، هنا، لا يكفي الوصول، لأن معنى الاحتفال الحقيقي، في وعي المغاربة، يمر حتماً عبر التتويج. النهائي على أرض الوطن لا يُلعب من أجل الشرف فقط، بل من أجل كتابة التاريخ. المنتخب الوطني برهن خلال مشواره في البطولة عن قوة شخصية واضحة وانضباط تكتيكي لافت، ونجح في تجاوز منتخبات وازنة في الأدوار الإقصائية، من بينها الكاميرون ونيجيريا، هذه الأخيرة التي كانت تُعد أقوى هجوم في المنافسة بتسجيلها 14 هدفاً. هذه الانتصارات لم تكن مجرد نتائج، بل رسائل تؤكد أن أسود الأطلس بلغوا درجة من النضج تؤهلهم لمواجهة أي خصم دون عقدة. لكن نهائي اليوم يضع المغرب أمام منتخب سنغالي متمرّس في المواعيد الكبرى. منتخب يملك تجربة التتويج القاري ولعب النهائيات، ويقوده نجم بحجم ساديو ماني، لاعب النصر السعودي، الذي راكم تجربة طويلة في أعلى مستويات الكرة الأوروبية مع ليفربول وبايرن ميونيخ. لاعب يطمح إلى إضافة لقب قاري جديد إلى سجله، ويقود منتخباً يعرف جيداً كيف يُدبّر المباريات الكبيرة. وتكتسي هذه المواجهة طابعاً خاصاً أيضاً بالنظر إلى تاريخ اللقاءات بين المنتخبين، الذي يكشف عن أفضلية مغربية واضحة بالأرقام، فقد تواجه المغرب والسنغال في أزيد من 33 مباراة رسمية وودية، فاز المغرب في 18 مناسبة، مقابل 7 انتصارات فقط للسنغال، بينما انتهت 8 مباريات بالتعادل، كما سجل أسود الأطلس 41 هدفاً في شباك السنغال مقابل 17 هدفاً فقط، وهو ما يعكس تفوقاً تاريخياً لا يلغي صعوبة الرهان الحالي، لكنه يمنح الأسود سنداً معنوياً إضافياً قبل النهائي. ويقف المنتخب المغربي أمام امتحان لا يقبل أنصاف الحلول، إما فوز يُحوّل الفرحة إلى لحظة خالدة في الذاكرة الوطنية، أو خسارة تعيد فتح جراح الانتظار، لكن ما هو مؤكد أن أسود الأطلس يملكون اليوم كل المقومات لصناعة الفرح الكامل، فرح لا يرضى إلا بالكأس، ولا يقبل إلا بأن يُكتب التاريخ هذه المرة بأقدام مغربية.