شهدت محطات توزيع الوقود بمدينة طنجة، في وقت متأخر من ليل الأحد، طوابير طويلة واكتظاظا كبيرا للمركبات، قبيل أقل من ساعة على دخول زيادات حادة في أسعار المحروقات حيز التنفيذ رسميا عند حلول منتصف الليل. وتمركزت هذه الطوابير بشكل ملحوظ في المحطات الواقعة على المحاور الطرقية الرئيسية للمدينة، لاسيما تلك المؤدية إلى المناطق الصناعية، وطريق الرباط، والمنافذ المتجهة نحو المركب المينائي طنجة المتوسط. وتسابق مئات المركبات الزمن لتعبئة خزاناتها بالتسعيرة الحالية، تفاديا للزيادة المرتقبة التي أبلغت بها شركات التوزيع أرباب المحطات، والتي تقضي برفع سعر الغازوال بحوالي درهمين للتر الواحد، والبنزين الممتاز ب 1.44 درهم. ويشكل الفارق السعري حافزا ماليا حاسما للمهنيين، خصوصا سائقي شاحنات النقل الدولي للبضائع (TIR) التي تنشط بكثافة في طنجة. وتصل سعة خزانات هذه الشاحنات إلى مئات اللترات، ما يعني أن التعبئة قبل سريان الزيادة يوفر هوامش مالية دقيقة للمقاولات النقلية. وإلى جانب الشاحنات الكبرى، تصطف في الطوابير أعداد كبيرة من سيارات الأجرة بصنفيها الأول والثاني، ومركبات نقل المستخدمين التي تؤمن تنقلات العمال نحو المصانع المتواجدة بالمناطق الحرة، فضلا عن السيارات الخاصة للمواطنين. وتعمل الأطقم في محطات الوقود بكامل طاقتها لتلبية هذا الطلب الاستثنائي والمكثف في ظرف زمني وجيز، وسط ترقب لحلول الساعة الثانية عشرة ليلا، وهو الموعد الذي ستتغير فيه اللوحات السعرية الإلكترونية بشكل آلي لتطبيق التسعيرة الجديدة. وتعكس هذه الحركة المكثفة حجم الارتباط العضوي لاقتصاد مدينة طنجة، التي تعد القطب الصناعي واللوجستي البارز في المغرب، بأسعار المحروقات، وتحديدا مادة الغازوال التي تعتبر المحرك الأساسي لقطاع نقل البضائع. وتكتسي مادة الغازوال أهمية استراتيجية في الأنشطة المينائية لطنجة المتوسط، الذي يعتبر نقطة العبور الرئيسية للصادرات المغربية نحو الأسواق الأوروبية. وتعتمد آلاف الشاحنات العابرة لمضيق جبل طارق على التزود بالوقود محليا قبل انطلاق رحلاتها، ما يجعل أي تغيير سعري مؤثرا مباشرا على حسابات الفاعلين. كما يبرز تأثير هذه المراجعة على قطاع نقل المستخدمين، الذي يشكل عصب الدينامية اليومية في طنجة. وتعتمد كبريات الشركات الصناعية، خاصة في قطاعي السيارات والنسيج، على أساطيل ضخمة من الحافلات لنقل عشرات الآلاف من العمال، وهي خدمات تعتمد كليا على مادة الغازوال. وكانت مصادر من الجامعة الوطنية لأرباب وتجار ومسيري محطات الوقود بالمغرب قد أكدت أن المحطات لا تتدخل في تحديد الأسعار، بل يقتصر دورها على التطبيق الحرفي لنشرات شركات التوزيع المعتمدة. وتعزو شركات الاستيراد والتوزيع هذه المراجعة التصاعدية، التي تدخل حيز التنفيذ يوم 16 مارس الجاري، إلى تقلبات الأسواق الدولية للمواد المكررة، وارتفاع كلفة الشحن، وتغيرات سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدرهم المغربي. ويخضع قطاع المحروقات في المغرب لنظام التحرير الكامل منذ نهاية العام 2015، إثر قرار حكومي بإلغاء الدعم الذي كان يخصصه "صندوق المقاصة" للمواد البترولية، ما جعل الأسعار المحلية ترتبط مباشرة بتقلبات السوق العالمية. وتتخوف الأوساط المهنية في طنجة من الانعكاسات المباشرة لهذه الزيادة على الكلفة الإجمالية للوجستيك، وهو ما قد يؤثر على تنافسية المقاولات المحلية وعلى أسعار المواد الاستهلاكية في أسواق الجملة والتجزئة بالمدينة. وتستقبل المنصات المينائية بشمال المملكة حصة مهمة من واردات المغرب من المواد البترولية المكررة، لتأمين حاجيات السوق الوطنية، في ظل استمرار توقف المصفاة الوحيدة في البلاد عن العمل وخضوعها لمسطرة التصفية القضائية. وتضاف هذه الزيادة المرتقبة إلى بنية أسعار تتضمن أصلا كتلة ضريبية ثابتة ومتحركة. وتتألف هذه الكتلة أساسا من الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) والضريبة على القيمة المضافة (TVA)، واللتان تشكلان مكونا رئيسيا في تحديد السعر النهائي للمستهلك. وعلى المستوى التنظيمي، يضع هذا التحول السعري الفوري السلطات المحلية والمصالح اللاممركزة لوزارة الانتقال الطاقي أمام مهام المراقبة. وتتركز الجهود عادة في هذه الفترات على ضمان استمرارية التزويد، ومنع أي محاولات لاحتكار المخزون، والتأكد من تطابق الأسعار في المضخات مع النشرات الرسمية. وفي انتظار حلول الدقيقة الأولى من يوم الإثنين، يبقى المشهد العام في طنجة مطبوعا بسباق محموم مع الزمن. ويشكل هذا التدافع نحو محطات الوقود انعكاسا صريحا لحساسية النسيج الاقتصادي المحلي تجاه تكلفة الطاقة، في مدينة بنيت جاذبيتها بالأساس على الفعالية اللوجستية وتنافسية تكاليف الإنتاج.