في هذا الملف الذي ننشره في سلسلة من عشر حلقات، سنمارس لعبة التخمين والاحتمال، وقبل أن نبدأ يجب أن نتفق على أن ما ننشره هنا ما هو إلا لعبة ولكنها جدية باستشراف مهني بعيد عن التنجيم فلا يعلم الغيب إلا الله.
هذا الملف نخصصه للحديث عن الشخصيات العشر المرشحة لرئاسة الحكومة، حيث يبدو من الوهلة الأولى أن هناك 4 أحزاب سياسية تتنافس على احتلال المرتبة الأولى بدرجات متفاوتة، لن تخرج عن "العدالة والتنمية"، "التجمع الوطني للأحرار"، "الأصالة والمعاصرة" وحزب "الاستقلال". بينما من الصعب جدا أن تنافس باقي الأحزاب السياسية على المرتبة الأولى بحكم أن قاعدتها الانتخابية صغيرة، وسيكون كل همها أن تؤمن لنفسها فريقا برلمانيا، تستعمله كورقة تفاوضية في تشكيل الحكومة، أكثر من رغبتها في احتلال المرتبة الأولى، ورحم الله من عرف قدره.
وإذا كان العرف مع الدستور الجديد يفرض على القصر اختيار الأمين العام للحزب الفائز بالانتخابات التشريعية ليصبح رئيسا للحكومة، فالفصل 47 من دستور 2011، يمنح الملك صلاحية أن يختار أيا كان لهذا المنصب من الحزب الفائز بالانتخابات، ولذلك فقد نرى بعد الانتخابات التشريعية التي ستجرى يوم 8 شتنبر المقبل "بروفايل" بعيدا عن الأمناء العامين للأحزاب الأربعة المذكورة.
وفي هذا الإطار نقدم تخميناتنا لأبرز البروفايلات التي يمكن أن نراها في المنصب الذي يتصارع عليه الجميع، والذي ستوكل إليه مهمة قيادة الائتلاف الحكومي في خمس سنوات استثنائية بعد سابقة قيادة حزب واحد للحكومة المغربية لمدة 10 سنوات.
محمد بنشعبون .. البنكي الذي يؤهله حسه التوافقي لرئاسة الحكومة
من بين الخيارات التي قد تكون مطروحة على طاولة القصر في حالة ما إذا تصدر حزب «التجمع الوطني للأحرار» الانتخابات المقبلة، إسناد رئاسة الحكومة لمحمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية الحالي، والمدير العام السابق لمجموعة البنك «الشعبي»، الذي التحق في العام 2018 بحزب «الأحرار» لا ليكون مناضلا في صفوفه ويرفع الشعارات، ولكن ليعوض سلفه محمد بوسعيد على رأس وزارة الاقتصاد والمالية، والخير أمام.
في كل الأحوال، فالدستور لا يفرض على الملك أن يعين الأمين العام للحزب الفائز بالانتخابات في رئاسة الحكومة، بل يسمح بأن يعين رئيس الحكومة من الحزب الفائز، وقد يكون محمد بنشعبون خيارا جيدا للقصر، خاصة وأن للرجل باعا طويلا في المجال المالي، كما قاد بشكل جيد إحدى أصعب المراحل في تاريخ المغرب من حيث تدبير محفظة الدولة المالية في عز جائحة «كورونا»، وبالإضافة إلى ذلك فهو واحد من الوزراء التكنوقراطيين الذين تركوا بصمتهم في الحكومة.
وعكس رئيسه في الحزب عزيز أخنوش، الذي يمكن أن نجد له العديد من الخصوم السياسيين، قد لا نجد لمحمد بنشعبون أي خصم سياسي. صحيح أنه رجل يرتدي ألوان حزب «الأحرار» الزرقاء، لكنه لا يدخل أبدا في الصراعات السياسية سواء في البرلمان أو في أشغال اللجان التي تعرف الكثير من اللغط بين الفرقاء الحزبيين، فبنشعبون يجيد لغة الصمت والإصغاء عندما يتحدث الآخرون، كما أنه يجيد كذلك فن الكلام، حيث اكتشفه المغاربة في عز جائحة «كورونا» يتحدث بلغة عربية فصيحة أو بفرنسية طليقة، وهو خريج المدرسة العمومية المغربية، وينحدر من عائلة بيضاوية ميسورة نسبيا، لكن ذكاءه ساعده في تسلق المراتب ليصبح اليوم مكلفا بالمحفظة المالية للدولة.
الذين يرشحون محمد بنشعبون لتولي رئاسة الحكومة، ينطلقون كذلك من أن رئيسه في الحزب عزيز أخنوش، يمكن أن يرفض أن يصبح رئيسا للحكومة، بحكم أن مصالحه الاقتصادية من خلال شركاته المتشعبة قد تكون نقطة ضعف بالنسبة له، فهو لم ينس عندما حرك خصومه السياسيون ماكينة المقاطعة ضد شركاته التي تلقت خسائر كبيرة بفعل وجوده في معمعة السياسة، ولذلك يمكن أن يكون محمد بنشعبون خيارا ملائما.
ولد محمد بنشعبون في العام 1961 بمدينة الدارالبيضاء، وبالضبط بمرس السلطان، وتابع دراسته في المغرب بالمدرسة العمومية، أما تعليمه العالي فكان في فرنسا، حيث حصل في العام 1984 على دبلوم عال من المدرسة الوطنية العليا للاتصالات بباريس. اشتغل في بداية مشواره المهني بشركة «ألكاتيل المغرب» كمدير لاستراتيجيات التطوير ومراقبة التدبير، وفي سنة 1996 سيعين مديرا في إدارة الجمارك غير المباشرة، وسنة 1999 سيتقلد منصب المدير المساعد لمجموعة «البنك الشعبي»، وفي العام 2003 سيعين على رأس الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات. في سنة 2008، عينه الملك محمد السادس مديرا عاما لمجموعة البنك الشعبي المركزي، وبعد 10 سنوات من ذلك وفي شهر غشت 2018 سيعين هذا التكنوقراطي وزيرا للاقتصاد والمالية بألوان حزب «الأحرار»، وما يدريك أنه لن يصبح بعد أشهر رئيسا للحكومة.