من الطفولة، مرورا بمرحلة السجن والاعتقال، ثم العودة إلى الحياة العامة والمساهمة في مسار هيئة الإنصاف والمصالحة عبر بوابة المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف الذي ساهم في تأسيسه، وصولا إلى حركة لكل الديمقراطيين، يقدم صلاح الوديع من خلال كتابه الجديد "ميموزا.. سيرة ناج من القرن العشرين" قراءة جديدة ومغايرة عن مراحل هامة من تاريخ المغرب، خاصة ما ارتبط بسنوات الرصاص والصراع الذي عاشه المغرب في فترة السبعينات والثمانينات، مستندا في ذلك إلى ما عاشه وشاهده من خلال انتسابه إلى أسرة خبرت السجون وعرفت بالنضال، ليقدم خلاصات كل ذلك في هذا الكتاب الذي تستعرض لكم "الأيام" عددا من صفحاته الساخنة. قد يبدو حديث الوديع عن طفولته وعلاقته بوالدته البيولوجية ثريا السقاط ووالده الشاعر المناضل الاتحادي محمد الوديع الأسفي عاديا، لكن ما يشد انتباه القارئ هو حديثه عن إخوته، خاصة أخته أو والدته الثانية آسيا الوديع، التي ربما كان لها بالغ التأثير في مساره النضالي سواء عندما التحق بالحركة التلاميذية أوساط الستينات أو عند دخوله السجن عام 1974 وقضائه عشر سنوات قبل الإفراج عنه أو بعدها، فضلا عن علاقته بأخيه الراحل عزيز الوديع وباقي إخوته.
وهو لا يكتفي فقط بذلك بل يقدم صورا أخرى عن قادة سياسيين وحقوقيين من أمثال عبدالرحيم بوعبيد، عبدالرحمن اليوسفي، وإدريس بنزكري، إبراهام السرفاتي وفؤاد عالي الهمة، وفي هذه الحلقة نقدم لقراء "الأيام 24″، ما كتبه عن الزعيم الوطني عبد الرحيم بوعبيد. "درس عبدالرحيم بوعبيد"
لم أنتمِ لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي ساهم والدي في تأسيسه وبنائه حجرا حجرا، غير أني جالست مناضليه وقياديه في العديد من الفرص والمناسبات في المغرب أو خارجه: عبد الرحمن اليوسفي والفقيه محمد البصري وحسن لعرج ونوبير الأموي وعبدالرحيم بوعبيد ومحمد بنيحيى ومحمد باهي ومبارك بودرقة وجيل الشباب الموالي للجيل المؤسس، وذلك بحكم نشاط والدي ووالدتي داخل صفوف الحزب، بل إن بيتنا كان دائما قبلة المناضلين وملاذهم خلال الأزمات السياسية، كما حدث على وجه الخصوص خلال انتفاضة يونيو 1981.
كان القادة الوطنيون المنتمون للجيل المؤسس بالنسبة لجيلنا يتميزون بسمات تقترب من القداسة. لقد كان إقدامهم على تحدي الاستعمار في ظل اختلال ميزان القوى وفي ظروف لم يكن أحد يستطيع أن ينصر الأحداث اللاحقة ومالها معطى يفرض الاحترام والتقدير، ولذلك كان القرب منهم، ولو في فترات متباعدة، يشكل لحظات مميزة، وربما ذلك ما يفسر التوتر الذي واجه به جيلنا عددا مما اعتبرناه أخطاء لا تليق بمقامهم في تصوراتنا.
فرص اللقاء بالأستاذ عبدالرحيم بوعبيد، كانت معدودة على رؤوس الأصابع، لكنها كانت مليئة بالعبر… أذكر يوم أخذت والدي ووالدتي بداية التسعينات من القرن الماضي، لزيارته في بيته بالرباط حين ألم به المرض.سأل عبدالرحيم عن أحد مناضلي الحزب بآسفي. أجاب والدي بغضب أن المناضل إياه يعاني من تضييق يتمثل في كون أحد رجال السلطة بالمدينة يرفض أداء ما عليه باعتباره يكتري بيتا في ملكية المناضل الاتحادي.
سأل عبدالرحيم والدي عن رد فعل هذا الأخير تجاه الظلم الذي لحقه، أجاب والدي أنه لم يقم بشيء، وهو يطلب أن يتضامن الحزب معه، عندها عاد عبدالرحيم بتعليق بسيط لكنه غاية في الحكمة. قال: عليه أن يتحرك لاسترداد حقه. وعلينا أن نتضامن معه. سي محمد، أظن أن الحزب من واجبه دعم كل مطالب بحق، وليس لنا أن نقوم بذلك عوضا عنه… لم أنس هذا الدرس الذي تلقفته وأنا أتابع نقاشهما في صمت وبعرفان كبير.