يوسف لوكيلي أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بوجدة
كانت الأغنية الافتتاحية لدورة كأس إفريقيا للأمم للسيدات، التي احتضنها المغرب، لحظة فنية بليغة مزجت بين الثقافة والرياضة، وأشادت بشكل خاص ب"كأس أتاي" والصينية، كرمزين مغربيين يجسدان روح التضامن والاجتماع، والتشبث بالمحلي والهوية العريقة. تلك الصورة الجميلة اصطدمت في الواقع بسياق معقد، يتداخل فيه الحماس الرياضي، والطموح التنموي، والتخوف من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترتب عن هذه "الاحتفالية العالمية".
السياق: المغرب وتنظيم التظاهرات الكبرى
على مدار السنوات الأخيرة، أصبح المغرب فاعلًا رئيسيًا في تنظيم الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى، وراكم تجربة معتبرة في هذا المجال، بدءًا من تنظيم كأس إفريقيا، ومرورًا بالألعاب الإفريقية والمدن الذكية، وصولًا إلى ترشيحه لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
وقد خصص المغرب، حسب أرقام رسمية وغير رسمية، ميزانية ضخمة قدرتها بعض التقارير الصحفية بين 30 إلى 50 مليار درهم (حوالي 3 إلى 5 مليارات دولار)، تشمل بناء وتجديد الملاعب (مثل ملعب الدارالبيضاء الكبير)، وتطوير البنية التحتية (شبكات النقل، المطارات، الفنادق…). ومن المرتقب أن يتم إنشاء 6 ملاعب جديدة أو محدثة، وفق المعايير الدولية التي تفرضها "فيفا"، إضافة إلى مشاريع موازية في مجالات النقل والاتصال والتسويق السياحي.
بين الوعود الرسمية والتخوفات الشعبية
تروج الجهات الرسمية لتنظيم كأس العالم باعتباره فرصة نادرة لتحقيق قفزة اقتصادية وسياحية، وتحديث البنية التحتية، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز إشعاع المغرب الدولي. كما تتحدث بعض التوقعات عن جذب أكثر من مليون سائح إضافي خلال فترة التظاهرة، ورفع نسبة التشغيل المؤقت والدائم في قطاعات البناء، والخدمات، والنقل، واللوجستيك.
لكن في المقابل، يثير عدد من الباحثين والفاعلين المدنيين تساؤلات حقيقية حول كلفة الفرصة، وأولويات الإنفاق العمومي، في بلد يعاني من إشكالات بنيوية في التعليم، والصحة، والسكن، وتنامي الفوارق الاجتماعية والمجالية. فهل من الحكمة رصد هذه المبالغ الطائلة، في وقت ترتفع فيه نسب البطالة والفقر، وتتعثر فيه برامج التنمية الجهوية؟
كأس العالم ومفارقة "كأس أتاي"
في هذا السياق، تبدو الإشارة الرمزية إلى "كأس أتاي" أكثر من مجرد تذكرة بالماضي أو الفولكلور. إنها دعوة إلى مراجعة النموذج التنموي من الداخل، والرهان على المحلي، والتشاركي، والمنتج للثروة المندمجة، بدل المراهنة على تظاهرات عالمية قد تأتي بنتائج عكسية، كما حدث في تجارب دول أخرى مثل البرازيل أو جنوب إفريقيا، حيث تركت الملاعب الحديثة أطلالًا مكلفة، وفواتير ديون أثقلت كاهل الأجيال.
"كأس أتاي"، في رمزيته، يقوم على الجماعة، والتقاسم، والبساطة، والاستدامة، في حين أن "كأس العالم"، في نسخته الصناعية، يقوم على التسويق، والتنافس، والاستثمار الكثيف. ومن هنا تأتي المفارقة: هل سيؤدي سباق المغرب نحو العالمية إلى تفريغ "كأس أتاي" من مضمونه؟ وهل سيتم تعويضه ب"كؤوس للشمبانيا والمشروبات الغازية"، كما تُشير بمرارة بعض الأصوات النقدية؟
سؤال التنمية العادلة
الجدل لا يكمن فقط في الكلفة المالية، بل أيضًا في التوزيع المجالي للموارد: إذ تُخصص معظم المشاريع الكبرى للمدن المركزية (كالدارالبيضاء، الرباط، مراكش، طنجة)، بينما تظل جهات الأطلس والجنوب الشرقي والريف تعاني من العزلة وضعف الاستثمار العمومي. وهذا يعزز، حسب تقارير وطنية ك"تقرير النموذج التنموي الجديد"، الفوارق المجالية التي تعيق الاندماج الوطني وتغذي مشاعر التهميش.
خلاصة
إن تنظيم كأس العالم قد يكون فرصة تاريخية للمغرب، شريطة أن يتم بطريقة تشاركية، شفافة، ومرتبطة بأولويات المواطن المغربي الحقيقية، لا فقط بصورة المغرب في الخارج. فالرهان ليس فقط على صورة تنقلها "الكاميرات"، بل على تنمية مستدامة تصون "كأس أتاي" في البيوت والأسواق والدروب، كما تصنع ملاعب خضراء تنافسية ومرافق عالمية.