محمد أشلواح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس محمد أشلواح أستاذ الدراسات الدولية بكلية الحقوق أكدال/الرباط
في سياق انشغال "النظام" الجزائري بالتحريض على المغرب، خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم، وما صاحب ذلك من هجوم وافتراء من قبل أبواقه وإعلامه الرسمي بغرض نسف ما ركامه المغرب، أو على الأقل إرباكه- وهو ما لم يتمكن من تحقيقه-، في هذا الوقت كانت الدبلوماسية المغربية تضع والأوروبيون اللمسات الأخيرة لإخراج موقف أوروبي حاسم وتاريخي يَهمُّ ملف الصحراء المغربية وله تأثير قوي على كل المنطقة وتوازناتها.
فقد شهدت الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، التي اختُتمت أشغالها (الخميس 29 يناير 2026) بالعاصمة البلجيكية بروكسيل، تطورًا سياسيًا لافتًا تمثل في تبني موقف أوروبي موحد بشأن قضية الصحراء المغربية يعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يشكل أحد أكثر الحلول واقعية وقابلية للتطبيق من أجل التسوية النهائية لهذا النزاع الإقليمي.
يُعدُّ قرار الإتحاد الأوروبي، هذا، والذي تبنته الدول الأعضاء السبعة والعشرون، وتم تضمينه في بيان مشترك وقّعه الطرفين، المغربي والأوروبي، في ختام أشغال مجلس الشراكة بينهما، موقفا غير مسبوق، في علاقة الاتحاد الأوروبي بملف الصحراء المغربية، الأمر الذي يجعلنا نطرح العديد من الأسئلة من قبيل: ما الذي يعنيه هذا القرار بالنسبة للمغرب؟ وما هي فوائده؟ وأيضا، كيف يمكن تفسير حالة الصدمة التي أصيب بها "النظام" الجزائري بعد تبني الاتحاد الأوروبي لهذا الموقف الداعم للحكم الذاتي في الصحراء؟
تناغم قرار الاتحاد الأوروبي مع الشرعية الدولية التي يستند عليها المغرب لتدبير ملف الصحراء
لقد جاء قرار الاتحاد الأوروبي في سياق دولي حاسم، عرف فيه ملف الصحراء تطورات نوعية، فمن ناحية أولى فموقف الأممالمتحدة كرس عبر قرار مجلس الأمن 2797 الحقوق المشروعة للمغرب على أقاليمه الجنوبية، وذلك من خلال إقراره بالحكم الذاتي كمسلك وحيد لحل هذا النزاع الإقليمي المفتعل. ومن ناحية أخرى ومن جانب القانون الدولي، وإذا أخذنا في الاعتبار ما يؤكده الفصل الثامن من ميثاق الأممالمتحدة، بخصوص التنظيمات الإقليمية، فإن موقف الاتحاد الأوروبي يجد أساسه بشكل صريح في الميثاق وينسجم تماما معه مقتضياته، التي تتيح الهامش للتدبير الإقليمي للنزاعات الدولية شريطة احترام القانون الدولي وما تفرضه الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن لمعالجتها.
من جهة أخرى فإن ملف الصحراء يعالج، اليوم، حصرا في إطار مجلس الأمن الدولي، ومن ثمة فموقف الاتحاد الأوروبي يستحضر ويتعامل على هذا الأساس، وذلك ما جعله يُساير توجه مجلس الأمن، في هذا الموضوع، لكونه (مجلس الأمن) هو المسؤول الرئيسي عن مسألة حفظ السلم والأمن الدوليين، سواء تعلق الأمر بالنزاعات الإقليمية أو ذات الطابع الدولي.
وإذا كان القرار2797 يؤكد على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، فإنه يعدُّ المدخل الحقيقي والوحيد لإنهاء هذا النزاع الإقليمي، لذلك فهو يشكل حسب المادة 33من ميثاق الأممالمتحدة شكلا جدّيا وحقيقيا من أشكال الحل السلمي لملف الصحراء والذي يفترض في الاتحاد الأوروبي- باعتباره منظمة إقليمية – أن يدعّمه وكذا أن يتخذ مواقف تصب في اتجاه إنهائه. ومن ثمة فهذا التوجه الأوروبي الداعم للقرار2797 لا يمكنه إلا أن ينعكس إيجابيا في مسارات الأممالمتحدة وموقفها بخصوص معالجة ملف الصحراء المغربية.
موقف أوروبي بقراءة جيواستراتيجية برغماتية وواقعية
لقد عرف السياق الدولي الراهن تطورات متراكمة ونوعية، إقليمية ودولية، مما أفضى إلى تشكُّل توازنات جيوسياسية مهمة، وهذا فرض على الاتحاد الأوروبي ضرورة الخروج من وضعية الغموض والتردد- التي كانت تطبع موقف بعض مؤسساته، واتخاذ موقف صريح، جماعي(27 دولة )، وحاسم وذلك عبر بيان لا لبس فيه ويتماشى مع الطرح المغربي ومعالجته لهذا النزاع.
إن موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لمقترح الحكم الذاتي وسيادة المغرب على صحرائه ينطلق، أساسا، من الحقائق التالية:
– استناده إلى التطورات الحاسمة التي عرفها هذا الملف في إطار مجلس الأمن، والتي أقرَّت بمقترح الحكم الذاتي كأساس لحل ملف الصحراء. فموقف الاتحاد الأوروبي لم تتحكم في صياغته محددات برغماتية فقط، بل أصبح الاتحاد الأوروبي مقتنعا، تماما، وعلى غرار الفاعلين الدوليين الآخرين بأن الحكم الذاتي هو الخيار الوحيد لحسم هذا الملف، خاصة وأنه أضحى خيار المجتمع الدولي والأممالمتحدة نفسها.
– الوعي الجماعي لدول الاتحاد الأوروبي وقناعتها بأن الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل مرتبط بتسوية ملف الصحراء، باعتباره نزاعا إقليميا، وبأن الجوار الأوروبي يفترض مغربا يتمتع بكامل سيادته على أقاليمه الجنوبية.
– أن السياق الدولي الراهن صنع فيه المغرب لنفسه مكانة، ليس فقط كشريك موثوق به يحترم التزاماته في محيطه الإقليمي والدولي، وتقدير ما يقدمه من مبادرات ومن خيارات وبدائل لتسوية القضايا والنزاعات الإقليمية والدولية، بل أضحى المغرب، اليوم، فاعلا إقليما ودوليا لابد منه لتدبير القضايا الإقليمية والدولية ومواجهة التحديات المطروحة، خاصة على الصعيد الإفريقي والمتوسطي والعربي وعبر الأطلسي.
– أن وضع المغرب المتقدم في العلاقات المغربية مع الاتحاد الأوروبي ومكانته كشريك استراتيجي وما تترجمه مستويات التعاون، الأمني والاقتصادي والجيوسياسي..، المتداخلة والمتشابكة، يفترض وضوحا وثقة وصراحة في موقف الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن ملف الصحراء، كما قال صاحب الجلالة محمد السادس، "أصبح النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".
– إن الإدارة الأمريكية الحالية اتخذت مواقف صارمة، لحل العديد من القضايا والنزاعات الدولية وهي ماضية بكل ثقة لحل ملف الصحراء المغربية، بما يكرس السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، لذلك يبدو أن الاتحاد الأوروبي ارتأى من جانبه ألا يبقى في الهامش وبدا له ضرورة أن يلتحق بالركب الدولي، الذي يدبر بشكل شرعي ومشروع ملف يدور في الجوار الحيوي للاتحاد الأوروبي. فهذا الأخير عليه أن يفهَم بأن السياق الدولي الراهن يفرض عليه تجاوز الموقف الرمادي إن أراد أن يساير ما تقوم به الواقعية السياسة الأمريكية من تدبير للقضايا والملفات الدولية والإقليمية ومن بينها ملف الصحراء. وهو بالفعل ما أقدم عليه الاتحاد الأوروبي من خلال هذا الداعم للحكم الذاتي.
وعليه، فالموقف الأوروبي، اليوم، يشكل نقلة نوعية وطفرة في منظور الاتحاد الأوروبي لملف الصحراء، وليس امتداد لمواقف سابقة بصيغة جديدة، ففي الواقع هناك تحول جدري يدفع في اتجاه حل نهائي وواقعي يأخذ بعين الاعتبار الحقيقة التاريخية والواقعية والحقوق المشروعة للمغرب على صحرائه.
إن الموقف الأوروبي لا يشكل فقط لحظة آنية أو تكتيكا أو خطابا لاستهلاك الإعلامي فقط، بل يعدّ واقعا ملموسا تُعبّر عنه اتفاقيات الشراكة بين الجانبين، وما يصاحبها من خطوات عملية ذات طابع قانوني ودلالات سياسية واقتصادية، والتي تترجم أن التعاطي الأوروبي، اليوم، يتعامل بشكل نهائي وحاسم وعلى أساس من الوضوح القانوني مع المنتجات القادمة من الأقاليم الجنوبية للمملكة، وذلك في إطار السيادة المغربية.
وهذا ما يجسده، فعلا، نشر القرار رقم 2026/242 الصادر عن مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، والمتضمن لاتفاق الشراكة التجارية مع المملكة المغربية، في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي والذي يكرس بشكل واضح صرحا قانونيا أوروبيا يضرب كل صوت نشاز يحاول أن يتحرش بالوحدة الترابية للمغرب وبسادته على أقاليمه الجنوبية.
إخراس قرار الاتحاد الأوروبي "للنظام" الجزائري وردود أفعال يائسة للتغطية عن فشله في ملف الصحراء
بغض النظر عن الدوافع والأسباب التي دفعت بالاتحاد الأوروبي، كمنظمة دولية إقليمية وذات نفوذ إقليمي ودولي، إلى اتخاذ هذا القرار، الداعم للحكم الذاتي في الصحراء، فإن قراءتنا للتعاطي الجزائري مع موقف الاتحاد الأوروبي يمكننا من تسجيل الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: الاتحاد الأوروبي يتبنى توجه الأممالمتحدة الداعي إلى تطبيق الحكم الذاتي ومن ثمة فهذا التطور، في الواقع، يفضي إلى إسقاط وبشكل صريح لكل أطروحات "النظام" الجزائري التي كان يروج لها سابقا، حيث نصَّ البيان وبشكل واضح على أن الاتحاد الأوروبي يدعّم قرار مجلس الأمن الدولي 2797 الداعي لحل قضية الصحراء المغربية على أساس مقترح الحكم الذاتي.
إن موقف الاتحاد الأوروبي لا يقتصر على دعم الأممالمتحدة فقط، بل يعتبر أن الحكم الذاتي هو الخيار الوحيد الذي يجب أن يُعتمد من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف ووفقًا لميثاق الأممالمتحدة. فالاتحاد الأوروبي أضحى اليوم موقفه يتطابق وموقف الأممالمتحدة. فالحكم الذاتي لم يَعُد، اليوم، فقط خيارا مغربيا بل التزاما يعني الأممالمتحدة نفسا ويُوجبها القرار2797 بضرورة إلزام كافة الأطراف المعنيين به على احترامه وتطبيقه.
الملاحظة الثانية: موقف الاتحاد الأوروبي يوجه خطابا مباشرا للجزائري يدعوها للانخراط في المناقشات، الخاصة بالصحراء، دون شروط مسبقة، فالاتحاد الأوروبي باعتباره منظمة دولية تتابع التفاعلات الدولية وفي جوارها الإقليمي، كما أن ذات المنظمة ضمن عضويتها دولا(فرنسا) تخبر الشأن الجزائري بامتياز، لذلك فالاتحاد الأوروبي على دراية كاملة بعلاقة الجزائر بملف الصحراء ومن ثمة فدعوتها للمفاوضات يمثل شهادة سياسية صريحة تؤكد بأن الجزائر طرفا رئيسيا في نزاع الصحراء، وهذا يلزمها بأن تتحمل مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي وتنتهي من أطروحاتها السخيفة والغبية (كتلك التي يحاول أن يقدم فيها نفسه كوسيط في نزاع إقليمي هو طرف رئيسي فيه)، فموقف الاتحاد الأوروبي، اليوم، أنهى كل ترهات النظام الجزائري التي تريد التسويق كونها جهة محايدة في ملف الصحراء.
الملاحظة الثالثة: تشتغل الجزائر، ودون هوادة، على أن لا يحصل أي تقدم في ملف الصحراء.وهذا ما كان يدفعها، بشكل لافت، إلى القيام بردود أفعال طائشة، والقيام بخرجات و"مواقف" بهلوانية، تندد عبرها بكل بلد يصدر موقفا يناصر الحقوق المشروعة للمغرب على صحرائه، وهو ما وقع مع فرنسا واسبانيا..، حيث افتعل النظام الجزائري أزمات سياسية ودبلوماسية غير محسوبة العواقب وقام بتصرفات تفتقد لكل مسؤولية.
لكن هذه المرة-مع موقف الاتحاد الأوروبي، يبدو أن النظام الجزائري ابتلع لسانه وأخرس وذلك،على الأقل، للأسباب التالية:
السبب الأول: أن "النظام" الجزائري أرعبه الموقف الحازم للولايات المتحدةالأمريكية، في ملف الصحراء المغربية، فهذه الأخيرة انخرطت في إستراتجية محكمة، في شمال إفريقيا، تدور حول فكرة جوهرية تؤمن بها الإدارة الأمريكية، تقوم على ضرورة تطبيق رؤية "دونالد ترامب"، والتي عبر عنها منذ فترة رئاسته الأولى والتي تقرُّ بسيادة المغرب كاملة على صحرائه. والجدير بالذكر أن موقف الولايات.م.أ هو الذي مهد الطريق للمترددين أو القوى التي كان سلوكها ينطوي على "سلك نوع من التوازن" في تعاطيها مع العلاقات المغربية الجزائرية.
فزيارات كبير مستشاري الترامب السيد "مسعد بولس" إلى الجزائر تدخل في نطاق الضغط على النظام الجزائري قصد تنفيذ تصور "ترامب" في شمال إفريقيا، سواء فيما يتعلق بملف الصحراء أو ارتباطا بصفاقات اقتصادية وتجارية، ويبدو أن هذا التصور سوف ينفذ لا محالة. إن السيناريو الفنزيولي سيكون له تأثير، دن شك، على تعامل "النظام" الجزائري مع الإدارة الأمريكية. ويظهر من سياق الأحداث أن كل ما يلهث ورائه "النظام" الجزائري هو محاولة الحصول على ضمانات من الولايات.م.أ كي لا يطلب المغرب بصحرائه الشرقية وهو أمر لن يتأتى مطلقا لأن المغرب لن يفرط ولو في شبر من أرضه سواء طال الزمن أو قصر.
السبب الثاني: أن الاتحاد الأوروبي تكلَّم ككتلة واحدة وكقوة اقتصادية وسياسية لها تأثير ونفوذ دولي كبير، فطبيعي لقزم سياسي واقتصادي( النظام الجزائري) ألا يتجرأ على إصدار أي موقف آخر للرد على قرار الاتحاد الأوروبي غير موقف الصمت. إن زمن البيانات المنددة/ التافهة قد انتهى، فالنظام الجزائري وجد صعوبة بالغة في التعبير عن أي رأي في الموضوع. وما زاد الطين بلة، اليوم، أن ذات "النظام" يعيش حالة عزلة دولية وإقليمية غير مسبوقة؛ فبالإضافة إلى التعاطي الواقعي للصين وروسيا في ملف الصحراء، وعدم اليقين الذي يطبع علاقاتهما السياسية والاقتصادية..مع الجزائر، فإن الولاياتالمتحدةالأمريكية تأخذ علما بسياسة النظام الجزائري اتجاه الشرق الأوسط وبالتقارب الذي يسم علاقته بإيران. فالجزائر اليوم،أيضا، علاقتها مضطربة؛ سياسيا وأمنيا مع جوارها الجنوبي( مالي ، النيجر، بوركينافاسو..) وشمالا مع دول وازنة في الاتحاد الأوروبي ليأتي موقف هذا الأخير ليؤكد بأن "النظام" الجزائر أضحى في حالة حصار كامل بسبب سياسته الرعناء والطائشة.
إن هذه الحقائق تفرض على "النظام" الجزائري عدم القيام بأي مناورة سياسية أو موقف مناقض لما تبتغيه القوى صاحبة القرار على الصعيد الدولي والتي أصبحت تتقاطع مواقفها ومتفقة، سواء كدول أو كمؤسسات ومنظمات دولية، على تصور واحد ألا وهو حلّ ملف الصحراء على أساس الحكم الذاتي وفي إطار السيادة المغربية. السبب الثالث: إن الرهان على إثارة نوع من "الشغب القانوني"أمام المؤسسات الأوروبية وإحداث ضجيج "الطعون" في قرارات المؤسسات الأوروبية، بخصوص أحقية المغرب وسيادته على ثرواته في جنوبه، وكذا في مشروعية وشرعية اتفاقيات المغرب مع الاتحاد الأوروبي والتي تسري على كل أقاليم المملكة المغربية وتشملها كل جهاتها دون استثناء، هو رهان انتهى إلى الأبد.
فبعض الحساسيات الحزبية التي كانت تعمل لصالح الأطروحة الجزائرية وتوظَّف بشكل فاضح للتأثير في القرار الأوروبي قد توارت عن الأنظار، خاصة بعدما انكشفت انتهازيتها في استغلال التركيب الديمقراطي للمؤسسات الأوروبية لتروج من داخلها لأكاذيب تحاول المساس بمصالح المغرب وبوحدته الترابية.
ويبدو، اليوم، موقف الاتحاد الأوروبي كحصن منيع لكل المؤسسات الأوروبية، حتى لا تنزلق أو توظف سياسيا، كما كان يقع سابقا(المحكمة الأوروبية..) ، فقرار الاتحاد الأوروبي قطع الطريق أمام أي دعم مشبوه لبعض الأحزاب في البرلمان الأوروبي، والتي كانت تَقدم في بعض المرات على اتخاذ مواقف معادية لمصالح المغرب وقضيته الوطنية.
لقد قام الاتحاد الأوروبي بتقييم سليم لكل ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، وارتكز في ذلك على استحضار مصالح حليف استراتيجي(المغرب) للاتحاد الأوروبي، لذلك اتخذ موقفا قطع فيه مع أي محاباة سياسية ضيقة وممكنة الحدوث ودون أفق استراتيجي. فواضح أن الإتحاد الأوروبي كمنظمة إقليمية بدعمها لسيادة المغرب على صحرائه تسعى إلى تقوية بنيتها ومكانتها وسط محيط جيوسياسي يستلزم أن يسود فيه الأمن والاستقرار.
إن الصمت المريب "للنظام الجزائري" وعدم رده على قرار الاتحاد الأوربي وموقفه الداعم للحكم الذاتي قابله إقدام ذات "النظام" على خطوة انتحارية وغير محسوبة العواقب، تتمثل في ادعائه، مرة أخرى، الشروع في إحداث البنية التحتية واللوجستية اللازمة للبدء في "استغلال""غار جبيلات"، وهي خطوة في الحقيقة أراد من ورائها تحقيق ما يلي:
أولا: التغطية على انتكاسته في ملف الصحراء المغربية، فبعد موقف الاتحاد الأوروبي الذي يكرس مغربية الصحراء بدا واضحا أن النظام الجزائري أصيب بصدمة كبيرة، وهذا ما جعله يدخل في نوبة من الانفعالات و ردود أفعال عشوائية وتكسني أحينا طابعا إجراميا وعدائيا، كاختطاف مزارعين مغاربة في مناطق مغربية حدودية.. . إن ما أسماه "النظام" الجزائري" انطلاق عملية استغلال" "غار جبيلات"، صاحبه ضجيج إعلامي كان الغرض منه، أيضا، الترويج لشعارات جوفاء( "تعزيز التنمية"، " نشاط اقتصادي مستمر،"وتحويل الجزائر إلى "فاعل إقليمي قادر على المنافسة..") وهي شعارات تروم خلق نوع من الأمل، الزائف، لدى الجزائريين، وذلك من خلال الإدعاء بأن حديد "الجبيلات" سوف يخلق رفاها، غير مسبوق في البلاد، والذي لم تتمكن أموال الغاز الجزائري من تحقيقه !!
ثانيا: محاولة خلق ورقة للضغط في "مفوضات"ملف الصحراء والتشويش على حل الملف. بما أن النظام الجزائري قد حاصره قرار مجلس الأمن2797، وكذا موقف الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الضغط الأمريكي..، فقد تأكد بأنه لم يعد هناك من هامش للتهرب، أو المراوغة، من كونه طرفا مباشرا في ملف الصحراء، لذلك حاول أن يدخل في خطة ابتزاز فاضحة تنطوي على فكرة أن أي انخراط في حل سياسي لملف الصحراء يجب أن يكون رهينا بشرط عدم مطالبة المغرب بحقوقه المشروعة في الصحراء الشرقية، وهي مناورة مكشوفة وفاشلة وتؤكد، على الأقل، ثلاثة حقائق:
الأولى: أن كل الشعارات التي كان يُرَوّج لها "النظام" الجزائري، مدَّعيا دعمه ل"مبدأ تقرير مصير"، ما هي إلا شعارات زائفة تجرُّ من ورائها مآسي كبيرة، فاليوم وأكثر من أي وقت مضى، اتضح أمر البوليساريو فهي في الحقيقة صُنعت واحتُضنت من طرف الجزائر لتوظَّف ضد مصالح المغرب؛ سواء للمساس بالوحدة الترابية للمملكة في جنوبها، أو في سياق أي مطالب محتملة بالحقوق السيادية للمغرب على الصحراء الشرقية.
الثانية: أن تطورات الأحداث تؤكد، فعلا، بأن الأشخاص الموجودين في تندوف، اذا استثنينا المرتزقة والجزائريين والمهربين والإرهابيين الذين يأخذون بترخيص من السلطات الجزائرية تندوف كمستقر وكملاذ لهم للإعداد لعملياتهم الإجرامية والمخالفة للقانون، فالمواطنين المغاربة أو أولئك الأشخاص ذي الأصول المغربية هُم في الواقع ليسوا فقط كمحتجزين، في تندوف، بل أضحوا، في الواقع، وكأنهم دروعا بشرية يستعملها "النظام" الجزائري في إطار نزاع إقليمي مفتعل.
الثالثة: لقد جاء مشكل "غار جبيلات" في سياق صدور قرار الاتحاد الأوروبي، المؤيد للحكم الذاتي ولمغربية الصحراء، فبعدما تيقَّن "النظام" الجزائري بأن ملف الصحراء قَيدَ الطي النهائي وأن المغرب سوف ينتقل إلى استرجاع أراضيه في الصحراء الشرقية، سارع إلى القول بأنه سيشرع في "استغلال" "غار جبيلات" وهو على يقين("النظام" الجزائري) بأن الجزائر تحتل أراضي مغربية- من بينها مكان تواجد هذا المنجم- ضمتها فرنسا للجزائر الفرنسية أيام الاستعمار.
إن هذا التهور الذي أقدم عليه "النظام" الجزائري يفتقد لأي شرعية ومشروعية ويخرق القانون الدولي العام ونظام المعاهدات الدولية، وكذا التزامات الجزائر الدولية مع المغرب، ومن ثمة يمكن للمغرب أن يسلك ما يلي:
أولا: اعتبار أن الجزائر قامت بإنهاء اتفاق 1972، وهذا يترتب عليه، من الناحية القانونية، المطالبة بالتعويض، نتيجة الإخلال بالتزام دولي ذي فوائد اقتصادية، كما للمغرب أن يسلك مسلك إعادة الأوضاع إلى ما قبل تاريخ اعتماد هذه الاتفاقية، وهذا ينتج عنه، أوتوماتيكيا، فتح موضوع الحدود من جديد ومطالبة المغرب بالأراضي التي ضمتها فرنسا للجزائر خلال الاستعمار.
ثانيا: اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لإصدار قرارها بشأن معاهدات جزائرية مغربية، واتفاقيات تعاون موقعة بين الطرفين، سواء فيما يتعلق بالتعامل مع "غار جبيلات"، أو فيما يتعلق بمسألة الحدود المغربية الجزائرية. إن القضاء الدولي سيتصرف وفقا لما يفرضه القانون الدولي، وبطبيعة الحال، فالمغرب- وهو الذي دأب في نهجه الدولي أن يسلك الآليات القانونية والشرعية الدولية- سيتَّبع نفس التوجه لاستعادة حقوق التاريخية والسيادية على مناطقه الشرقية، خاصة وأننا أمام خرق الجزائر لالتزامات ولشروط تسوية، سابقة، وكذلك نحن أمام تصرف أحادي في "غار جبلات"، وهذا يُعَدُّ إخلالا كبيرا لأحد أركان تسوية1972.
ثالثا: إبلاغ الأممالمتحدة بالاعتداءات المتكررة للنظام الجزائري على المغرب، سواء فيما يتعلق بسلوكه العدواني على المغاربة شرق المملكة، أو فيما يتعلق بمحاولات ضم أجزاء من أراضي مغربية أو القيام بشكل أحادي بوضع "علامات حدودية"، وتنبيه مجلس الأمن الدولي إلى الخرق الفاضح للاتفاقيات والمعاهدات الدولية وللقانون الدولي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى تهديد السلم والأمن والاستقرار بالمنطقة، وإخطار الأممالمتحدة بأن المغرب على درجة عالية من اليقظة وضبط النفس- وعلى دراية بما يريد أن يجره إليه "النظام" الجزائري – لكنه يحتفظ لنفسه، بما يتيحه ميثاق الأممالمتحدة، الردّ والدفاع الشرعي عن النفس،وفي أي لحظة، وحينما يرى أن ذلك أمرا ضروريا.