محمد حمودان، كاتب مغربي مقيم بفرنسا منذ 1989، وهو من مواليد سنة 1968 بقرية المعازيز. صدرت له عدة مجاميع شعرية عن دور نشر فرنسية مختلفة، وروايتان. في هذا اللقاء، يحدثنا عن عمله الروائي الأخير «السماء، الحسن الثاني وماما فرنسا» الصادرة مؤخرا باللغة الفرنسية، و عن تصوره للكتابة . لماذا اختيار هذا العنوان لروايتك الجديدة «السماء، الحسن الثاني وماما فرنسا»؟ يستمد العنوان مبرراته من حبكة الرواية نفسها ومن الأحداث التي تسردها. كل واحد من العناصر الثلاثة المكونة للعنوان يحيل على فترة معينة من حياة محمود، الراوي والشخصية المحورية في الرواية. ففي الفصل الخامس والمعنون«السماء، الحسن الثاني» نكتشف، من خلال الصفحات التي تستحضر طفولة ومراهقة محمود بالمغرب، كيف أن السلطة الإلهية والملكية المطلقة، المجسدة في صورة الحسن الثاني، كانتا تميلان الى تشكيل كتلة واحدة. بدا الأمر وكأن الملك يعكس السماء والعكس صحيح. الاثنان معا أصبحا يشكلان في نهاية المطاف ثقلا وتهديدا وخنقا للحرية . ولربما بسبب هذه الأجواء الثقيلة التي كانت تسود بالمغرب حينذاك، قرر محمود الهجرة إلى فرنسا، حيث العيش الكريم. فرنسا، والتي هي، بالمناسبة، فكرة مجردة أكثر من أي شيء آخر في ذهن محمود، لأنه وجب تجسيدها، «أمّا بالتبني»، ومن هنا أتى هذا الاسم المستعار: «ماما فرنسا» الذي نصادفه منذ الجزء الأول للرواية، الذي يحمل العنوان التالي: «أوراق» . وليد، صديق طفولة محمود، طالب مغربي في فرنسا أصبح بدون أوراق إقامة، هو أول من أضفى على فرنسا هذا الجانب الأمومي حينما صرح، وهو متنكر في زي يهودي أرثوذوكسي كي لا يقع، حسب ما كان يعتقد، في قبضة البوليس:«إحساس ماما فرنسا بالذنب، يا صديقي، جد عميق حتى تتجرأ أن تطلق كلابها الشرسة على هازيدي!» . سريعا إذن، ندرك أن هذه الأم بالتبني هي في الواقع أم شرسة وسلطوية تتفنن في جلد «أبنائها» الغرباء. لكن حمدا لله، فقد قرر محمود، بعد سنوات من العلاقات المتوترة مع «ماماه الحبيبة»، أن يصبح «مواطنا فرنسيا صا لحا» وأن يطوي نهائيا صفحة الماضي! هل تتحدث هذه الرواية عن مصير جيل بكامله؟ لم أهتم بهذه المسألة في أية لحظة من اللحظات. الآن، إذا ما تماهى بعض القراء مع مغامرات محمود، فإن هذا الأمر سوف يسعدني، لأن هذا يعني أن هذه الرواية عمل «حي» وأنني قد كسبت بشكل ما رهاني. هل هذه الرواية سرد لحياتك، أي نوع من السيرة الذاتية؟ الرواية هي بحكم طبيعتها عمل من وحي الخيال، ولا أرى لماذا «السماء، الحسن الثاني وماما فرنسا» الذي، للتذكير، هو نص روائي سيشكل استثناء لهذه القاعدة. لقد كان علي خلق شخصيات ووضعها في علاقات مع بعضها البعض، كما كان علي أن أتخيل بعض المواقف إلى آخره. محمود، حاله حال الشخصيات الأخرى، شخصية وهمية لا وجود لها إلا في هذا النص، وهو وجود هش ومتلاش. محمود ليس أنا، وبالتالي فهذه الرواية لا يمكنها أن تكون سردا لحياتي. فرهان هذه الرواية لا يكمن بتاتا في التمجيد السير- ذاتي، بل في تصوير، ولو من خلال بعض اللمسات، كلا من المغرب، مغرب المعوزين والمتروكين لحالهم، وفرنسا التي لم تعد «تطيق أن تكون مزبلة»، فرنسا التي تميل، على نحو متزايد، أن تصبح دولة بوليسية. كان الرهان أيضا، وقبل كل شئ، رهانا على المستوى الشكلي . التحدي الأكبر بالنسبة لي كان هو التوصل إلى كتابة رواية غير خطية، لكن دون التضحية بتماسكها، ثم إيجاد لغة تكون في مستوى وخدمة استراتيجية التفكيك التي يعتمدها هذا النص، لغة غير مخملية وغير ناعمة، لغة حادة ودون تنازلات، وأخيرا العمل على إقامة سرد متعدد الأصوات حيث يختلط صوتي بباقي أصوات «الكورال» دون أن نشعر بالضرورة بهذا الانسلال من «أنا» إلى آخر ومن صوت إلى آخر. هل يمكن أن نعتبر نصك الروائي واقعي ؟هل تكتب من خلال التفكير في كاتب ما؟ ككاتب مغربي لماذا اخترت الكتابة بالفرنسية؟ هل تعتبر هذا اللغة «غنيمة حرب» كما سماها كاتب ياسين؟ دون العودة إلى دروسي الجامعية القديمة، ودون الخوض في أعراف الرواية الواقعية، الجواب هو بالطبع لا. فالفانطازيا حاضرة بشكل قوي في الرواية. خذ مثلا «أبو قضيب» الذي من المفترض أنه يمثل شخصية سلفية متشددة ودموية، أو المشهد الذي يختم قصة الحب المثلي بين وليد و«ميكاييل»، شبيه الكاتب الفرنسي ويلبيك، أو لفظة «نيك البوليس» المرسومة على جدران ضاحية «سان دوني» في ألوان متلئلئة، أو «كنيش» وليد، وأخيرا شخصية «بوعلام»، الشيوعي الذي نصب نفسه ملكا على شعب «الخوروطو» (الأوباش)، فيما يشبه محاكاة ساخرة للسلطة المطلقة. إنها بالتأكيد فانطازيا، لكنها فانطازيا ضرورية لأنها تمنحني إمكانية النقد والتهكم على بعض الممارسات التي أصبحت اليوم جد شائعة في فرنسا: الخوف من الإسلام ومعاداته، عنف البوليس ضد فئة معينة من سكان الضواحي، الخطابات الإنسانوية لبعض أشباه المثقفين إلى آخره. «ماما فرنسا» سواء كانت ممثلة في راهبة عجوز (يطلق كذلك على فرنسا اسم «البنت البكر للكنيسة» ) يأتيها الجنرال (الإحالة على الجنرال دوغول ) من الدبور أو في « دوقة بالادورية» (إحالة على بالادور، أحد الوزراء الأولين السابقين لفرنسا ) أو في «ساركوزيتة (تأنيث وتصغير لرئيس فرنسا الحالي) متنرفزة»، فإنها لا تنجو من هجوم محمود اللاذع، حالها حال المغرب الذي لا ينجو هو الآخر من انتقادات بطلنا. فمن خلال إقامته القصيرة بمراكش، يسلط محمود الضوء على بعض التناقضات التي لازال البلد يتخبط فيها: الخلاعة السياسية، الاستعباد، مخزنة العقول، تسليع الأجساد، ادعاء البعض للحداثة واللائكية، وصولية البعض الآخر الخ. وبنفس روح الفانطازيا، تعري الرواية كذلك السلوكات الشاذة لبعض الكتاب المتعالين من خلال شخصية «عبد النور كذاب» مثلا الذي يتبختر في معرض للكتاب، أو بعض الشعراء المبالغين في النرجسية، أو بعض الفنانين الزائفين والطموحين مثل وليد الذي تحول بين عشية وضحاها، تحت حماية عشيقه الغني ميكائيل، إلى فنان تشكيلي «عظيم». هل هناك كاتب اقتدي به؟ للأسف لا. أعترف لك دون خجل أنني لست قارئا نهما وبخاصة للأعمال الروائية، فكثيرة هي الروايات التي تصيبني قراءتها، لكثرة الثرثرة، بالملل، لكن هناك بعض الكتاب، خاصة الشعراء منهم، ساهموا في تغذية روحي وتطوير مخيلتي . لماذا الكتابة بالفرنسية وليس، ضمنيا، باللغة العربية؟ هل الفرنسية بالنسبة لي كما قال كاتب ياسين غنيمة حرب؟ مأساة «الكاتب المغاربي بالفرنسية» هي أنه يقضي مجمل وقته في تبرير هذا الاختيار. مؤخرا، قال لي كاتب مغربي معروف، دون أن اسأله عن أي شيء، أنه إذا كان هو ومجايلوه يكتبون بالفرنسية فلأنهم كانوا يجهلوون العربية. «أما جيلكم أنتم، هاه؟»، سألني وفي صوته نبرة تأنيب «أبوية». في حيرة من أمري، لم أعرف أن كان علي أن أشفق من حاله أم أن أطلب منه الصفح عن خطيئتي! باختصار، اسمح لي أن أقول لك إن لا شيء كان يؤهلني بتاتا للكتابة بالعربية أصلا، فما بالك بالفرنسية التي تبقى في المغرب، كما تعلم جيدا، حكرا على طبقة اجتماعية بعيدة بسنوات ضوئية عن تلك التي أنحدر منها. إذن، أن أطرح على نفسي أسئلة من هذا القبيل، أعتبره نوعا من الترف. نعم، إنني أكتب بالفرنسية، ولكنها فرنسية متوحشة وغير خانعة وغير متواطئة، وهذا الاختيار أتحمل مسؤوليته كاملة، وليس لي تبريره بأي شكل من الأشكال. لماذا اخترت السرد كوسيلة لتعبير بدل الشعر؟ هل لأنه يعطيك حرية أكبر في التعبير أكثرمن الشعر ؟أم أن الشكل هو كاللغة يفرض نفسه على المبدع؟ سواء تعلق الأمر بالرواية أو بالشعر، فإنني أكتب دائما بنفس الحرية. أرفض أن أفرض على نفسي أي نوع من الرقابة. في الحقيقة أشعر، إذا جاز التعبير، بارتياح في كلا النوعين مع أن كل واحد من الشكلين يمنح إمكانيات لا يستطيع الآخر منحها. فالشعر يسمح لي بالتعبير بطريقة نيزكية وجوهرية وسريعة، أما في الرواية، فإنني آخذ الوقت الكافي لاستكشاف الذات والعالم . هل تحس أنك أقرب إلى الكاتب ادريس الشرايبي أم إلى الكاتب خير الدين؟ بدأ البعض يقارنني بخير الدين منذ أن كتب سليم الجاي في منهله أن كثيرا من نصوصي يجعل مني «الابن الطبيعي لمحمد خير الدين» وكثيرا هم من يتعجبون لعدم رؤيتي وأنا أنط من شدة الفرح صارخا :«ها ليلو يا! إنني خير الدين الجديد!» وخاصة أن سليم جاي كان يرد بشكل غير مباشر على عبد اللطيف اللعبي الذي صرح، بمناسبة صدور أنطولوجيته، لجريدة «القدس العربي» أنه «منذ تجربة أنفاس، لم ينتج الشعر المغربي المكتوب بالفرنسية شيئا يذكر! » هل يعني هذا أنني أقرب إلى خير الدين من ادريس الشرايبي؟ لهذين الكاتبين الكبيرين لم أقرأ، مع الالأسف، إلا القليل، ولأنني لا أعرفهما حق المعرفة، فإنني لا أشعر بالقرب لأي منهما. وقول العكس يدخل في باب الخداع والتضليل . كيف تعرف نفسك؟ هل ككاتب بالهجرة؟ أو كاتب مغربي مغترب بفرنسا؟ إذا كان علي أن أعطي تعريفا لنفسي، سوف أقول لك إنني كاتب و كفى! إنني أرفض حصر نفسي في تصنيفات من هذا القبيل. إذا ما قرأنا بشكل عميق روايتي الأخيرة أو«الحلم الفرنسي» ، فأننا سندرك أنها ليست أعمالا حول الهجرة. بالطبع، فالهجرة حاضرة في رواياتي كخلفية لحبكة الرواية، لكنها تبقى تيمة من بين تيمات أخرى. على كل حال، لا يمكنني أن أدعي أنني أعالج بشكل عميق مختلف الإشكاليات المرتبطة بالهجرة. بالمقابل، وأنا أؤكد على هذا الأمر، تبقى انشغالاتي الأساسية هي زعزعة بعض عادات القراءة وبعض المسلمات بتجريب عدة أشياء وبخلق أسلوب ولغة خاصين بي . ما هي نظرتك إلى الهجرة المغربية بفرنسا؟ يبدو لي أن الهجرة المغربية بفرنسا هي في تحول مستمر، الشيء الذي يطرح إشكالات معقدة يجب على المرء أن يكون مختصا ليخوض فيها حتى لا يحكي أشياء في غير محلها، وبما أنني لست كذلك فإنني أفضل التزام الصمت.