كاف تطلق إصلاحات شاملة لاستعادة الثقة في التحكيم الإفريقي..    اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    المغرب يجدد تضامنه مع الدول العربية ويدعو إلى موقف موحد لاحتواء التصعيد الإقليمي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    اليماني: أسعار المحروقات ستواصل الارتفاع بالمغرب وعلى الحكومة التدخل لضمان التزود وحماية الجيوب    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    تفاعلات رقمية تُحرج لاعبي المنتخب    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    مندوبية التخطيط:67,7% من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي    عناية ملكية للنهوض بالصحة النفسية    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    الوزارة ترفع منح المسرح وتشدد الشروط    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    ارتباك بصري في ودية أمريكا وبلجيكا    شبهة تزوير بطائق الانخراط تفجر أزمة داخل نقابة التعليم المرتبطة بالاتحاد المغربي للشغل بسوس ماسة    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بعد انتشار فيديو صادم.. توقيف سائق حافلة اعتدى بوحشية على سائق شاحنة    المنتخب الوطني يجري حصة تدريبية بعد تعادل الإكوادور ويواصل الاستعداد لمواجهة الباراغواي    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    قبل إغلاق مستشفى الحسني.. مخاوف الشغيلة الصحية تستنفر مسؤولي الصحة بالناظور    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            "ألوان المغرب" بفيلا الفنون.. مبادرة تجمع العائلات البيضاوية لاستكشاف سحر التراث    مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التدبير المغاير قد يخلق ثورة في مجال إنتاج الثروات

الثروة أو إنتاج الثروة، بما تعنيه من مواد ومنتوجات غذائىة وصناعية وتكنولوجية، هي التي تشكل الآن مركز قوة اقتصاديات العديد من الدول وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الإتحاد الأروبي عموما، وبلدان جنوب شرق آسيا وشمال أروبا. وقد أدت طبيعة ونوعية إنتاج الثروات بهذه الدول إلى تحقيق طفرة اقتصادية حقيقية بها ، جعلت البعض منها يهيمن ويتحكم في العديد من مسارات الاقتصاد الدولي ،والبعض الآخر يزاحم مختلف السلع المعروضة في الأسواق الدولية.
في الملف التالي ،محاولة لمناقشة ملف إنتاج الثروة في المغرب من خلال مقاربة العديد من المعطيات والدراسات والتجارب الدولية.
إهمال دراسة للألمان كان يمكن أن تشكل منطلقا لثورة في إنتاج الثروات
خلال القرن الثامن عشر، ظهر كتاب تحت عنوان «ثورة الأمم» لمؤلفه ادم سميت، الاقتصادي الذي اعتبر من طرف الآلاف من الاقتصاديين ومازال يعتبر مؤسس الاقتصاد الحديث، أو نظرية الاقتصاد السياسي التي تهتم بالدولة بمختلف مكوناتها في علاقتها بتدبير الشأن العام.
لقد وضع آدم سميت من خلال كتابه ثورة الأمم حدا فاصلا بين الاعتماد الكلاسيكي الذي كان سائدا والذي كان يرى في الثروة الطبيعية المكتسبة أساس قوة اقتصاد الدول والتفكير الاقتصادي الحديث الذي يعد أحد رواده والذي يعتبر الثروة هي كل ما ينتج لتلبية الحاجيات الفردية والجماعية، لكن بالرغم من أهمية هذا الطرح الذي خلق نوعا من الثورة في مفهوم ثروة الأمم الذي ظل راسخا لعقود من الزمن، وهو ما يراد تكريسه في زمننا بالرغم من ذلك. إذن، فإن اقتصاديين معاصرين مثل بول بورديي اعتبر الثروة وانتاج الثروة امر يتجاوز ذلك بكثير بالنظر للتحولات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية التي شهدها عالم اليوم، مشيرا إلى أن الثروة التي تعني في المحصلة النهائية أو خلال السنة أو سواهما هي الثروة التي تزاوج بين تلبية الحاجيات الفردية والجماعية من مختلف المواد غذائية وغيرها وتأمين قوة الاقتصاد الوطني بشكل يجعله ذا تنافسية تمكنه ليس فقط من مواجهة التحديات، بل تضمن له مكانة دولية أو اقليمية على الأقل يفرض فيها تقدير الفاعلين في الساحة الدولية.
فهل الثروة الوطنية المنتجة بالمغرب، إن في القطاع الخاص ممثلا في الشركات والمقاولات أو في القطاع العام ممثلا في القطاعات التي تشرف عليها الدولة ،أو في السياسة العامة التي تؤطر طبيعة انتاج الثروة، هل هذه الثروة أو الانتاج الوطني بشكل عام أسهم ويسهم في تلبية الحاجيات الاساسية أولا، قبل الحديث عن اسهام الثروة المأمولة في تكوين اقتصاد قوي وصادرات قوية بموازاة ذلك؟
لا أحد يمكنه أن يجادل في أن المغرب يتوفر على بعض الثروات الطبيعة مثل الفوسفاط الذي تلعب صادراته دورا هاما في تحقيق العديد من التوازنات المالية، لكن إذا استحضرنا العديد من المعطيات منها الدراسات التقيمية أو غيرها التي قامت بها مؤسسات وطنية مثل المندوبية السامية للتخطيط أو مراكز أبحاث جامعية، نلاحظ بأن العديد من القطاعات، صناعية وفلاحية، (بالرغم من أن هناك مقاولات وطنية مختلفة تتوفر على كل مقومات التنافسية الدولية) مازالت تشكو في العديد من مكونات ضعف القيمة المضافة جراء نوعية الانتاج الذي لاتراعى فيه مثلا بعض العناصر الاساسية لتقوية التنافسية مثل مواصفات الجودة المناسبة التي تتلاءم والمعايير المتعارف عليها، وكذا التحولات الدولية، إن في بعدها الاقتصادي أو البعد المرتبط بالانقلابات التي تحدث أو التي قد تحدث في أنماط العيش والحياة وهي التحولات التي تؤثر على أذواق الناس واختياراتهم المعيشية.
الرفع من القيمة المضافة (التي هي الفرق بين حصيلة الانتاج وحصيلة الاستهلاك) له علاقة جدلية بين الثروة أو الانتاج الوطني المأمول، أي الانتاج الذي نطمح ان يكون أداة حقيقية لتقوية الاقتصاد عبر انتاج ثروات حقيقية (منتوجات مختلفة ومتنوعة) توفر السيولة المالية اللازمة لإقامة استثمارات اضافية، وتشغيل امتصاص العاملين وبخاصة منهم اصحاب الشهادات، وتكوين من لا شهادة له من المهيئين لذلك، (كانت الصين وإلى وقت قريب جدا تتوفر على 70 مليون سجين، اكثر من تسعين في المائة منهم مؤهلين في مجال الخياطة والنسيج، وما يرتبط بالالبسة الجاهزة بشكل عام وهو رقم يشكل لوحده تحديا للمغرب في مجال الثروة او الانتاج المتعلق بالنسيج و الخياطة التي عرف كما هو معلوم كساده في العديد من جوانبه بسبب عدم تطوير ادوات ووسائل وعقلية الانتاج في العديد من المؤسسات، والنتيجة كانت تسريحات جماعية للعمال بالآلاف، وهذا ما تؤكده تقارير مندوبيات الشغل وفقدان الخزينة العامة لملايير السنتيمات التي كانت تستخلصها من خلال الضرائب او الجبايات الجمركية.
وفي هذا الاطار، نشير الى أنه سبق أن أعدت دراسة قيمة، اشرفت عليها وزارة الشؤون العامة سابقا، حول المقاولات الصغيرة والمتوسطة،والصناعة التقليدية، استجمعت في كتاب عُنون بالكتاب بالابيض كذا، وقد كان الهدف الاستراتيجي من هذه الدراسة الرفع من القيمة المضافة للقطاع المذكور وجعله يساهم بشكل أوفر في تطوير عائدات الانتاج الوطني الخام، من خلال تطوير وتنويع طبيعة الانتاج بالمقاولة الصغيرة والمتوسطة في مختلف مجالاتها، وقد شارك في هذه الدراسة فاعلون من الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب، وفاعلون اقتصاديون وباحثون من مختلف الاتجاهات، وهيئات مهنية، لكن الغريب هو ان هذه الدراسة التي كان وازعها و طني على ما يبدو كان مصيرها الاهمال مثل ماهو حال العديد من الدراسات. وفي هذا السياق كشف لنا صديق كان يشغل مهمة رئيسية في هيأة مهنية اقتصادية ببلادنا، بأنه ذات مرة بادر مسؤولا حكومي جديد بالقول، لماذا لا يتم استثمار الدراسة المومأ اليها عوض الانكباب مجددا في البحث
وبمجهود جديد وإمكانيات مادية إضافية، وما الى ذلك من أسباب ضعف مساهمة هذا النوع من المقاولات في الاقتصاد الوطني، فأجابه بالقول، وببساطة «لنترك تلك الدراسة جانبا، ونتحدث في أشياء أخرى».. والمؤسف هنا، هو أنه لم يتم البحث عن الوسائل الكفيلة بتنفيذ دراسة الكتاب الابيض، ولم يتم البحث في المقابل من لدن هذا المسؤول الحكومي عن مخارج لمشكل كساد إنتاج المقاولات الصغرى والمتوسطة وضعف قيمتها المضافة، وكذا ضعف مساهمتها في العائدات السنوية للانتاج الوطني العام.
دراسة أخرى قام بها فريق من الباحثين الالمان بمنطقة الرحامنة، الدراسة (نشرتها جريدة «الايكونومست» في أحد أعدادها السابقة. خلصت الى القول بأن هذه المنطقة (أي الرحامنة) «المعروفة» في الذاكرة الجمعية المغربية بأنها منطقة قاحلة تختص في الرعي وبعض المنتوجات التي تتلاءم مع طبيعة مناخها الجاف والحار، تتوفر على المؤهلات الطبيعية لكي تصبح منطقة غنية ومثمرة فلاحيا، فهي تتوفر - حسب الدراسة على فرشة مائية غنية، وعلى «تربة زراعية» تتميز بكل مواصفات الانتاج الجيد، ان في مجال إنتاج القمح او غيره من المنتوجات الفلاحية، غير أن تأمين وتحقيق هذا الهدف يقتضي برأي الدراسة ذاتها، إعادة استصلاح الارض بمنطقة الرحامنة بشكل يضمن صلاحيتها لمختلف الزراعات المأمولة.. وقد اقترحت الدراسة في هذا المضمار لتغطية نفقات المشروع غلافا ماليا معينا... وهو ما اعتبره البعض كلفة «مبالغ» فيها،فيما رأى البعض الآخر، ان الالتفاف على مثل هذه الدراسات التي تسعى من خلال ما تطرح من مشاريع فعلية الى خلق ثروة حقيقية وجديدة تسهم في إحداث زلزال في أنماط العيش بالمنطقة، وتخلق الآلاف من مناصب الشغل، وتحول دون نزوح سكان القرى نحو المدن المجاورة، وتعطي نفسا ودينامية جديدة للاقتصاد الفلاحي الوطني، من خلال نوعية وحجم الانتاج المتزايد، وكذا الاسهام الاضافي في العائدات المالية السنوية العامة للمغرب (أي الانتاج الوطني الخام)، الالتفاف على
هذا النوع من الدراسات - حسب هؤلاء - بدعوى «كلفة الإنجاز المرتفعة»، لا يعتبر مبررا معقولا وخاصة إذا قاربنا - والكلام دائما لمصادرنا - هذا المشروع الذي يكتسي أهمية استراتيجية فلاحية بمنطقة الرحامنة «بمشاريع» عديدة صرفت عليها أموال طائلة وقد تصرف على مثيلاتها بذات السيولة المالية في المستقبل بالرغم من أنها لا تكتسي الأولوية، إن اجتماعيا أو اقتصاديا.
ألم يكن لمثل هذا المشروع (وغيره) أن يحدث رجة حقيقية في مجال الانتاج الفلاحي، وإنتاج الثروة بشكل مغاير ببلادنا لو كتب له التحقيق والإنجاز؟ وألا يشكل هذا المشروع اليوم وغدا، ملفا ذا أهمية استراتيجية راهنية خاصة في ظل تحدي التغيير المناخي.. الذي ينذر بمخاطر تراجع الإنتاج في بعض القطاعات الفلاحية في المستقبل المتوسط والبعيد، إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة الاستباقية لتطويق أي أزمة غذائية مفترضة؟
ارتباطا دائما، بالإنتاج، وإنتاج الثروات بشكل مغاير باعتبارهما عماد قوة الاقتصاد وصناعته إن و طنيا أو دوليا، فإن للتدبير بشكل عام، ونوعيته دور حاسم في صناعة ثروة أي أمة، وتقدم أي بلد، ومن الأمثلة الدالة التي يمكن الاستدلال بها في هذا الإطار ماليزيا وتركيا اللتان شهدتا قفزة اقتصادية نوعية في مجال انتاج الثروة في مختلف مجالاتها بسبب سياسة ونوعية التدبير الممنهج والاستراتيجية المتبناة التي ترتكز على تطوير والنهوض بالتعليم، وتشجيع البحث العلمي والتكنولوجيا وتيسير كل سبل تحقيق صناعة حقيقية
تنتج الثروة التي باتت منتوجاتها تنافس منتوجات مختلف الدول المتقدمة في العديد من الأسواق الدولية، وقد سبق في هذا الإطار أن سئل رجب أردوغان الوزير الأول التركي حول سبل النهوض الاقتصادي في فترة وجيزة من ولايته الأولى فأجاب قائلا، بأن السر يكمن في ثلاثة أسباب، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وسن أساليب تدبير جديدة وجيدة قوامها الشفافية ومحاربة الفساد، وحسن تدبير المعلومة واستثمارها بشكل يخدم إيجابا كل المشاريع التنموية المقترحة، وتعبئة المواطن التركي وتأهيله ليكون أحد الأدوات الفعلية في تحقيق ما تطمح إليه من إقلاع في كل مناحي إنتاج الثروة، أكانت فلاحية أو صناعية أو خدماتية وما إلى ذلك..
فهل يمكن لبعض الدراسات الوطنية التي قامت بها المندوبية السامية للتخطيط، أو قطاعات أخرى، أو مكاتب وفرق بحث أجنبية (دراسة الرحامنة مثلا)، أن تشكل أملا لنا، إن فعّلت بعض خلاصاتها في إحداث ثورة وطنية في مجال إنتاج الثروات، وهي الثورة المفترضة التي قد تُمنّع الاقتصاد الوطني وتجعله قوة في مواجهة كل التحديات الداخلية (زدياد النمو الديمغرافي، تطور عدد العاطلين، تزايد الحاجة الغذائية) والخارجية أيضا، المرتبطة بالتحولات الاقتصادية الدولية؟
بلد صغير يُضاهي منتوج واحد له أكبر قوة في العالم؟
فنلندا بلد صغير ينتمي إلى البلدان الاسكندنافية التي توجد شمال أوربا، بلد يقارب عدد سكانه السبعة ملايين نسمة، ولا يتوفر لا على بترول أو مواد طبيعية أخرى تكون أساس قوته الاقتصادية، كما هو حال العديد من الدول، لكن هذا البلد الذي أصبح تجربة دولية يحتدى بها في مجالات عدة، وبخاصة في مجال التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا الدقيقة، والحكامة الجيدة في مختلف المناحي، صار في فترة لا تتجاوز الأربعة عقود من انطلاقته التنموية الحقيقية، يضاهي في بعض مناحي قوته الاقتصادية، دولا كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وأساساً في المجالات المرتبطة بمنتوجات التكنولوجيا الدقيقة، وأدوات الاتصال ذات الاستعمال القطاعي أو الدولي (الرادارات التي تستعملها الدول في مجالات مختلفة)، أو ذات الاستعمال الفردي.
فهذه الدولة أو البلد الذي يشكل محمول «نوكيا»، رمزاً أو علامة من علامات تطوره العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، أحدثت ثورة حقيقية (إضافة الى دول أخرى مثل اليابان الذي لا يتوفر على ثروات طبيعية) في مفهوم الثروة وإنتاجها والهدف الاستراتيجي من السعي نحو إنتاج ثروة وطنية مغايرة في مراميها ومناهج عملها لأساليب تقليدية ماضوية، ولعل إنتاج محمول «نوكيا» فقط، خير مثال على بُعد النظر الوطني الذي طبع عملية التفكير في إنتاج الثروة الحقيقية بهذا البلد، ولعل إشعاع هذا المنتوج دوليا، وعائداته المالية السنوية على فنلندا خير ما يمكن الاستدلال به على صواب ونجاعة استراتيجية إنتاج الثروة في هذا البلد، فعائدات نوكيا تضاهي عائدات النفط لدولة عربية تعتبر من بين أكبر الدول المنتجة للنفط..
الصديق العزيز، الدكتور محمد أوهان ، الذي امتهن مهنة الطب في المغرب، وبعض الدول الافريقية، وقضى فترة زمنية معينة بالولايات المتحدة الأمريكية، دفعه هوسه نحو البحث العلمي وشغفه وأمله في الإسهام في العطاء والابتكار إلى الذهاب نحو فنلندا طلباً للعلم، وقد تمكن فعلا من حصوله على دبلوم مهندس في التكنولوجيا الدقيقة، وهو مجال البحث الذي أمده بأدوات علمية مكنته من اختراع تقنية علمية غير مسبوقة تمكن من اكتشاف المشتبه به جنائياً دون الاعتماد بالضرورة على البصمات.
الدكتور أوهان الذي تبنت جامعة الدول العربية بحثه، والذي لم تول لبحثه العلمي الأهمية المطلوبة وطنياً، وهو ما اضطر معه إلى مغادرة المغرب نحو الولايات المتحدة الأمريكية، أكد لنا غير ما مرة أن أساس إنتاج الثروة الفنلندية التي «غزت» كل بلدان العالم، هي التعليم والبحث العلمي والتدبير الديمقراطي الجيد والفعال، مبرزاً أن الثروة الإنتاجية المتعددة الأوجه والسريعة بهذا البلد، ترجع في بعدها الاستراتيجي إلى الاهتمام بتكوين القدرات المعرفية والعلمية الهائلة للإنسان، واعتماد حكامة وطنية قوامها خدمة المصلحة العامة للبلدان راهناً أو مستقبلا..
أسئلة للفهم
ما الذي نعنيه بالثروة وإنتاج الثروة الوطنية؟
لقد كان الاعتقاد السائد منذ عقود خلت، وبخاصة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، بأن ثروة أي أمة أو بلد، تعني ما يتوفر عليه من معادن نفيسة وغيرها، وقد أفضى هذا الاعتقاد الذي كان راسخاً بقوة وقتئذ إلى التأسيس لمذهب اقتصادي هو المذهب المركانتيلي الذي ظل يوجه سياسة الدول التي كانت تعتبر الذهب والفضة مصدر قوتها، بيد أن ظهور أدم سميت (فيلسوف واقتصادي اشتهر بمؤلفه «ثروة الأمم»، وهو واحد من مؤسسي الليبرالية الاقتصادية، وقد اعتبر بنظر العديدين أب علم الاقتصاد الحديث) أحدث نوعاً من الانقلاب الجذري في هذا الاعتقاد، حيث «اعتبر أن طبيعة ثروة الأمم لا تتمثل فقط فيما تتوفر عليه من ثروات طبيعية «مكتسبة»، بل هي كل الأشياء الطبيعية والبشرية المنتجة التي تُسهم في إنماء ظروف وشروط الحياة في بعدها الإنساني أو الوطني...»
وبالرجوع الى بعض الدراسات الرصينة في هذا المجال، منها كتاب «بول بورديي»، الذي يحمل عنوان: «القيمة المضافة المباشرة» مقاربة حول التدبير المرتكز على التمايز بين المجتمع والمقاولة»، نجده في الفصل الخاص بالثروة والإنتاج والقيمة المضافة ومختلف السياقات التي يبرز من خلالها تخلف أو تقدم الدول أو المقاولات والشركات، نجده في هذا الفصل يعطي تعريفاً دقيقاً وشاملا لمعنى الثروة في بعدها الماكرو اقتصادي أو الميكرو اقتصادي..، إذ يشير إلى أن «الثروة المنتجة من طرف أمة أو بلد معين، هي إنتاج مجموع الحاجيات والخدمات التي توجَّه لتلبية الحاجيات الفردية والجماعية بهذا البلد أو ذاك، وهي الحاجيات التي تنتج من قبل القطاع الخاص والدولة، ومضى قائلا بأن الثروة بهذا المعنى هي ما يوصف اقتصاديا بالإنتاج الوطني..
فما هو الإنتاج الوطني؟
حسب «بروديي» دائما، (وهو ما يتقاطع مع تفسيرات دراسات اقتصادية أخرى، ومعاجم ذات صلة)، فإن لمفهوم الإنتاج تعريفان، الأول يرتكز على نتيجة الإنتاج، وبهذا المعنى، فإن الإنتاج يُمثل الحاجيات والخدمات المنتجة التي تتعلق بتلبية حاجيات فردية وجماعية، مثلا كوزيمار تنتج مادة السكر لتلبية الحاجيات الفردية في مادة غذائية أساسية.
أما التعريف الثاني، فيعتبر الإنتاج هو النشاط المنظَّم اجتماعياً في أفق خلق حاجيات وخدمات انطلاقاً من عدة عناصر، تتجسد مثلا في قوة العمل والآلات والمواد الأولية، مثلا مطاحن الدقيق تنتج المادة الأساس لتهييء الخبز، اعتماداً على مادة رئيسية هي القمح بشتى تصنيفاته، والهدف في نهاية المطاف، هو توفير المادة الضرورية للسوق الوطني..
ومن هذا المنطلق، فإن الإنتاج الوطني الذي يُعد مفهوماً مرادفاً إلى حد بعيد لمفهوم الثروة الوطنية، يتخذ في مساره العام ثلاثة توجهات:
أ توجه يرتبط بتلبية الحاجيات الاستهلاكية للأسر، وهو ما يعني في العديد من مظاهره تأمين الغذاء والخدمة اللازمة لمواطني هذا البلد أو ذاك.
ب توجه ثاني يتصل بالاستثمار، أي توظيف بصيغة أو أخرى جزء من عائدات الثروة الوطنية في مجالات حيوية مختلفة من أجل تطوير وتنمية الثروة الوطنية، ومن خلالها الاقتصاد الوطني.
ج التوجه الأخير يتعلق بالتصدير، ذلك أن المكانة التصديرية القوية لهذا البلد أو ذاك، في الأسواق الدولية، تعكس طبيعة ونوعية ثروته الوطنية وطريقة تدبيره لمسالك تصريفها.
أية علاقة لمفهوم
القيمة المضافة بمفهومي
الثروة والإنتاج؟
لا يمكن اقتصادياً الحديث عن الثروة والإنتاج دون استحضار بالموازاة، مفهوم القيمة المضافة التي تعني الفرق بين قيمة الإنتاج وقيمة الاستهلاك، وبالطبع، فإن تطوير طبيعة ونوعية الثروة الوطنية أو الإنتاج الوطني (الذي يرتبط بعوامل مختلفة تعليمية وعلمية وسياسية) يعني ليس فقط الرفع من العائدات المالية المستخلصة من الإنتاج الوطني، بل يعني في بعده العام ، قوة وتقوية الاقتصاد الوطني وتمكينه من مقومات مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.