وهبي يبدأ رحلة "الأسود" بتعادل باهت أمام الإكوادور وإشارات مقلقة رغم تفادي السقوط    في أول ظهور له مع "أسود الأطلس".. محمد وهبي يحلل تعادل المغرب والإكوادور بمدريد    رأسية العيناوي تمنح "أسود الأطلس" تعادلا متأخرا أمام "إلتري كولور"    المنتخب المغربي يتعادل مع الإكوادور في أول مباراة تحت قيادة محمد وهبي    الاتحاد الدولي للملاكمة يرحّب بالقرار الأولمبي لتحقيق عدالة منافسات السيدات    هدف متأخر يمنح أسود الأطلس تعادلاً ثميناً أمام الإكوادور    الإشادة بالجرائم توقف ثلاثينيا بطنجة    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    أربعة أشهر حبسا لمتهم رفض أداء نفقة طليقته بالحسيمة    بنك المغرب يضخ 160,2 مليار درهم في السوق النقدية خلال أسبوع    "الطاقة الذرية" تنادي بضبط النفس    تداولات حمراء في بورصة الدار البيضاء    المشجعون المغاربة يخلقون أجواء حماسية في مدريد قبيل المباراة الودية لأسود الأطلس أمام منتخب الإكوادور    جمعية حقوقية : فقدان جنين بعد رفض تقديم الإسعاف لسيدة حامل بمستشفى الناظور    توقيف مبحوث عنه في الاتجار الدولي بالمخدرات بمنطقة واد لاو قرب تطوان    ماذا بقي من المنتدى الوطني للمدرس؟    ولد الرشيد يتباحث مع وزير كوستاريكي    نادي المحامين بالمغرب يفند ادعاءات الاتحاد السنغالي ويهدد بوضع الكأس تحت الحجز القضائي    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية محليا قوية مصحوبة بحبات البرد يومي الجمعة والسبت بعدد من مناطق المملكة    الخطوط الملكية المغربية تدشن خطا مباشرا بين بروكسل وتطوان    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    نعي شهيد الواجب الوطني ضابط الأمن رشيد رزوق    تصعيد إيراني وتحركات أميركية مترددة    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    مفوض للأمم المتحدة يطالب بالعدالة وإنجاز التحقيق الأمريكي في الضربة على مدرسة إيرانية    "واشنطن بوست": أمريكا استخدمت المئات من صواريخ توماهوك في إيران    أمطار رعدية وتساقطات ثلجية بالمغرب    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    مدينة الدار البيضاء تحافظ على صدارة المراكز المالية في القارة الإفريقية    أرباب المقاهي يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية بسبب تداعياتها على أنشطتهم        "بلطجة وإهانة".. نادي المحامين بالمغرب يهاجم ندوة الاتحاد السنغالي بباريس    الصين تمضي قدما في سباق الفضاء بإطلاق قمر تجريبي جديد إلى المدار    النفط ينخفض بعد تمديد المهلة لإيران من طرف ترامب لكن الأسعار لا تزال مرتفعة    "العدالة والتنمية" ينتقد استمرار غياب أخنوش عن دورات جماعة أكادير وطريقة تدبير المشاريع بالمدينة    الحرس الثوري يستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات        هجوم يستهدف ميناء الشويخ بالكويت    المغرب يستعد لمونديال 2030... لكن مطاراته لا تزال تعاني: طوابير، تأخير وخدمات تُغضب المسافرين    برنامج "المثمر" يحسّن الإنتاج الحيواني لآلاف مُربي الماشية في المغرب    مجد "الغاروم" المغربي    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مَرْسَم الطَّاعة ( 1/2) الحُبّ والمُكوِّنات التَّشْكيلية في روايَة "الضَّوء الهارِب" لمحمد برادة

يذهب عدد من البُحَّاث إلى اعتبار الرواية جنسا أدبيا يتسم بالموسوعية، لكونه يستوعب مختلف ألوان الإبداع والفكر والكتابة. وضمن دائرة "الفن الأدبي"، يشير ميخائيل باختين (في كتابه: الخطاب الروائي) إلى تنوع الأنماط الأدبية التي تشكل خطاب الكاتب مثل: "كتابات أخلاقية وفلسفية، استطرادات عالمة، خطب بلاغية، أوصاف إثنوغرافية، عروض مختصرة...". فيما يرصد محمد برادة تكاثر التسميات والاتجاهات وطرائق الكتابة التي تناسلت منذ بداية القرن العشرين: "رواية رومانسية، واقعية، رمزية، نفسية، رواية الاختبار، التعلم، التكوين، الفانتاستيك، البوليسية، الخيال العلمي..." (1).
هذا التنويع المستفيض، يعضِّد قابلية انصياع أدبيات الفنون على اختلاف أنماطها، وبخاصة البصرية منها، لسلطة الرواية كتعبير سردي شامل يمتلك مقدرة الإدماج والتوليف والتطويع والملاءمة. ففي استرجاع الحقب التي عرفت فيها الإنسانية تصعيد المفاهيم الجمالية استنادا إلى التوازي والتداخل اللذين وسما تطور تاريخ الأدب وتاريخ الفن، يتحقق لمس تلك العلاقة العضوية بينهما. ويتضح ذلك بجلاء وبخاصة في الرومانسية التي كانت نتاج اجتهاد الأدباء والفنانين، مثلما ينطلي الشأن نفسه على السريالية التي جعلت من الحب جوهر الوجود بتأثير من تصورات سيغمون فرويد.
في مقابل هذه التجارب القائمة على بحوث ورؤى إبداعية مشتركة بين الأدباء والفنانين في العالم الغربي بُغية تأسيس مذاهب وتيارات فنية، وغيرها من الاشتغالات المتبادلة (اشتغال الأدب حول الفن واشتغال الفن حول الأدب)، تبقى التجارب العربية الخاصة بالرواية التي تحتفل بفنون التشكيل تحديدا، تستند إلى خبرة الروائي الذاتية وإلى مدى كفايته في تصريف ثقافته الفنية، لتشكيل رواية المعارف الفنية (لكونها تقدم معارف) أو رواية البعد البصري إذا صح التعبير.
بالنسبة للتجربة المغربية، فضلا عن رواية "مدارج الليلة الموعودة" لموليم العروسي (1993) المُتَمَفْصِلة عبر "مقامات لونية"، ورواية "جيرترود" لحسن نجمي (2011) الدائرة بكاملها في فلك الفن والفنانين، ورواية "دموع باخوس" لمحمد أمنصور (2010) التي تتمحور حول اختفاء تمثال (باخوس) وتستحضر عالم التشكيل في إحدى فصولها، ورواية "الهدية الأخيرة" لمحمود عبد الغني (2012) المُنْبَنِية على موضوعة الفوتوغرافيا (2)، يندرج أول عمل في هذا الإطار من خلال "الضوء الهارب" لمحمد برادة (1993)، وهي الرواية التي سأحاول الوقوف عندها في هذا المقام.
ترتكز رواية "الضوء الهارب" على حياة وسرائر بطلها العيشوني الذي يمتهن حرفة التصوير la peinture؛ "الفنان الذي أمضى سنوات عديدة يرسم موديلات نسوية عارية وطبيعة صامتة ومناظر لأحياء طنجة" (3)، في زمنها الدولي وما بعد الاستقلال، حيث يعيش حالات حب مع ثلاث نساء: غيلانة (العشيقة الأصلية)، فاطمة (العشيقة الفرعية: إبنة غيلانة)، كنزة (العشيقة العابرة).
بتواطؤ بينهما، تظل غيلانة حبيبة العيشوني لمدة سنوات، إلى أن تتزوج وترحل إلى فاس. بعد أن تلد ابنتها فاطمة، ستنفصل عن زوجها لأنها لم تَقْوَ على العيش في عش زواج تقليدي يبعث على الاختناق، لتسافر إلى الخارج وتبني حياتها بطريقتها الخاصة.
تكبر الصغيرة فاطمة، وبدافع الغيرة وحب الاستطلاع، تقرر اقتحام بيت (مرسم) العيشوني لتكتشف عشيق أمها وتستعيد تجربة هذه الأخيرة بشكل فعلي. بحدوث هذا التماس اللامتوقع، تندلع الذاكرة ويسترسل البوح.
مع كنزة، عاش العيشوني علاقة عَرَضِية في منزلها بمراكش؛ علاقة أقرب ما تكون إلى استراحة المحارب كما يقول (4). معها، فقد الإحساس بحريته.
تتخذ ثيمة الحب لونها الطريف والمثير في الرواية، بناءً على شخصية الفنان المُدثَّرة بالرغبة والغواية والمجون والاندفاع والبحث عن الذات. لذلك، فإن فِعل التصوير عند العيشوني هو نفسه الوسيط المادي والرمزي الذي يقوده إلى نسج علاقة الحب القصوى مع غيلانة، الشابة الجميلة التي تعرَّف عليها، فلبَّت دعوته لتقوم بدور الموديل. فكان من الطبيعي أن تتحول علاقة الفنان بالموديل إلى علاقة عشق عارمة: أمام مفاتن الأنثى التي يكشفها العُري تحت الضوء، يخفق نسق التصوير استجابة لشعلة الجسد.
في ضوء انفتاح طنجة الدولية التي لا تنام، استطابت غيلانة مُعايشة الإحساس المزدوج بأنوثتها التي تتفاعل بين المرأة المعشوقة والمرأة الموديل، بأريحية قائمة على اختيار ذاتي خلال زمن العلاقة: "قالت لي مرة- بعد مرور خمس سنوات على علاقتنا-: سألتني أمي هل سيتزوجكِ العيشوني؟ قلت لها: هل أخبرتِها بأن العيشوني ليس مثل كل الناس، وأن الحياة التي نعيشها هي أفضل من الزواج؟"(5). هذا الاختيار "المؤقت" يمثل التراضي الأمثل بالنسبة للعيشوني المتشبث بحرية الفنان (في الفن والحياة): "لم تعد "هموم الدنيا " تشغلني فاستولى علي شعور عارم بأنني منذور لأن أبدع روائع" (6). يستطرد: "كنت أقنع نفسي بأن لدي ما هو مهم من الزواج وبأن علي أن أحقق تحولا كبيرا في تجربتي الفنية، وكل ما عدا ذلك يمكن أن ينتظر" (7). لكن ألا يمكن مقاربة طبيعة هذا الحب المنفتح والوظيفي من زوايا أخرى؟
1- لم يدرس العيشوني الفن بأحد معاهد الفنون الجميلة، بل تتلمذ على يد معلمه خوسيو الرسام الإسباني الذي أَوْرَثَه الحرفة والبيت/المرسم حيث كان يعيش وحيدا. من ثمة، يبقى تأثير المعلم على التلميذ واردا: "أحاديثنا كانت تدور حول الفن والمرأة، حول الحرية والجمال ومتعة التماهي مع الطبيعة" (8). يضيف العيشوني: "كان خوسيو يلح علي أن أهتم بما لا يبوح به الموديل عبر مظهره الجسداني لأتوصل إلى الجوانب اللامرئية الكامنة وراء سر العلاقات التي تشدنا إلى المخلوقات. لم أكن أدرك جيدا فحوى هذه الوصايا، غير أنني عبر جسد غيلانة أحسست بذلك العنصر الذي لا تستوعبه النظرة المحايدة" (9).
2- الحرفة أو المهنة أو العمل يتطلب ? ضمن الشروط المعتادة- فضاءً منفصلا عن البيت (للبيت حرمته). بينما السكن الذي يقيم فيه العيشوني يجمع بين البيت والمرسم. وبحكم الاحتراف الفني الذي لا يخضع لنظام استعمال الزمن لكونه ينتعش في "اللَّانظام"، فإن معنى البيت يتلاشى، ومعه يتلاشى مفهوم بيت الطاعة (الزوجة) لصالح مرسم الطاعة (الموديل).
3- سيادة الموديل (في المرسم ) هي ما يمنح الحب خصوصيته المستقاة من فِعْل التصوير في حد ذاته. بيد أن المرأة الموديل (المعشوقة)، مهما بلغت فتنتها، فإن انسحابها (ولو رمزيا) يصير أمرا لازما بعد نهاية إنجاز اللوحة التي تنتزع منها صفة "الأصل" بالقوة: بحكم تكرار حِصَص الوِضْعات pauses، يفقد الموديل مُدَّخراته التشويقية بالتدريج إلى أن يصبح مألوفا ونمطيا (في عين المُصَوِّرle peintre )، لذلك، مباشرة بعد توقيع القماشة، ينقطع حبل السرة مع الموديل الذي يتحول إلى "نسخة"، ليبدأ البحث عن الموديل "الآخر" في اتجاه تحقيق اللوحة "الأخرى" التي لم تُنجَز بعد. جاء على لسان العيشوني: "لا أقول إن غيلانة وجها من بين الوجوه، إمرأة من بين نساء عرفتهن. التواطؤ بيني وبينها أضفى على العلاقة طابع الاندفاع والمواجهة والتحدي فأضْحَيْتُ بالنسبة لها كما أضحت بالنسبة لي، المرأة العزيزة- المكروهة، المرآة التي لا تخفي شيئا نطمح إلى تكسيرها لكننا نحن إليها" (10).
4- بطلنا الذي قسَّم وقته بين الرسم والقراءة والحب (11)، يمثل نموذج الفنان الذي تُسْعِفُه ثقافته في إعلاء التأمل والتفلسف استنادا إلى ما قرأه حول حيوات وسِيَر المبدعين: "لا حوار يرضيني إلا مع ما أقرأه عن تجارب الرسامين والكتاب"(12). لعل نظرته للفن والحياة وضمنها الحب "وسيط الخالد والفاني"، الحب كمسألة مُحَدِّدة لجوهر الوجود الإنساني، تبقى نظرة واعية ومتبصرة لكونها مشفوعة بخلفية ما قرأه من طرائف علاقات الفنانين التشكيليين بالمرأة (المرغوبة) التي غالبا ما تشكل الموديل "الخالص" في أعينهم:
استطاعت غالا الزوجة الوحيدة لسالفادور دالي (1904-1989) (زوجة صديقه الشاعر بول إيلوار سابقا) أن تنجح في لعب دور "الموديل المتعدد" الذي يدفع صاحبه إلى التقدم في الإبداع والمبيعات، بحكم ثقافتها ودهائها في تدبير الشأن الفني، لتحافظ على "أصلها" المتجدد باستمرار. لذلك، لم يقْوَ دالي على تحويلها إلى "نسخة"، مما دفعه إلى الإعلان بالجهر: "أحب غالا أكثر من أبي وأكثر من أمي وأكثر من المال". بخلاف بابلو بيكاسو (1881-1973) الذي تزوج العديد من النساء الموديلات اللواتي سرعان ما يَسْتحِلْن إلى "نُسَخ"، لكونه يحتاج إلى تجديد الزوجة الموديل مع الدخول في كل مرحلة فنية جديدة (وهو عجوز، ظل بوسعه أن يتزوج الصبايا ). في حين، لم يظفر فانسان فان غوغ V. Van Gogh (1853-1890) بحب قريبته الأرملة (الموديل المثالي) التي فاجأته برفضها المطلق، وبهروبها من حبه الجنوني إلى أهلها في أمستردام. في غمرة هذا الإحباط العاطفي، بَتَر أذنه ووضعها في صندوق صغير فقدمها (كهدية) لفتاة هوى في الشارع عربونا على حبه لها. لعل فشله في الحب (الموديل المستحيل) هو ما جعل أعماله خالية من العُرْي le nu عكس مجايليه. عاش فقيرا وبئيسا إلى أن وضع حدا لحياته بطلقة نارية في سن السابعة والثلاثين، ولم يحظ بالشهرة إلا بعد مماته. بينما هجر صديقه بول غوغان P. Gauguin (1848-1903) عمله (كان موظفا في مصرف) وزوجته وأبناءه وبلده بحثا عن الفردوس المفقود (الموديل البِكْر) ليستقر بتاهيتي ويرسم نساءها السمراوات وحياتهن الفطرية، مما مكنه من توليف أسلوب ذي نزوع بدائي دفع النقاد إلى تصنيفه في دائرة "الوحشيين" les fauves إلى جانب هنري ماتيس وبول سيزان وفان غوغ.
هذه النماذج من العلاقات، وأخرى كثيرة، تطلعنا على طبائع الحب الملغَّزَة لدى الفنانين الغربيين المناهضين للأعراف، وتُقربنا من حالة العيشوني المغربي الذي اتخذ موقفا بأقل الأضرار، إذ اختار ركوب الحب خارج قفص الزوجية الذي تتحول فيه المرأة إلى شريك إجباري يقوم على عقد نكاح شرعي، باعتبار الزواج مؤسسة Institutionمُنْبَنِية على قواعد يصعب على الفنان الامتثال إليها عامة، علما أن الفن يرتبط ? في الأصل- بهَدْم "المؤسسات"، إذ "لكل فنان وطن مثالي غالبا ما يكون بعيدا عن وطنه الأصلي، ترتاح فيه موهبته الفنية" كما يرى جيرار دي نرفال. لذلك، ظل العيشوني مستعصيا على الامتلاك، منساقا مع هواجسه وتطلعاته الموَجَّهة بدوافع داخلية: "توطدت علاقتي بالمغامرات الغرامية. فُتِنْت باكتشاف المرأة والانغمار في الرسم. انغلقت داخل هذه المحارة الزاهية الألوان ولم أكد أنظر خارجها" (13). من ثمة، تشكل المرأة لديه موضوعا sujet مزدوجا، يتداخل فيه موضوع الحب وموضوع الفن الموصول بالاشتغال المستديم والمتجدد بمقتضى طبيعة الحب المنطلق الذي تمسي معه المرأة: الموديل المُلهِم، الموديل المعشوق، الموديل الممتع، الموديل الإيروتيكي...حيث لا يتحقق الإشباع عبر لذائذ الجسد ورغباته فحسب، بل من خلال الالتهام البصري أيضا (تشريح الموديلanatomie /). في ذروة هذا التكامل النشوي يتسامى تحقيق الذات، باعتبار "الحب الفضاء الوحيد الذي يستطيع الفرد أن يعبر فيه عن ذاته خارج الأدوار المنوطة به في مجتمع منظم جدا، إنه مكان لتجذر الفردانية" كما يؤكد أمبرتو غاليمبرني (14)).
في مستوى آخر، تبقى الفردانية لدى الفنان مرهونة بحاجته إلى الانعزال والخلوة والوحدة (وحدة الاكتفاء الذاتي) في أحايين وحالات كثيرة، ذلك أن "القوى النفسية عندما تعمل، فإن المرء لا يلاحظ ذاته، فإذا لاحظ الشخص ذاته توقفت هذه القوى"، كما يقول كانط في كتابه "الأنثروبولوجيا"، مضيفا أن "الشخص إذا لاحظ أحدا يراقبه أو يحاول اكتشافه، فإنه إما أن يرتبك وفي هذه الحالة لا يستطيع أن يُظهِر نفسه كما هو بالفعل، أو يحاول أن يتنكر إذا كان لا يريد أن تُعرَف حقيقته أو يعرف ما هو عليه بالفعل" (15). إن نزوع الفرد إلى تحقيق ذاته يضعه في جبهة الصراع مع بيئته "مما يصحبه صدام وقلق، لأن الشخص المبدع الذي يغامر بالدخول في مواقف كثيرة، يُعَرِّض نفسه لصدمات ويجد نفسه في مواقف قلق أكثر ما يحدث للشخص العادي" (16). من هذه الزاوية يأتي تشبث العيشوني بخلوته: "أنقطع فجأة عن العالم الخارجي وأمضي أياما متتالية، متوحدا أستمع لعظامي كما يقولون، مسترجعا على مهل ما رأيت وما سمعت وقرأت...بغير تلك التوقفات أُحسني برميلا مفرغا أتحرك في آلية ولا أكاد ألتقط ما يدور حولي. في مثل هذه الحالة أعاف نفسي وأنشد الخلوة. الأهل والأصحاب يعذرونني يقولون: هذاك فنان ما تديوش عليه، عايش مع كانتو مرة تطلقو ومرة تحجبو..." (17)، مما يؤكد سفره الذهني والنفسي المُسْتَدامَيْن، بحثا عن الذات الهاربة: "لا ألتقي مع نفسي إلا في غمار الفوضى، على حافة المؤقت الدائم وداخل متاهة التوحد والارتحال" (18). إنه القلق الذي يسيطر على نفسية الفنان ويؤثر على كل تفاصيل تجاربه العاطفية والإبداعية، فيما تنمو الأسئلة وتتصاعد دون الإمساك بأجوبتها: "استغرقت أمدا طويلا وأنا أبحث عن أسرار الكينونة والغياب، عن الكيمياء التي تضفي الشفافية على ما نعيشه كل يوم. حيرتي تزداد ومعها تتراكم الأسئلة. تابعت ما أنجزه التجريديون والتصويريون، ووقفت طويلا أمام أعمال تستوحي الموديرنيزم والمستقبلية وأخرى تتوشح بالميتافيزيقا والميثولوجيا، وسرت على أثر الطلائعية والواقعية...لكن جميع تلك الدروب تتلاشى لتبقى تتلألأ من خلال أسماء (...) في فترة "البراءة" كنت أرسم بلا مبالاة، أرسم مثلما أتنفس، لكن حصيلة التجربة والقراءة واكتشاف الذات تَشُلّ خطوي، تضبط حركاتي وأنفاسي. غدوت أتعذب كثيرا قبل أن أتمكن من رسم لوحة تحرك المخيلة وتستثير المتعة. أعرف شيئا واحدا هو أنه علي أن أواصل الرسم لكنني لست متأكدا من شيء" (19).
هوامش
* يتعلق الأمر في الأصل بالمداخلة التي ساهمت بها في ندوة: "تجليات الحب في الرواية العربية والمغربية"، جمعية الباحثين الشباب في اللغة والآداب بكلية آداب مكناس والمديرية الجهوية للثقافة مكناس- تافيلالت، دار الثقافة محمد المنوني، مكناس، 10-11-12 ماي 2012
- سبق أن قدمت عرضا تحت عنوان: "الثقافة الفنية من خلال الضوء الهارب لمحمد برادة" (باعتماد وثائق مصورة ذات صلة)، ندوة: "الأدبي والبصري- قراءات في الأدب المغربي المعاصر"، جمعية الباحثين الشباب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس، 24 يناير 1997.
1- محمد برادة، "الرواية أفقا للشكل والخطاب المتعدِّدَيْن"، مجلة فصول، المجلد 11، ع4، شتاء 1993، ص11
2- في هذا السياق نشير أيضا إلى رواية (مدينة الفنانين) مكتوبة بالفرنسية لعزام مدكور (فنان تشكيلي وكاتب):
Azzam Madkour , La cit? des artistes, Imprimerie Omnia, Rabat, 2001 -
3- محمد برادة، الضوء الهارب، نشر الفنك، البيضاء، ط1، 1993، ص20
4- Ibid، ص 61
5- Ibid، ص 58
6- Ibid، ص 55
7- Ibid، ص 58
8- Ibid، ص 47
9- Ibid، ص 49
10- Ibid ، ص 42
11- Ibid ، ص 55
12- Ibid ، ص 57
13- Ibid ، ص 47
14- عبد الله كرمون، "تحقيق الذات عن طريق الآخر"، مجلة الدوحة، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة- قطر، ع52، فبراير 2012، ص 81
15- عبد الحليم محمود السيد، الإبداع والشخصية- دراسة سيكولوجية، منشورات جماعة علم النفس التكاملي، دار المعارف، القاهرة، 1971، ص 40
16- Ibid ، ص 234
17- محمد برادة، الضوء الهارب، Op-cit، ص 17
18- Ibid ، ص 82
19- Ibid ، ص 69 - 70
* ( تشكيلي وناقد فني )


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.