العلاقة ستظل "استراتيجية ومستقرة" مع المغرب بغض النظر عما تقرره محكمة العدل الأوروبية بشأن اتفاقية الصيد البحري    الجزائر تنسحب من البطولة العربية لكرة اليد    المالية العمومية: النشرة الشهرية للخزينة العامة للمملكة في خمس نقاط رئيسية    الوكالة الوطنية للمياه والغابات: "القط الأنمر" الذي رصد في إحدى الغابات بطنجة من الأصناف المهددة بالانقراض    تتويج المغربي إلياس حجري بلقب القارىء العالمي لتلاوة القرآن الكريم    مكناس .. تتويج 12 زيت زيتون من أربع جهات برسم النسخة 14 للمباراة الوطنية    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية مقابل الدرهم    المغرب يصدر 2905 تراخيص لزراعة وإنتاج القنب الهندي إلى غاية أبريل الجاري    بحر طنجة يلفظ جثة شاب غرق خلال محاولته التسلل إلى عبارة مسافرين نحو أوروبا    غدا تنطلق أشغال المؤتمر الثامن عشر لحزب الاستقلال    الفروع ترفع رقم معاملات "اتصالات المغرب"    مطار مراكش المنارة الدولي .. ارتفاع حركة النقل الجوي خلال الربع الأول    ارتفاع أرباح اتصالات المغرب إلى 1.52 مليار درهم (+0.5%) بنهاية الربع الأول 2024    تظاهرات تدعم غزة تغزو جامعات أمريكية    توقعات أحوال الطقس اليوم الخميس    هذا الكتاب أنقذني من الموت!    سيمو السدراتي يعلن الاعتزال    المعرض المحلي للكتاب يجذب جمهور العرائش    جراحون أميركيون يزرعون للمرة الثانية كلية خنزير لمريض حي    14 ألف مواطن إسباني يقيمون بالمغرب    تحويل الرأسمالية بالاقتصاد اليساري الجديد    بسبب تعديلات مدونة الأسرة.. البرلمانية اليسارية التامني تتعرض لحملة "ممنهجة للارهاب الفكري"وحزبها يحشد محاميه للذهاب إلى القضاء    تأملات الجاحظ حول الترجمة: وليس الحائك كالبزاز    حفل تقديم وتوقيع المجموعة القصصية "لا شيء يعجبني…" للقاصة فاطمة الزهراء المرابط بالقنيطرة    مهرجان فاس للثقافة الصوفية.. الفنان الفرنساوي باسكال سافر بالجمهور فرحلة روحية    نجم مغربي يضع الزمالك المصري في أزمة حقيقية    بوغطاط المغربي | محمد حاجب يهدد بالعودة إلى درب الإرهاب ويتوّعد بتفجير رأس كل من "يهاجمه".. وما السر وراء تحالفه مع "البوليساريو"؟؟    الدراجات النارية وحوادث السير بالمدن المغربية    عملية رفح العسكرية تلوح في الأفق والجيش الاسرائيلي ينتظر الضوء الأخضر من نتانياهو    واشنطن طلبات من إسرائيل تعطي إجابات بخصوص "المقابر الجماعية" ف غزة    أكاديمية المملكة تعمق البحث في تاريخ حضارة اليمن والتقاطعات مع المغرب    بطولة فرنسا: موناكو يفوز على ليل ويؤجل تتويج باريس سان جرمان    الصين تكشف عن مهام مهمة الفضاء المأهولة "شنتشو-18"    الولايات المتحدة.. أرباح "ميتا" تتجاوز التوقعات خلال الربع الأول    ماركس: قلق المعرفة يغذي الآداب المقارنة .. و"الانتظارات الإيديولوجية" خطرة    أخنوش: الربط بين التساقطات المطرية ونجاح السياسات العمومية "غير مقبول"    بني ملال…تعزيز البنية التحتية الرياضية ومواصلة تأهيل الطرقات والأحياء بالمدينة    المنتخب المغربي ينهزم أمام مصر – بطولة اتحاد شمال إفريقيا    المنتخب المغربي لأقل من 18 سنة يفوز على غواتيمالا بالضربات الترجيحية    ما هو سيناريو رون آراد الذي حذر منه أبو عبيدة؟    تعزيز التعاون الفلاحي محور مباحثات صديقي مع نائبة رئيسة مجلس النواب التشيكي    أخرباش تشيد بوجاهة القرار الأممي بشأن الذكاء الاصطناعي الذي جاء بمبادرة من المغرب والولايات المتحدة    الرئيس الموريتاني يترشح لولاية ثانية    نور الدين مفتاح يكتب: العمائم الإيرانية والغمائم العربية    كأس إيطاليا لكرة القدم.. أتالانتا يبلغ النهائي بفوزه على ضيفه فيورنتينا (4-1)    رابطة للطفولة تعرب عن قلقها من التركيز المبالغ فيه على محور التربية الجنسية والصحة الإنجابية للمراهق في دورة تكوين الأطر    جنايات أكادير تصدر حكمها في ملف "تصفية أمين تشاريز"    عاجل.. كأس إفريقيا 2025 بالمغرب سيتم تأجيلها    قميصُ بركان    لأول مرة في التاريخ سيرى ساكنة الناظور ومليلية هذا الحدث أوضح من العالم    الفوائد الصحية للبروكلي .. كنز من المعادن والفيتامينات    دراسة: تناول الأسبرين بشكل يومي يحد من خطر الإصابة بسرطان القولون        كلمة : الأغلبية والمناصب أولا !    دراسة تبيّن وجود صلة بين بعض المستحلبات وخطر الإصابة بمرض السكري    في شأن الجدل القائم حول مدونة الأسرة بالمغرب: الجزء الأول    "نسب الطفل بين أسباب التخلي وهشاشة التبني"    الإيمان القوي بعودة بودريقة! يجب على الرجاء البيضاوي ومقاطعة مرس السلطان والبرلمان أن يذهبوا إليه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في رواية «لم تكن صحراء» للروائية المغربية حليمة زين العابدين

«كل كتابة لم يكن الحب حياتها، ليست إلا نقطا متصلة، سواد على بياض...»ص 58
«كل أشكال الإبداع هي محاولات الإنتصار على الموت»ص 167
« ابتعدت...وحين شارف قاربي رمل الضفة الأخرى، تذكرت شموعا لم نطفئها يأتيني لهيبها والحنين إلى عينيك...حملت ما تبقى منك...بل مني، أدرت شراع القارب، أرخيت المجداف من يدي، وأسلمت الطريق للريح، تعود بي إليك...بل إلي، أو تغرقني في الموج...إن مت لا يهم...انتشلت الجثة أو كان قبرها حنجرة نورس أو بطن حوت، فأنا حملتك قبل الرحيل داخلي.» ص 103
1-
يقول أرسطو ما معناه،» أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبهاالعقل،»
وتقول احدى الكاتبات البريطانيات (دوريس ليسينج):»كل شخصياتنا هي بداخلنا، في مكان آخر».
أستحضر هذين المدخلين لمحاولة مقاربة عاشقة للمنجز الروائي «لم تكن صحراء» للكاتبة والروائية المغربية،حليمة زين العابدين،التي تمضي على نفس المنوال في تناول أسئلة الإنسان،في أعمق هواجسها وتجلياتها،مسكونة بثوقه الأزلي نحو الانعتاق والتحرر،وبنشيده الأزلي،نشيد الحب والجمال،رغم الآلام والجراح.
إن قراءة «لم تكن صحراء»،هي في ذاتها عملية محفوفة بالمخاطر،لأن الكاتبة روائية متمرسة أولا،وثانيا لأن هذه القراءة لا تسترشد بقراءات سابقة تضيء بعض مغالق النص،وتنير بعض أسراره،حيث يتعلق المتن الروائي بالحب كإحدى أهم الثيمات التي شغلت الإنسان،كقيمة فريدة قدمتها الرواية في إطار شعرية خاصة،وكتيمة/طابو في الثقافة العربية الإسلامية،المؤطرة بثنائية التقليد/الحداثة،المقدس/المدنس.
جاءت الكتابة عن الحب في الرواية كنشيد عالي في العشق،وكمعزوفة ألم إنساني،وكصرخة مدوية،الحب كمحرك ومحفز لأحداث الرواية،كقيمة عاطفية جوانية،وككاشف لأعطاب واختلالات تطال المجتمع والتاريخ،ليس الحب قضية ذوات منكفئة على نفسها،فهو يحيل إلى الجمعي ،إلى المشترك،(سنلاحظ في الرواية الإستثمار الذكي لأحداث الحادي عشر من شتنبر،أو ماعرف بانفجار البرجين)،ففي العملية السردية يتداخل الفردي بالجماعي الموت والانتحار بالكتابة والحياة،حيث تبدأ الرواية بحوار داخلي بين أنيا و المرآة/الذاكرة/الأنا المريضة،لتنتهي بالحوار بين الساردة وصديقتها فريدة،على أن البناء السردي سيأخذ خطا منعرجا يعتمد بشكل لافت على تقنية الاسترجاع،والاشتغال على الذاكرة،والإحالات على نصوص في اختراق لافت للزمان والمكان والشخصيات والأحداث،مع حضور قوي للحكاية كجامع ولاحم لمجمل مقومات المتن الروائي.حكاية تلخصها فريدة لرجاء في الصفحة 241 من الرواية،لكن الكاتبة تقدمها في شكل إبداعي زاخر بعناصر ومقومات كتابة روائية حديثة،مثقلة بالشعرية،وغاصة بالإحالات على الشعر(رامبو،شكسبير،أراغون...)،والموسيقى والغناء(جاك بريل،أم كلثوم،ايديتبياف،الحسين السلاوي،جان فيرا،شارل أزنافور...)والفكر والأدب(ابن خلدون،ميشيل فوكو،جويس كارول اوتيس،أرسطو،محمد شكري،الطيب صالح،جلال الدين الرومي،تشي غيفارا،توم جونز،أمين معلوف،أليس ميلر...).
2-
«الكتابة انفتاح جرح ما»-فرانز كافكا-
هل الكتابة طقس شفاء من جرح ما؟
تحتفي الرواية «لم تكن صحراء» بالكتابة،لتجعلها منجاة من حالات موت محقق، عكس سير وحيوات كتاب،انتقلوا من الإبداع والكتابة،إلى الانتحاروالصمت،نتذكر ارنست همنغواي، وفرجينياوولفن، وخليل حاوي وآخرين، لكن الساردة في الرواية ستخط لنفسها مسارا آخر،لتخرج من ليل الجسد،إلى ضوء الكتابة،من صراع الذوات التي بداخلها،إلى البوح،مع ما يستتبع ذلك من اختناق،ومعاناة، وهي تحاول الكتابة الحرة في مجتمع مثقل بالقيود، مليء بالمتاريس التاريخية والاجتماعية والدينية والقيمية...
3-
كمدخل بصري لقراءة غلاف الرواية، تلتقط أعيننا مباشرة صورة داخل إطار بالأسود،صورة امرأة عارية إلا من فستانها الداخلي الأحمر،منكفئة على نفسها،صورة جسد حزين،في حالة ألم وضياع وعزلة،إن حالة الجسد الأنثوي في الصورة هي في حد ذاتها لغة تحكي العلاقات الفردية والاجتماعية، بطريقة رمزية تقدم العري الجسدي الأنثوي، كمتخيل اجتماعي مهما أوغل في فردانيته.
من الفستان الأحمر في الصورة، إلى العنوان بخط لافت وبالأحمرأيضا "لم تكن صحراء "،عنوان ملتبس يقدم نفسه كعتبة مبتورة،سيكون على القارئ التنقيب في المتن الروائي لاستكشاف كنهه.
فوق العنوان، اسم «حليمة زين العابدين»، كاتبة وروائية مغربية كتبت في الرواية،كما كتبت في الشعر والمسرح والنقد الأدبي.......
أما أسفل الصورة، فنجد كلمة «رواية»، كإشارة إلى أن الكتاب يدخل في صميم الكتابة الروائية كنوع أدبي.
في عتبة الشكر نعرف كقراء علي بنساعود،فهو الكاتب المغربي صاحب المجاميع القصصية،»ظلال ذابلة»، «انحناءات ملتوية»،و»رايات بلا عبير»...لكن في عتبة الإهداء،»إلى أنير،قال:»أنا آت» ولم يصل...»،نزداد التباسا حول علاقة الكاتبة بإحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية.فمثل العنوان، لا نستطيع معرفة «أنير» من خارج الرواية،كدأب غالب الإهداءات.
«تكون الكتابة حرة، حين يكون المجتمع حرا..."، التباس ثالث،هل قالت الرواية كل شيء،مادام المجتمع ليس حرا؟كيف يمكن حكي الحب في مجتمع لا يعترف به؟يضع قيودا ومتاريس تاريخية واجتماعية ونفسيةأمام عملية البوح عن الحميمي في الحب؟هل باحت الساردة بكل شيء؟هل هناك تواطؤ ضمني بين الكاتبة والساردة بحجة غياب الحرية؟ ...
«حب لا يجتث الجدور،لا يدمر،ليس حبا.»
هل هي دعوة إلى التطرف في الحب،أم أن الحب الحقيقي لا يعترف بالمناطق الرمادية،وبمواقع البين البين؟وبالمساحات العاتمة؟
4-
رواية «لم تكن صحراء» ليست سردا، هي هدير عاصف هذيان جامح وصاعق.
«لم تكن صحراء»،رواية ترهق قارئها،تفككه وتعيد بناءه،تزحزح مفهومه للحب،للكتابة،للتخييل،للذاكرة. ومع تقدم السرد،نكتشف أن الحب «لعبة» صعبة،بعيدة عن كل تبسيط ساذج،الرواية في حد ذاتها فلسفة في الحب،مرافعة من أجله،صدح بصوت عالي ،يعيد خلخلة هذا الكائن الضوئي،يحفر عميقا في مناطقه الغائمة.
يحضر الحب في الذاكرة،كما يحضر في الغياب،يلبس الواقع والأمكنة،يسكن الجسد،ويمتطي صهوة،يخترق ويحرق بدموعه وهواجسه وبوحه،الصمت،يحضر الجسد في أرقى تجلياته وهو يكتب بعريه، يمارس عريه الفاتن،في الجنس والرقص،والحزن،والألم،في الحضور والغياب،فالرواية تحتفي بالجسد لتخرجه من منطقة الخرس،ليبوح،ليتحرر من القيد،ليحرر معه الحكي والكتابة.
5-
تبدو الرواية وكأنها تحكي قصة امرأة مسكونة برجل،ملبوسةبه،تحيا على الذاكرة والفقدان،وتعيش على جرح الغياب الذي انوشم على الجسد،وانحفر داخله جداول من دموع ونحيب.لكن كلما تقدم المتن الروائي تتوغل جوارحنا داخل سرد يبدو أكثر تعقيدا وثراء،إنه حفر عميق في الذات كفرد(أنيا)،وكجمع(المرأة،النساء،المجتمع،التاريخ،الدين...)
كشف جريح وقاسي في الدواخل،لتعرية الأعطاب،لمعرفة الخلل،لطرح الأسئلة،لخلخلة اليقينيات.
6-
لم يكن -أنير- الغائب/الحاضر في الرواية،مجرد عاشق،لقد كان المحفز لتكتشف -أنيا- جسدها،»مع أنير اكتشفت أن لي جسدا» ص 64 . التصالح مع الجسد أمام السؤال الصاعق:»ما معنى أن يولد الإنسان امرأة في المغرب؟»،حمولة الجواب تخترق المتن الروائي عبر سبر أغوار العلاقة بين أنيا وجسدها،أنيا والذاكرة،أنيا والمكان،أنيا والكتابة العارية التي تريد من خلالها أن تحكي بحرية في مجتمع غير حر،فهل قدر المرأة ألا تكتشف جسدها إلا من خلال طقس الحب العاصف،في مجتمع ذكوري يدخل الجسد الأنثوي في منطقة المدنس والمقموع، يزج به في عتمات الصمت؟هذا «الحب الذي لا يستعمل العين للرؤيا،إنما يستعمل القلب»كما في قول الطبيبة لأنيا،حيث العشق الذي لا يرى بالقلب عشق أعمى،والحب ليس حبا إذا لم يجتث الجذور،ولم يدمر،حسب إحدى عتبات الرواية الصغرى.
7-
حين يسكن المكان الذاكرة، الذاكرة نفسها تصبح سكنا للمكان.
ثلاث فضاءات/أمكنة تنقلت بينهما أنيا من خلال السفر في الذاكرة،وعبرها،باريس،الرباط سلا،ثم صحراء المغرب الشرقي،لكن أنيا تتجاوز علاقة الذاكرة بالمكان إلى علاقة أعقد،من خلال أقانيم،الحب،الذاكرة، الجسد... «عيناكتفضحانكياحبيبتي... تشعانبسحرغريب،تحكيانلهفةالانتظار...»ص 63 حيث يرفض الحب الموت الفيزيقي لأنير،فيعيش الجسد بين الغياب والحضور تجربة تمزق وغربة،متنقلا بين فضاءات ثلاث:فضاء الواقع (الاكتئاب والألم...)،فضاء الذاكرة(الحب والحلم)،وفضاء البين بين(عالم مابين الحياة والموت،ما بين الجحيم والفردوس).
8-
أنيا تريد أن تحكي وأن تكتب.
هي سيرة فقد.فقدان الحب الذي يوجد بداخلنا،وضمور الجسد الذي يتدفأ بضوئه،أنيا تريد أن تغتسل في محراب البوح العاري، كما محمد شكري في خبزه الحافي،أن تقول جسدها،شبقها،استيهاماتها الجنسية،في مجتمع يدين هذه المكاشفة ويقمعها،تتمنى أن تكون رجلا لتكتب بدون متاريس وجدارات وحواجز،لكن هل حقا الرجل في مجتمع لم يحسم مع الحريات الفردية والعلمانية والديمقراطية،يمكن أن يكتب ما يريد؟
تمارس أنيا احتيالها على المجتمع/ الرقيب،بالحديث من خلال شخصيات الطيب صالح،ومحمد شكري،وباولو كويلو، صديقات رجاء...هي التي عاشت مشاهد عشقية باذخة مع أنير،اختزنتها ذاكرة متشظية على حافة الجنون والانتحار،لتأتي بعض مفاصل الرواية جريئة،خارجة عن مألوف»الكتابة النسائية»،عارية من بلاغة الترميز،والإخفاء.ولو أنها لا تملك جرأة رجاء ولغتها.
تتشابه حكاية شهرزاد مع حكاية أنيا،شهرزاد كان عليها أن تحكي كي تحتفظ برأسها فوق جسدها،وأنيا سيكون عليها أن تهذي أو تحكي أو تكتب،لتصنع خلاصها بيدها،تفلت من صراع الرؤوس،تخرج من المناطق الرمادية،تحرر نفسها منها،تعود من رحلة جنون كان يمكن أن يفضي بها إلى أبعد من منطقة البين بين.»امنحي القلم جسدك،حرري قوة الخلق فيه،الجسد يحتفظ بكل الآلام التي مرت به،للجسد ذاكرة لا تنسى،عودي به إلى أيام طفولتك،فجري جراحه من جديد،وسوف ترين أنك تخلصت منها بشكل نهائي» ص84
9-
هل الكتابة وحدها تكفي، أم كان على أنيا أن تسافر مع فريدة لتستنطق ذاكرة المكان مقادة بحدس ما؟تداخل إبداعي جميل بين زمنين متباعدين وحدت بينهما ذاكرة الغياب،وأمكنة لا زالت تحمل في طياتها رائحة أنير،زمن رحلة أنيا وأنير،وزمن رحلة أنيا وفريدة،بين هذا وذاك،تجربة ألم وحزن،ورقص حام على موسيقى اكناوة التي حررت جسد أنيا لتسافر عبر الزمن،فهل أنيا استدرجت فريدة إلى المكان الذي كتبت فيه وأنير الرواية «لم تكن صحراء» ذهنيا،وعلى ورق المفكرة؟ أم إلى لقاء رجاء، وقد حررها حب عادل من حزنها؟
من «انتصر» في معركة الحب على الآخر،أنيا أم رجاء؟هل حقا لقاء رجاء أعاد لأنيا توازنها،وهي التي أرادت أنير غائبا في اللاواقع،على أن يكون ميتا في الواقع؟هل تخاف أنيا أن يموت في داخلها الحب بالموت الفيزيقي/الحسديلأنير؟
10-
قد يكون زمن الكتابة سنة 2015،وزمن توقف النمو العاطفي لأنيا سنة2001،وبين الزمنين،جرت مياه كثيرة،ليمتد التذكر إلى أبعد من ذلك،الطفولة والصبا،سنوات العمر التي كتبت ورقاتها بين أمكنة وأزمنة مختلفة، مراكش ،فرنسا،الرباط سلا،نزل الحمقى،صحراء المغرب الشرقي...
العنوان كعتبة رئيسة،»لم تكن صحراء»،قد يكون ما كتبته أنيا بحضورها وأنير بغيابه،حين قال لها سآتي ولم يصل،أضاعت أنيا سامي في انفجار ظلامي،لتدخل ظلمة جسدها ،تغوص عميقا في ليله،ما أوحش ليل الجسد،ألم يكن في حب أنيا وأنير تطرف جميل؟،لتعيش في سراديب ذاكرة يملأها الغياب،ذاكرة يبدأ السرد فيهابحوار بين أنيا والمرآة،كزمن يحيل على الاسترجاع،ليشتغل على المخزون،عارضا تجارب حب مختلفة،فريدة وابراهيم،رجاء وعثمان،ثم رجاء وعادل،بلعيد ورقية،أنيا وأنير،جوانا ولحسن....،هل تعيش أنيا وأنير حكاية أبيها وأمها البيولوجيين بشكل آخر ؟هل أنيا محكومة بلعنة الولادة القاسية؟ألم تهدم انفجارات برجي التجارة في نيويورك أسوار الجنة التي اكتشفتها أنيا وانير بداخلهما وسط الصحراء؟ألم يكن غياب أنير قتل لأنيا من نوع خاص؟وهل ستلبس أنيا مرة أخرى حالة رجاء،وقد تجاوزت «غياب» عثمان بحضور عادل؟ثم هل لقاء أنيا ورجاء بالصحراء يدخل في جدولة الشفاء أم مجرد صدفة ماكرة؟
وكأن أنيا جاءت إلى هذا العالم كي تحب حبا مدمرا أو تتلاشى،تموت،وهي التي لها فلسفة مختلفة في الحب،»أنا أعشق الوجه والعيون أولا» ص134،ولها حدس خارق،إذ لم يكن عشقها للمقهى العجائبي الذي يملكه عادل،إلا لأنه مملوء بالحب،مثله مثل داخلها،يحرك فيها شجون العشق،لكن كيف يمكن لأنيا أن تكتب كل هواجس الحب والجسد،في مجتمع ذكوري،وهي لا تملك جرأة رجاء،ولا شجاعة بنت مجدوب،أوبطلات باولو كويلو...ودون أن تكسر تقاليد الكتابة النسائية نفسها؟وهل البوح والكتابة بإمكانهما أن يكونا خلاص أنيا؟معبرها من الجنون المرضي إلى جنون الحياة والحب؟منجاتها من حرب الرؤوس المتصارعة؟أن تحيل صحراء الجسد وليله إلى جنة؟
11-
أنيا شخصية إشكالية ومركبة،ستدخل المتن الروائي من بابه الواسع،لتغني وتضيف،لتسحر وتبكي،أنيا لا يمكن إلا أن تسكن أعماق القارئ،أن تستفزه،أن تعيد خلخلة تصوره للحب وللجسد. جاءت من باب الغربة والضياع واليتم، وعاشت نفس تجربة أبيها في الحب. ولدت بين العاصفة والجبل، وعاشت بين الغياب والحضور. شخصية عميقة وخصبة، تشبه معبد عادل.
جسد مسكون بأسئلة الحب، الكتابة، العدم، الغربة، التمزق، انبثاق الحياة،الألم،الحزن،والفقدان. ذات تسكن فيها العاشقة،والمثقفة،والشاعرة،والفنانة التشكيلية،والمناضلة اليسارية...
أنيا لا يمكن أن تكون إلا من بلعيد ورقية،هرَّبا حبهما لتعيش أنيا،ولتموت رقية بين الجبل والوادي،وليسع بلعيد في الأرض،بائعا نعجتاه في السوق،وهائما في حِرف غريبة،سيخرج منها بثروة.
إن الرواية في حد ذاتها،ورشة اشتغال إبداعي على الجسد،وعلم النفس،والسوسيولوجيا،والتشكيل،والشعر،والتاريخ،والرحلة،والأسطورة،والحكاية والجنس،ورشة اشتغال على الإنسان،وعلى قيمة الحب والحرية،»الحب هو التجربة الحقيقية للحرية» ص 177. لذا جاءت زاخرة بالفكر،مثقلة بالرؤى،نافذة إلى عوالم شخصياتها،بتوتراتها،غنية بالوصف،وباللغة الشاعرية،وبالحلم،والحوار البعيد عن الرتابة والملل،وبالتناص مع الأسطورة والرواية والحكاية.
تنتقل الرواية من الاشتغال على تيمة الحب،إلى نقد السياسة،هذه الانعطافة الإبداعية الجميلة أغنت المتن الروائي،وزادته ثراء،وأدخلته في محيطه الطبيعي،الواقع الاجتماعي التاريخي الملموس،في الهنا والآن،تحكي الرواية،عن ذوات تسحقها المناطق الرمادية،الوقوف بين التقليد والحداثة،بين ثقافة المواطنة كما تحققت في فرنسا،وثقافة الرعية ،هذه الازدواجية القاتلة التي تجسدت في جسد أنيا سلبيا،بينما لبسها أنير جسدا وسلوكا،وهو القمحي الوجه الأزرق العينين،-من أب وأم مختلفي الثقافات-المتسامي في العشق كما في الحياة،وهو ما جعل أنيا لتساءل موقف اليسار من الحب،ومن الموسيقى والغناء،كما تساءل واقع»الكتابة النسائية» وإشكالات البوح في مجتمع مطوق بالممنوع والمقدس.
12-
حليمة تحكي وأنيا تكتب.
أو هكذا أحسست وأنا أتوغل في ردهات وسراديب الرواية الفسيحة.
أنيا وحليمة يتبادلان الأدوار،تتداخل ذات الساردة بذات الكاتبة،تمارسان معا عملية إصغاء عميق وسبر أغوار،تتماهيان في بعضهما البعض،لكتابة سيرة الجرح والغياب،فأين يا ترى تبدأ ذات الساردة وتنتهي ذات الكاتبة؟أليس العمل الإبداعي الروائي هو التفاعل الخلاق بين الواقع والتخييل،بين الكاتب وشخصياته،بين الذاكرة والحاضر؟
بين حليمة وأنيا أمكنة مشتركة،مراكش والرباط سلا،بينهما ماض يساري بأحلامه الكبرى وخيباته،بينهما نفس المهنة،نفس النقد لمفهوم «الكتابة النسائية»،أي رفض صفة النوع في الكتابة "المبدع لحظة الكتابة، لا جنس له»ص 146، بينهما نفس الكائن الملائكي الذي يسكنهما،مغمورا بفهم خاص للحب،يعلي من قيمة العشق،في أعمق معانيه،بينهما نفس الجسد الأنثوي الراغب والعاشق والحالم.
يقول الشاعر اللبناني وديع سعادة:»العابرون سريعا جميلون،لا يتركون ثقل ظل،ربما غبارا قليلا،سرعان ما يختفي»،لكن أنير الجميل،ورغم أنه عبر سريعا إلى الضفة الأخرى،بفعل عمل إرهابي طبع التاريخ السياسي الحديث،فغيابه أوقع حفرا عميقا في كيان أنيا،لم يترك غبارا سرعان ما اختفى،ترك نارا ستشعل ذاكرة وجسد أنيا بحرائق لا شفاء منها،لتدخل في تيه طويل،قد يكون البوح والكتابة إحدى طرق الخروج من ليله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.