عداؤون من رياضيي الأمن الوطني يشاركون في بطولة الشرطة العربية للعدو الحر            فيضانات الشمال.. تأجيل سداد القروض لمدة شهرين وإلغاء رسوم السحب لدى "البريد بنك"    محادثات في مدريد بحضور الأطراف المعنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن على أساس الحكم الذاتي    سيدي سليمان.. توزيع الشعير والأعلاف المركبة لفائدة مربي الماشية المتضررين من الفيضانات يشكل مرحلة أولى ستعقبها أشطر أخرى من الدعم    توقيف مروج أقراص مخدرة بمكناس وحجز أزيد من 1700 قرص مهلوس    المغرب يعود إلى الساعة القانونية في هذا التاريخ خلال شهر رمضان    تشققات خطيرة بطريق أونان تعزل دواوير بإقليم شفشاون    وعي الأجيال: كيف كسر العالم الرقمي قيود الجاهلية؟    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    الكتابة الإقليمية بالصخيرات–تمارةتدعو إلى تحسين الخدمات الاجتماعية    مساء اليوم في برنامج "مدارات " بالإذاعة الوطنية: حوار الفكر والإبداع مع الأديبة لطيفة المسكيني    أساتذة مدرسة عبد بن ياسين بالحسيمة يحتجون على تأخر صرف منحة "رائدة" ويهددون بالتصعيد    هيئة النزاهة: تصنيف المغرب في مجال الرشوة ومحاربة الفساد دون مستوى الانتظارات    "النهج": الفيضانات كشفت فشل السياسات العمومية في مجال التهيئة المجالية وتدبير الموارد الطبيعية    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية    سد وادي المخازن يصل إلى 167 في المائة بعد استقباله 105 مليون متر مكعب في يوم واحد    الجديدة : العمل المشترك بين رئيس المحكمة ووكيل الملك مكن من تحقيق النجاعة القضائية        نتانياهو يلتقي ترامب وصواريخ إيران على رأس جدول الأعمال    عمر الشرقاوي يفكك دلالات برقية التهنئة الملكية لمحمد شوكي وسلفه عزيز أخنوش    طانطان .. ارتفاع الكميات المفرغةالصيد الساحلي والتقليدي خلال 2025    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    توتر داخل الكاف قبل اجتماع دار السلام واحتمال غياب عدد من الأعضاء    لقجع: "مونديال 2030" تتويج لرؤية تنموية بقيادة الملك محمد السادس    لحاق الصحراوية 2026: متسابقات يصنعن ملحمة رياضية بين الكثبان والبحر    حقينات السدود ترتفع إلى أزيد من 11,4 مليار متر مكعب بنسبة ملء تفوق 68 في المائة    النادي الصفاقسي يلوّح بالانسحاب من الدوري التونسي احتجاجًا على قرارات التحكيم    لابورتا يتأهب لخوض انتخابات جديدة على رئاسة برشلونة    انتقادات تلاحق عمدة الدار البيضاء بسبب رفضها مناقشة الدور الآيلة للسقوط وعمليات هدم الأسواق        تراجع أسعار النفط في ظل تقييم مخاطر الإمدادات    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب        أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    الصين: أكثر من 1,4 مليار رحلة في الأسبوع الأول من موسم السفر بمناسبة عيد الربيع    "مستر بيست" يستثمر في بنك لجذب "الجيل زد"    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    الجديدة : تفاصيل اعتقال أمني ورئيس جماعة في فبركة ملفات    المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



توازنات ولكن... بلا ضوابط

ضج العالم في مطلع الألفية الثانية بأحاديث وتوقعات وصلت إلى حد الجزم بأن النظام العالمي القديم انتهى إلى غير رجعة وأن نظاما مختلفا حل محله يقوم على أحادية تنفرد فيها الولايات المتحدة بالهيمنة وتفرض أوامرها على العالم لتكون الدول الكبرى والصغرى مطيعة ومستسلمة.
النظام القديم كان يستند إلى توازن القوى بين الشرق والغرب ، وبالتحديد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مع الاعتراف بدور محدد للصين وأوروبا التي كانت تسعى إلى إقامة اتحاد قادر على التنافس في المستقبل. وبالنسبة إلى الشرق الأوسط بالذات ، تدرج هذا الواقع بالقوة منذ بداية القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى عبر ثنائية بريطانية فرنسية (سايكس- بيكو وغيرها) قسمت دولا وأقامت حدودا مصطنعة واتبعت سياسة فرق تسد لتهيمن على المقدرات وتنهب الثروات بعدما مهدت لإقامة الكيان الصهيوني شوكة في خاصرة العرب.
وجاءت الحرب العالمية الثانية لتقلب المعادلات بالتوصل إلى «اتفاقية يالطا» التي أعادت تقسيم مناطق النفوذ بين الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ليبدأ أفول نجم بريطانيا وفرنسا ثم يتسع مع العدوان الثلاثي على مصر حين تدخلت أمريكا في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور، طالبة من الدول المعتدية الانسحاب فورا، فاتحة طريق دخولها المنطقة من أبوابها الواسعة.
ومع هذا، انتظمت التوازنات الدولية في حرب باردة يتنافس فيها الكبار على جني الغنائم وتأمين المصالح في ظل تفاهمات سرية على خطوط حمر لا يتجاوزها أي طرف وتدخل تحت إطار توازن الرعب النووي وغير النووي بعد تجاوز مواجهة خطيرة (1961) في عهدي الرئيس الأميركي جون كينيدي ورئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروتشوف ، بسبب محاولة نصب صواريخ روسية في كوبا.
وعندما انهار الاتحاد السوفياتي، أمل الأميركيون بأن الفرصة سنحت لهم ليحكموا العالم من دون شريك، وبدأوا يتباهون بالتفوق والقدرة على شن حربين في آن واحد ، لكن الغرور دفعهم إلى ارتكاب حماقات جنونية باحتلال العراق وأفغانستان. ومع الأيام، أثبتت الحوادث فشل هذه السياسة التي دفعت الولايات المتحدة بسببها أثمانا باهظة.
وجاء الرئيس باراك أوباما، المتردد بالفطرة، ليكرس سياسة الخوف من التورط في أي حرب أو أزمة، حاملا أوزار سلفه جورج بوش الابن وجنوح الحزب الجمهوري، وعلى راْسه ما سمي «المحافظين الجدد» وبقي حتى آخر لحظة له في البيت الأبيض حذرا ، متجنبا اتخاذ أي قرار حاسم، ما ساهم في تحطيم صورة «القوة العظمى الوحيدة» وضرب هيبتها وإنهاء أسطورة القوة الآحادية التي ماتت قبل أن تبصر النور.
وهكذا، تمكن «القيصر»، أي فلاديمير بوتين، من فهم الرسالة وإدراك حقيقة عقدة الخوف الأميركية وحدد الأهداف التي يريد تحقيقها والمدى الذي يمكن أن يذهب إليه ، فضرب ضربته في أوكرانيا أولا ثم في سوريا ليعيد إلى روسيا قوتها ويثبت أنها رقم صعب لا يمكن اتخاذ أي قرار دولي إلا برضاها وموافقتها وبضمان الاعتراف بمصالحها في العالم.
في ظل هذه الأجواء، يدخل دونالد ترامب البيت الأبيض ليشعل العالم جدلا وترقبا وقلقا ويتعامل مع واقع معقد لا يمكن الهروب منه، وهو اهتزاز صورة الولايات المتحدة وصعود نجم بوتين وعودة روسيا إلى الواجهة، ما يوجب التعامل معه والتخلي عن أوهام الآحادية ، خصوصا أن العلاقات السرية مع «القيصر» لم تعد خافية على أحد ، مثلها مثل دوره في تسريب الوثائق والمساهمة في تشويه سمعة منافسته هيلاري كلينتون. إلا أن الامتحان الأول لهذه العلاقات اهتز بسبب اقتراح ترامب إقامة مناطق آمنة في سوريا وإعلان موسكو، التي أبدت امتعاضها منه ، لأنه لم يستشرها في هذا الأمر، ما يفتح الباب أمام امتحانات أخرى مستقبلا.
هذا هو باختصار واقع النظام العالمي الجديد الذي أعاد عقارب الساعة إلى الوراء أيام الحرب الباردة ، كما أعاد الأمل بإعادة التوازن لتجنيب العالم نشوب حرب ساخنة يشعل نيرانها لاعبون جدد يملكون إمكانات نسف الأوضاع ، بدءا من كوريا الشمالية... وصولا إلى إيران.
غير أن العامل الخطير الأكبر هو بروز قوة ثالثة رهيبة لا حدود لحركتها ولا قيود على عملياتها، ولا توقع لما يمكن أن تقوم به في المنطقة والعالم: إنها قوة الإرهابيين، بدءا من «داعش»... ومن قبلها «القاعدة» و"القواعد" المنبثقة منها التي يسود الغموض حول أسرار تكوينها ودعمها وتكوين هذا الوحش «فرانكنشتاين» العصر وأسباب انقلابه وتشعبه في الضرب في الاتجاهات كافة.
فالنظام العالمي القديم كانت تحكمه ضوابط وتتحكم بإيقاعاته قنوات سرية وهواتف ساخنة بين واشنطن وموسكو تنزع فتيل أي توتر يمكن أن يؤدي إلى مواجهة نووية. أما اليوم ، فإن النظام الدولي المتشكل حديثا لا قيود له ولا ضوابط سياسية وأخلاقية وعسكرية ، بل يشهد في بداياته فوضى ومخاوف على الأمن والاقتصاد العالمي وتوازنات القوى ومحاولات تهميش أوروبا والصين واستفزاز المسلمين في العالم والاستخفاف بهم وبقدراتهم.
وأكبر دليل على الضياع أن ما يسمى «الحرب على الإرهاب» لم تتمكن حتى الآن من القضاء على هذه الآفة وتدمير دولة «داعش» في العراق وسوريا، على رغم مرور أكثر من سنتين على قيامها. ومشاركة أكثر من 80 دولة في هذه المبادئ السلحفاتية.
ولهذا، ينتظر العالم بقلق معرفة طريقة تعامل ترامب مع هذا الواقع، بما يحمله من ملفات ساخنة، وكيفية التوفيق بين وعوده الانتخابية وقراراته وسياسته في الحكم والرد على التساؤلات الكثيرة ، ومن بينها:
- كيف يمكن أن تصمد وتدوم صداقته المريبة مع الرئيس بوتين؟ وإلى متى سيستمر الغزل بينهما في حال عدم التوافق على حلول للقضايا العالقة والممتدة من أوكرانيا إلى سوريا ومن آسيا إلى أوروبا؟
- أي سياسة ستنفذ في عهده لإعادة هيبة الولايات المتحدة وتجنيب العالم أزمات وحروبا أخرى ومدى الحزم في محاربة الإرهاب؟ وماذا يعني بتكرار شعار «أمريكا أولا»؟ هل سيعمل على النأي بالنفس عن القضايا العالمية أم أنه سيلجأ إلى تغليب مصالح الولايات المتحدة وإطلاق يده في مواجهة أي تهديد لهذه المصالح؟
- كيف سيتعامل ترامب مع الدول العربية والإسلامية وهو يجاهر بعدائه للجاليات الإسلامية ويطلق التهديدات ويطالب العرب بدفع «الجزية» وينحاز إلى إسرائيل ويتجاهل الشعب الفلسطيني وحقوقه والقرارات الدولية ويصمم على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة ، مع علمه أن هذه الخطوة الخرقاء ستهدد الأمن العالمي ومصالح الولايات المتحدة وتفجر العنف في العالم؟ وما القرار الذي اتخذه أخيرا بحق أبناء سبع دول عربية وإسلامية بمنع دخولهم الأراضي الأميركية إلا بداية لخطوات أخرى قد تشعل نيران فتن لا تنتهي، وأكبر دليل على ذلك الضجة العالمية ضد هذا القرار العنصري وامتدادها إلى الولايات المتحدة حيث شارك مئات من الحكام والمسؤولين وأعضاء الكونغرس والفنانين والإعلاميين في انتقاد قرار ترامب واعتباره غير شرعي وغير إنساني ويضر بصورة الولايات المتحدة ويهدد مصالحها وأمنها.
- كيف سيتعامل الرئيس المثير للجدل مع الصين، القوة العظمى المرهوبة الجانب ، وهو يجاهر بمعاداته لها؟ وكيف سيعيد التوازن مع روسيا، فيما يريد إضعاف الحليف الأوروبي الذي يعيش أزمة داخل الاتحاد كما يجاهر بعدم الاكتراث بحلف الأطلسي أو بتطويره وزيادة قدراته؟
- بالنسبة لأزمات الشرق الأوسط والخليج ، كيف سيحافظ ترامب على مصالح بلاده وهو لا يسعى إلى تعزيز العلاقات مع الدول العربية ، ومن ثم يعادي إيران ولا يقدم خطة لمواجهة تمددها للوصول إلى الهيمنة على مقدرات العرب في الحروب المشتعلة من العراق إلى سوريا واليمن؟
أسئلة كثيرة عن هوية النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم الفوضى والعجز ويتحرر من القيود والضوابط لنترحم على نظام بائد كانت تحكمه ضوابط ويتحكم بسياسة «حافة الخطر». فالعالم اليوم يتغير والقوى العظمى تعيد توزيع مناطق النفوذ وتستعد لقضم مزيد من المناطق وتفتيت دول، ونحن نتساءل: أين العرب من كل هذه المتغيرات؟
بكل أسف ، لم توقظ هذه الأخطار العرب من سباتهم، بل ما زالوا في حالة غيبوبة وهم فيها منقسمون، مهملون وعاجزون، يتلهون بألعابهم الصغيرة وبخلافاتهم التي لا يسعون إلى إيجاد حلول لها، وبالتالي لا تلوح في الأفق أي بادرة أمل للخروج من النفق المظلم وحفظ رؤوسهم في مرحلة تغيير الدول والرؤساء والأنظمة.
ولهذا، يجب على كل إنسان عربي أن يدق نواقيس الأخطار لنطمئن على الحاضر والمستقبل ونتأكد من إيصال الأجيال الصاعدة إلى شاطئ أمان يصمدون فيه أمام العواصف العاتية والمؤامرات المحاكة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.