مدير منظمة العمل الدولية: كنشكر الملك محمد السادس والإصلاحات الصحية مع مشروع الحماية الاجتماعية إنجازات كبيرة ومهمة فالمغرب    سيدنا دار نشاط فكازا اليوم. استقبل فكازا مبعوث ملك السعودية وها فاش هدرو وها علاش جا    مجلس المستشارين يناقش حصيلة الحكومة    بوريطة يستقبل وزير خارجية مملكة البحرين    بنموسى: الوزارة تواصل تنزيل النظام الأساسي وتنهي العمل بالتعاقد بشكل نهائي    تعاون قضائي بين المغرب والكويت جاي فالطريق.. عبد النباوي كلس اليوم مع رئيس السلطة القضائية الكويتية    دبابات الجيش الإسرائيلي تدخل إلى معبر رفح وتوقف دخول المساعدات الإنسانية    المغرب يقتحم الحدود الممنوعة في صناعة السلاح الفتاك    الشرطة الفرنسية تصادر مليون قرص مخدر    الاتحاد الآسيوي يوقف حمد الله 3 مباريات    إدارة إشبيلية تحتفي بالمدرب الركراكي    باريس سان جيرمان يفكر في التعاقد مع بونو    بعدما عين الكاف حكم كيني فلالي.. ها حكم روتور فينال بركان والزمالك فالقاهرة    القرطاس تضرب فتيزنيت باش البوليس يسيطرو على مسلح نشر الرعب فالمديمة    وكالة تنمية اقاليم الشمال تعقد مجلسها الإداري ال12    نصف ساكنة السجون المغربية شباب.. وعدد المعتقلين يتجاوز 102 ألفا    شبكة كتنشط فالتلاعب فامتحانات الحصول على بيرمي طاحو فيها 10 بتنسيق بين بوليس وجدة والديستي    حملة بيطرية تختتم "مهرجان الحمار"    نشرة نذارية…موجة حر مرتقبة من اليوم الثلاثاء إلى غاية الجمعة بعدد من مناطق المملكة    مطار أكادير المسيرة…ارتفاع بنسبة 23 في المائة في حركة النقل الجوي    خمس سنوات نافذة لضابط أمن في ملف وفاة مواطن بمفوضية بن جرير    تداولات الافتتاح في بورصة الدار البيضاء    وزارة الداخلية السعودية تعلن تطبيق عقوبة مخالفة أنظمة وتعليمات الحج    وزير الصحة يعلن تسجيل أزيد من 32 ألف حالة مرض سل في المغرب    رابطة الأندية الإفريقية لكرة القدم تقرر نقل مقرها إلى المغرب    مراسم تنصيب مهيبة في روسيا بمناسبة بدأ ولاية جديدة ل"بوتين"    شركات نقل دولي تستغل "ثغرات قانونية" لتهريب المخدرات نحو أوروبا    متلازمة رومهيلد .. مشاكل في القلب تحدث بسبب تراكم الغازات    "حماس": 54 شهيدا خلال 24 ساعة في غزة    غلاء ثمن دواء سرطان الثدي يسائل الحكومة    بسبب الإمارات.. الجزائر تهدد بوقف تسليم الغاز إلى إسبانيا    "لحوم فاسدة" قالبة مديرية التعليم بتاونات.. إعفاء رئيس مصلحة الشؤون الإدارية والمالية ولونكيط مزال غادي تطيح مسؤولين آخرين    احتفاء المهرجان الدولي مسرح وثقافات بسنته ال 20 : كوميديا موسيقية ومسرح أمازيغي وعودة مسرح الحي، لتتويج هذا الاحتفاء    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية مقابل الدرهم    تقرير رسمي: معدل الاكتظاظ بالسجون يبلغ 159% والسجناء قدموا 5153 شكاية خلال 2023    تارودانت ربيع المسرح في نسخته الثانية يكرم نزهة الركراكي    بمناسبة شهر التراث: ندوة في موضوع "دور الرواية في تثمين المواقع التراثية بالقصر الكبير"    سان جيرمان يستهدف رقما تاريخيا ضد دورتموند في دوري أبطال أوروبا    لماذا يعاكس العدالة والتنمية الطبقة المتوسطة؟    إحداث أزيد من 16 ألف مقاولة جديدة في المغرب    توقعات أحوال الطقس غدا الأربعاء    الأمم المتحدة تحذر من أن مخزونها من الوقود يكفي ليوم واحد فقط في غزة    فرقة "أتيز" الكورية تتصدر نجوم مهرجان موازين    سلسلة "اولاد إيزا" الكوميدية تثير غضب رجال التعليم وبنسعيد يرد    المبعوث الصيني الخاص لتغير المناخ يزور الولايات المتحدة    أمازون: سنستثمر 9 مليارات دولار فسنغافورة    سيمانة قبل ما يبدا مهرجان كان.. دعوة ديال الإضراب موجهة لكاع العاملين فهاد الحدث السينمائي الكبير وها علاش    صعود أسعار الذهب من جديد    "فريق نجم طرفاية: قصة نجاح وتألق في عالم كرة القدم"    إبراز فرص الاستثمار بالمغرب خلال مائدة مستديرة بالولايات المتحدة    كبير إيطاليا يدخل بقوة على خط التعاقد مع زياش    "العرندس" يتوج نفسه وينال جائزة الأفضل في رمضان    الدورة الثانية عشر لعملية تأطير الحجاج بإقليم الناظور    الأمثال العامية بتطوان... (591)    دراسة: السجائر الإلكترونية قد تسبب ضررا في نمو الدماغ    باحثة: الضحك يقدر يكون وسيلة واعرة لعلاج الناس    السفه العقدي بين البواعث النفسية والمؤثرات الشيطانية    الأمثال العامية بتطوان... (589)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة من حسين أيت أحمد الى الشعب الجزائري .. من أجل نظام بديل ديمقراطي و سلمي

وجه حسين أيت أحمد زعيم حزب جبهة القوى الاشتراكية الجزائري المعارض رسالة إلى الشعب الجزائري ذكر فيها « نجد أنفسنا بعد خمسين عاما من إعلان الاستقلال الوطني أمام نفس النقائص: غياب دولة القانون،غياب حياة سياسية، غياب دستور جدير بهذه التسمية، الافتقار إلى مؤسسات ذات شرعية كفيلة بحماية الشعب والوطن على حد سواء من التجاوزات وضمان حقه في العيش في ظل الحرية والكرامة» مضيفا أنه « وبمجرد أن حقق الشعب الجزائري استقلاله واعترفت السلطة الاستعمارية بذلك، حتى حل مكانه نظام قمعي لم يتردد ولم يتأخر في مصادرة هذا التحرر، فدفن الأحلام الديمقراطية المتمثلة في الحقوق والحرية. » وفي ما يلي نص الرسالة :
إن الثورات التي تجري حاليا في كل من تونس و مصر، والدرس الهائل في الشجاعة، التنظيم والتصميم الشعبي ،على مرأى من العالم كله، لأمر يستدعينا بصفة مباشرة.
و قد أظهرت التطورات الدراماتيكية التي يعرفها المطلب الشعبي الشرعي الداعي للتغيير الديمقراطي في ليبيا، للعالم برمّته، مدى وحشية الديكتاتوريين المجانين الذين لا يرون أنفسهم مُجبرين على تقديم حسابات لأي كان وخصوصا شعوبهم.
وتندرج الأزمة الجزائرية بصفة طبيعية في إطار الأزمات الجارية. ومع ذلك، ليس من الممكن الرضوخ لأية «عدوى ديمقراطية» في تفسير ومعالجة كل وضعية وطنية.
لكن ،هناك « ثابتتين» بارزتين في جميع الثورات الجارية في المنطقة. من جهة، وجود أنظمة مفترسة ،لا تحظى بأية شعبية وعاجزة عن تلبية تطلعات شعوبها المتمثلة في الحرية و الكرامة. ومن جهة أخرى، إلحاح الشعوب القوي على حق التمتع بالحقوق.
إن الجزائريين الذين انخرطوا منذ وقت طويل في الكفاح المُطالب بالديمقراطية وتغيير النظام، قد دفعوا من أجل ذلك ثمنا باهظا.
وإذا كانت التعبئة الشعبية المصرية والتونسية تذكرنا في بداياتها ب» الربيع الديمقراطي» (1989 1991] فإن المجزرة النكراء التي اقترفها القدافي تُذكرنا بالضراوة الاستئصالية خلال سنوات التسعينيات و التي حرّضت ، داخل و خارج الهيآت - الجزائريين على جزائريين آخرين مدة عقد كامل من الزمن.
ولكي تتفادى الجزائر دفع هذا الثمن مجددا قصد التمكن من مصيرها، يجب على كل الجزائريين، مهما اختلفت قناعاتهم وانتماءاتهم ، أن يُبرزوا بوضوح، خيار التشييد السياسي كبديل لطريق الفوضى والعنف.
الآن حان الوقت أكثر، لفضح الممارسات التي يروج لها دُعاة ومستعملو العنف، المناهضون للتسييس و المؤيدون للانحلال الأخلاقي.
لأنهم مستعجلون على استخلاف أولويات المجتمع بأولوياتهم الخاصة أرادوا اغتنام فرصة تواجد بعض الغموض الذي تمت تغُذيته بعناية في الأوساط الإعلامية قصد زرع الفوضى مرة أخرى.
يجب تقديم التوضيحات الضرورية، كلما تطلب ذلك، قصد بناء سياسة وطنية حقيقية، ديمقراطية، شعبية و سلمية.
إن نسيان الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الجزائري منذ عقود، لأَمر خطير
إنه لخطير اعتبار سنوات الرعب والجنون « عثرة مسار بسيطة» يجب أن تُطوى عليها الصفحة بطريقة محتشمة. إن تصديق إمكانية حدوث ذلك لهو إهانة لإنسانية هذا الشعب و فطنته السياسية على حد سواء.
لقد شيدت الأنظمة الطاغية التي تلت الحقب الاستعمارية، في قارة إفريقيا والدول العربية، شرعيات وهمية على قاعدة من فقدان الذاكرة بطريقة مستمرة. ترعرعت عليها أجيال من الزمر المتغطرسة والمستبدة، خوّلت لنفسها حقا يتمثل في فرض منهج رجعي مهين، مُحاك ضد الأمم المحتقرًة.
لا تعني الرجعية فقط التنكر للنضالات الشعبية بالأمس، بل تعني كذلك اليوم أيضا عدم الاعتراف بميزات نضج واتحاد وتضامن وبصيرة الشعوب التي برهنت على جدارتها بها بالأمس.
تصل الأنظمة في نهاية المطاف إلى فقدان كل صلة مع شعوبها، لأنها نسيت وبسرعة، بأن الشعوب لها ذاكرة، و بأن تلك الذاكرة هي التي تُهيكل انخراطها ورفضها.
جميع الشعوب متعطشة للحرية.
جميع الشعوب متعطشة للمساواة، للعدالة والكرامة.
جميع الشعوب تُكافح وتدفع تكلفة فظيعة قبل أن تتكلل جهودها بالنجاح
لقد مضى أكثر من قرن، مذ بدأت مسيرة الجزائريين الطويلة نحو الحرية والكرامة بمفهومها السياسي الحديث.
[ونعني بالمسيرة هنا، تحرك مجتمع ملتزم بصفة عميقة وليس الركض الوجيز وسط المدينة]
إن التشبيب الضروري للنخب، والأشكال الجديدة التي اتخذتها نضالاتها، فضلا عن توسع نطاق مطالبها التي تهز الأعماق القديمة الكلاسيكية لكفاحات أجدادها، لا يجب أن تُستعمل كذريعة وحجة لفصل الأجيال كشرائح منتهية الصلاحية، فالنضال من أجل الاستقلال الوطني والنضال من أجل الديمقراطية غير قابلين للتجزئة. إن الذين ظنوا بأن النضال الأول قد يؤدي إلى تفادي الآخر قد برهنوا على فشلهم الذريع.
وتدخل هذه المسيرة نحو الحرية، التي تمت عرقلتها باستمرار، في سجل نضالات شعوب العالم في سبيل استعادة سيادتها وحقوقها، وهي ليست حبيسة خصوصية دينية ولا رهينة اعتبارات جهوية.
إنها تنطلق من وثبة ديمقراطية من تقرير المصير الجماعي و الفردي.
أولا، في سياق النضال من أجل التحرر الوطني، ثم ضد الأنظمة الاستبدادية والفاسدة.
إن النضالات المناهضة للقوى الاستعمارية أدت إلى موجة تحرر غير مكتملة، فالحرية التي استرجعتها الشعوب بشق الأنفس لم تجد مكانة لها في الدول والمؤسسات الرسمية ولا حتى في النصوصلكي تجعلهم في مأمن من القوى المعادية لازدهار الشعوب والمجتمعات والأفراد.
إن الجانب المسلوب من الديمقراطية، الحرية، السيادة، المواطنة، العدل ، المساواة أمام القانون في سياق بناء دولة قانون حقيقية هو الذي أربك الوضع بعد الاستقلال.
هذه الحصة المصادَرة من الحرية، هي التي تعود دوريا، تُطالب بها أجيال جديدة، للتأكيد بصوت عال وقوي على أنه في ظل غياب حرية الأفراد والشعوب، لا وجود للاستقلال و لا للسيادة الوطنية ولا لتنمية اقتصادية، سياسية واجتماعية.
وهكذا نجد أنفسنا بعد خمسين عاما من إعلان الاستقلال الوطني أمام نفس النقائص: غياب دولة القانون،غياب حياة سياسية، غياب دستور جدير بهذه التسمية، الافتقار إلى مؤسسات ذات شرعية كفيلة بحماية الشعب والوطن على حد سواء من التجاوزات وضمان حقه في العيش في ظل الحرية والكرامة.
وبمجرد أن حقق الشعب الجزائري استقلاله واعترفت السلطة الاستعمارية بذلك، حتى حل مكانه نظام قمعي لم يتردد ولم يتأخر في مصادرة هذا التحرر، فدفن الأحلام الديمقراطية المتمثلة في الحقوق والحرية.
و مع ذلك، لا يمكن أن نضع محن ومعاناة الجزائريات والجزائريين، الذين سُلبت منهم حريتهم التي دفعوا من أجلها ثمنا باهظا، في نفس ال
مستوى مع المحتالين الذين صادروا حقهم في تقرير مصيرهم.
إن الذين صرخوا « سَبع سنين بركات»!في عام 1962 كانوا على حق في التعبير عن سخطهم، عن تذمرهم من المعاناة ومن الدماء، من رفضهم للشقاق ومن خوفهم من حروب الفصائل.
لكنهم قد يكونون مُخطئين سياسيا.
انه من الخطأ الاعتقاد، بأن تتم تسوية الاختلافات السياسية الجوهرية بالعناق.
من الخطأ الاعتقاد، بأن وعود الوحدة والوفاء لمبادئ الثورة التحريرية تستطيع أن تكتفي بالخطابات.
من الخطأ الاعتقاد بأن الدستور هو مجرد إجراء شكلي دون أي تأثير.
من الخطأ أيضا اعتبار استقلال أمة وسيادة شعب ، قابلة للاكتفاء بصفحة دامية سُرعان ما تُطوى.
لكنهم كانوا على حق ألف مرة، عندما أقروا بأن هذا الشعب قد دفع الثمن غاليا من دمه
بعد مرور عدة عقود من الزمن، لا يجب فقط التذكير بأن دم الجزائريين قد تدفق بشكل لا يطاق، لكن من الضروري أيضا التذكير، بأنه على المؤسسات السياسية أن تسهر على أن لا يكون استعمال العنف والقوة هو الخيار الوحيد المتبقي أمام الجزائريين.
وهذا ما يُسمى بالحق في التمتع بالحقوق. إنه مبدأ يعني الجميع.
هنا يجب أن نؤكد على تقارب وجهات النظر بين أولئك الذين اختاروا طريق الإقصاء داخل وخارج المؤسسات.
لا لدولة أصولية و لا لدولة بوليسية
ما كان لمأساة الجزائر أن تكون بتلك الدموية أو بذلك الضياع العميق لو كان خيار الإقصاء والعنف من صنع السلطة وحدها. فقد تبين بأن هنالك تيارات داخل المجتمع قد نشأت حصريا للدفاع عن خيار الإقصاء والعنف.
مهما كانت الشكوك كبيرة حول دور السلطة الفعلية في تلاعبها بتلك التيارات، فهذا لا يقصي ضرورة إدلائها بتوضيحات، لإنجاز نقلة نوعية في صياغة المقدس في السياسة .
الدم الذي سُفك من قبل لم يعد مقدسا لوحده، بل بناء نظام سياسي يجعل مبدأ حقن دماء الجزائريين أمرا مقدسا أيضا، ولن يكون هذا ممكنا إلا في إطار دولة القانون، يبنيها بالتحديد أناس من أجل احترام وفرض احترام حقوق الناس.
إنه من التهور، الاكتفاء بحل المؤسسات والأحزاب والإخراج من أطلالها مؤسسات وأحزاب أخرى جاهزة للاستعمال لتزيين الواجهة الديمقراطية.
من الخطأ خاصة، الاعتقاد بأن الوحدة تكمن في تراجع العمل السياسي لصالح الانصهار والاندماج. فإن الاتحادات المقدسة والإجماعات المزيفة لا تُولّد غير حلول زائفة.
في كل محطة أساسية من تاريخنا، نجد أنفسنا مضطرين للاختيار بين وسائل العمل السياسي والأوهام السياسية. لقد قلنا في كل مرة، لا للأوهام السياسية، مُبرزين وسائل العمل السياسي.
دولة القانون، مؤسسات تستمد قوتها من شرعيتها، جهاز قضائي مستقل، قوى فعالة لترجيح موازين السلطة، حياة سياسية مُعدلة على أساس عقد وطني اجتماعي وسياسي يضمن الحريات الفردية والجماعية بنفس الصفة التي يضمن بها العدالة الاجتماعية.
الحق في الأمن وفي العمل والسكن وفي التربية والتعليم النوعيين، وفي العلاج النوعي، في عدالة نوعية، في بيئة نوعية، في فضاء ثقافي نوعي، كلها مسائل ومحاور تعني كل شرائح الشعب.
ولأنها مسائل تعني الجميع، فإنها تفتح المجال لمصالح متناقضة.
كيف تُسير هذه التناقضات؟
رفعت انتفاضة أكتوبر 1988 هذه المسائل من خلال تدفق الشبيبة إلى الشوارع فتصدت لهم السلطة بعنفها المعهود زارعة الموت ومستعملة التعذيب.
لقد كان من شأن التعديلات السياسية و الاقتصادية التي شُرع فيها من داخل النظام و التي قوبلت بمعارضة عنيفة من داخل وخارج النظام ، لم تتمكن من تفادي اندلاع الحرب.
استغرق الأمر 20 عاما من العنف والتشرد الأمني، السياسي والاقتصادي، لإثبات أن أسبقية الحقوق هي وحدها كفيلة بتسيير تضارب هذه المصالح.
من جهتنا ،نحن نُؤمن، بأن هذه التناقضات تُسير ببناء موازين قوى سياسية، قائمة على التشاور ،المحادثات والتفاوض السلمي و الاحتكام ، غير قابلة للاختزال عن طريق التلاعب،الخداع والعنف.
إننا اليوم بعيدون كل البعد عن ربح معركة البناء الديمقراطي للوطن و الدولة الجزائرية، لكننا نوشك أكثر من كل وقت مضى على رؤية بوادر هذا البناء التي حملتها شرائح كاملة من المجتمع. وقصد استعجال هذا المسار، يجب الإفصاح عن بعض الحقائق.
ليس وحده الخوف الذي يقف أمام استعادة الحق في التمتع بالحقوق.
فكسر جدار الخوف، ليس بالأمر الجديد:
هي المقاومة التي مورست طوال سنين الجمر والدم من طرف الذين نهضوا لإدانة الطغيان والإرهاب على حد سواء.
الجرأة هي الإعلان جهارا في 1992،لا لدولة أصولية و لا لدولة بوليسية كما فعل ذلك مناضلو جبهة القوى الاشتراكية و كل الذين وقفوا معهم . فالشجاعة و البصيرة هي الصمود الذي كان آنذاك أكثر من الوقت الراهن .إن تلاحم الخيارين البوليسي و الأصولي قد تحقق في النظام السياسي الحالي ، مما أدى بهما إلى فقدان المصداقية لدى مجمل المجتمع الجزائري.
كسر جدار الخوف هو:
ما قامت به عائلات المفقودين منذ سنوات بتحديهم للقمع والحظر.
ما فعله المحامون الذين ساندوهم وساعدوهم في إيصال كفاحهم إلى الساحات الوطنية والدولية.
ما قامت به عائلات ضحايا الإرهاب.
ما قام به الشباب عام 2001 في بلاد القبائل.
ما فعله شباب غرداية.
ما فعله شباب الأوراس.
ما فعله شباب وهران وما جاورها.
ما فعله شباب قسنطينة.
ما قامت به نساء حاسي مسعود اللاتي طوردن وأسيئت معاملتهن واللاتي تحدين قانون النسيان.
ما قامت به النقابات المستقلة التي تجرأت على بناء موازين قوى لصالح العمال لعدة سنوات.
ما قامت به بعض الجمعيات وكل أحياء البلاد التي ثارت جراء الإقصاء و الحقرة ..أضف إلى ذلك كتائب الحراقة...
حتى لو لم تتمكن هذه المقاومات من النيل من هذا النظام، فإنها قد ساهمت في تسليط الضوء على عيوبه و عجزه.
من أجل حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.
و مع ذلك، تفتقد هذه المقاومات المناهضة للظلم، للعنف والقهر لقاعدة اجتماعية أكبر.
ينقصها مساعدة ومساندة وسائل إعلام حرة ذات مصداقية.
هذه المقاومات في حاجة لرؤية بعضها البعض و معرفة ما يربطها و ما يُفرقها ؛ و كيف لا تقع في فخ التشتت،الانقسام و المناورات....
رغم ذلك، فمن غير المجدي أن نكذب على أنفسنا بعدم الإدراك بأن جدار الخوف قد استبدل وتفاقم في أقصى أعماق المجتمع بجدار الملل و الاشمئزاز إزاء فساد ورضوخ النخب المزيفة التي فُرضت في ظل الرعب،المافيا المالية ، السياسية، الانتخابات المزورة في ظل الرقابة الصارمة التي فُرضت على وسائل الإعلام.
من المؤكد أن قرب الثورتين التونسية والمصرية منا، سيعطي دفعة للتاريخ.
من المؤكد أن الظرف الدولي في القرن الواحد والعشرين لم يعد يكتفي بدكتاتوريات القرن الماضي المتميزة بالفساد وفقدان الشعبية.
من الأكيد أيضا أن حقبة قد انتهت بمراجعها ووسائل هيمنتها. مرحلة أخرى هي في صدد الظهور حاملة معها فاعلين جدد ،أجيالا جديدة وأساليب جديدة في الكفاح.
أكثر من أي وقت مضى، إن حرية الشعوب في تقرير مصيرها، هي في جدول أعمال الجميع.
و في سبيل إيقافها، نرى نفس المخابر القديمة التي تسببت في مأساة هذا الوطن، تٌشهر حلولا وهمية. حلولا، تتجاهل من جديد تعبئة المجتمع وتنظيمه السلمي.
لقد حدثت مناسبات في التاريخ حيث كانت ورقة اقتراع وحيدة، كافية للتعبير عن تقرير مصير شعب.
إنها الحالة، لوضع حد لحرب من أجل الاستقلال. لكن، لإيقاف حرب الانحلال الاجتماعي وتقرير مصير شعب تلزم تعبئة واسعة لكل شرائح المجتمع داخل جميع الأطر التي هي في متناوله.
انطلاقا من جمعية حي سكني وصولا إلى الحركة النقابية، من جمعية تدافع عن البيئة إلى حركة الطلبة الجامعيين وحركة النساء المناضلات لنيل حقوقهن، وصولا إلى طلبة الثانويات،البطالين، منظمة الكوادر المستقلين، المثقفين،الجامعيين وصولا إلى تنظيم جدي لرجال الأعمال وكل الشركات.
لكي لا يكون نشاط الأحزاب السياسية، رهينة صراع دائم لكسب مواقع داخلية.
لكي لا تكون الحياة السياسية الوطنية مجبرة على السبات ما بين موعدين انتخابيين.
لكي لا يكون مناضلو الأحزاب السياسية رهينة أجهزة تتفاهم فيما بينها قصد التفاوض على امتيازات لا مبرر لها.
و لكي لا تجد البلاد نفسها باستمرار بين خيار طاعون الحرب الأهلية وكوليرا الدكتاتورية السياسية أو الدينية.
يجب أن يكون تقرير مصير الشعب قادرا على الظهور في كل صغيرة و كبيرة في المدينة.
وحتى لا تصبح السياسة عملا منفصلا عن النشاط المدني الحقيقي. ولكي يكون لكل مواطن جزائري حصة ومسؤولية في بناء وحماية وطنه. لا يمكن تلخيص هذه الحصة في مساندة فريق لكرة القدم أو إشهار العلم الوطني على الشرفات.
مع تفعيل ديناميكية نقاش وطني يتناول الانشغالات اليومية للمواطنين.
مع إضاءة من المفكرين الجامعيين والخبراء الملتزمين بمجتمعهم، على أساس الانشغالات والمعاناة التي يعيشها نفس المجتمع.
بفضل قوة قناعة والتزام المواطنين والمناضلين، ومع عودة الثقة بالنفس وبين الأفراد، سنشهد إعادة نسج الرباط الاجتماعي و السياسي.
من أجل انتخاب مجلس تأسيسي.
بعدما تتم مرحلة التعبئة الشعبية والسياسية للجزائريين نستطيع التطرق حينها إلى جميع الأطوار الانتخابية التي ستؤدي إلى إعادة بناء المؤسسات، التي من شأنها تسخير الحقوق، الأمن و ازدهار المواطنين والبلاد في ظل دستور جدير بهذه التسمية، لأنه سيكون متمخضا عن مجلس تأسيسي انتخبه بكل حرية جزائريون أحرار.
الذين سيشاركون في تجسيد هذا المسار، هم الجزائريون الأوائل الذين سيكونون فعلا أحرارا، أما الذين سيرحلون عن الدنيا قبل ذلك فلن تذهب جهودهم وتضحياتهم هباء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.