قبل حوالي مائة سنة، وفي العاصمة الإسبانية مدريد، ازدادت فرانسيسكا غورونيو، أو باكيتا تحببا، كان من الممكن أن تعيش حياة هادئة ومريحة، كيف لها وهي سليلة عائلة مثقفة وغنية، لكن قدرها كان أن تعيش حياة شبيهة بأفلام السينما التشويقية، إنها تعيش الآن في الرباط، المدينة التي تريد أن تغمض فيها عينيها لآخر مرة، تقول الإحصائيات بأن هناك حوالي 800 ألف مغربي يعيشون في إسبانيا، مقابل حوالي 8 آلاف إسباني يعيشون في المغرب، وهو ما يعني أنه من الناحية المبدئية، عدد المغاربة المستعدين للعيش في إسبانيا يفوق بمائة مرة عدد الإسبان الذين يفضلون العيش في المغرب، لكن السيدة غورونيو لا تريد أن تعود إلى مسقط رأسها بإسبانيا، البلد التي نفاها منه الجنرال فرانكو، وهذه هي قصة هذه الجمهورية والعلمانية التي كانت موظفة في بلاط ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن. تقول فرانسيسكا غورونيو، «كانت الحياة جميلة، وكل ما كان يشغلنا هو أين نقضي عطلنا، وعلى الرغم من أن والدتي كانت تعتقد أنني مجنونة لرغبتي في أن اشتغل، إلا أنني أصررت على ذلك، وقدمت طلبا إلى شركة الطيران الإسبانية «إيبيريا»، التي كانت تستعد لإطلاق خط جوي يربط بين مدريد وباريس وتبحث عن شابات يتقن الفرنسية للعمل كمضيفات. كنت أتحدث الفرنسية بطلاقة، لأن والدي أرسلاني قبل ذلك لإتمام دراستي في باريس، وهكذا أصبحت من أولى المضيفات في هذا الخط الجوي، لكن فجأة اشتعلت الحرب الأهلية» فرت غورونيو إلى بلنسية، ثم بعد ذلك إلى برشلونة، وبعد دخول قوات فرانكو إلى برشلونة في 1939 اضطرت للهروب رفقة جمهوريين آخرين، تتعقبهم قنابل الجنرال، لم يكن لديهم سوى وجهة واحدة، فرنسا، لكن الطريق إلى هناك كان صعبا وسقط العديد من الجرحى قبل أن يصلوا إلى معسكر «لو بولو»، حيث تم احتجازهم هناك. في هذا المعسكر كان هناك الآلاف من الإسبان، حيث كان يتم تجميعهم قبل توزيعهم على مراكز أخرى. تتذكر فرانسيسكا، مضيفة، أن الجنود الفرنسيين كانت لديهم أفكار مسبقة عن الهاربين من قوات فرانكو، فقد كانوا بالنسبة إليهم خارجين عن القانون، شيوعيين فوضويين وقتلة، لكن الجنود الفرنسيين سيفاجؤون بأن هؤلاء الهاربين هم في الغالب نساء أطفال وشيوخ ...كانت الحياة قاسية في مركز الاعتقال، لم تكن هناك مراحيض، كما أن العائق اللغوي زاد من جرعة المتاعب. ذات يوم صادفت فرانسيسكا صفا طويلا، وعندما سألت عما يحصل، ستعلم أن هناك إجراءات لمنحهم تصريحا بمغادرة مركز «لوبولو»، هكذا ستعلم فرانسيسكا أن بإمكانها هي وزوجها المغادرة، لكن فقط باتجاه المغرب أو الجزائر، إذا كان لديهما أقارب هناك. كان لزوجها عم يعيش في المغرب، فكتب إليه رسالة يشرح فيها وضعيتهما، وبعد أيام ستصل برقية من زوجته في كلمتين بالفرنسية «عمك مات»، كان ذلك عذرا مقبولا بالنسبة لمسؤولي المعسكر، الذين أخبروا فرانسيسكا أنه تحت هذا العذر بإمكانهما المغادرة لحضور مراسيم الدفن، شرط أن تساعدهم كمترجمة في التواصل بينهم وبين الإسبان. المغرب هو البلد الذي أريد أن أموت فيه، تقول فرانسيسكا، لكن في ذلك الوقت عندما قدمت إلى هنا كان آخر وجهة أفضل التوجه إليها «لقد كان المغرب يمثل بالنسبة لي تراجيديا، فبالقرب من المنزل الذي ترعرعت فيه في مدريد كان هناك المعسكر الذي تغادر منه القوات الإسبانية باتجاه المغرب لمحاربة قوات عبد الكريم الخطابي، وكنت وأنا صغيرة، أرى نساء الحي يجثون على ركبهن ويتوسلن أبناءهن أن لا يذهبوا إلى الحرب، كان من الصعب عدم الانخراط في البكاء معهن، وكان جدي يقول لهن: ليس عبد الكريم هو من يقتل أبناءكم إنها الحكومة الإسبانية، أما عبد الكريم فهو يدافع عن بلده». بعد وصولها إلى المغرب، اشتغلت فرانسيسكا كمربية، ثم بعد ذلك كسكرتيرة في مصنع للفلين، لكن بعد توقيع الهدنة سنة 1940، أصدر الماريشال بيتان قرارا يقضي بأن «مكان المرأة هو البيت، وأن الأجنبيات لا يعملن»، غير أنها لم تمتثل إلى ذلك، واحتالت لتحصل على وظيفة، ثم أخرى، حتى استطاعت عن طريق أحد الأصدقاء، أن تحصل على وظيفة ستغير مجرى حياتها، عندما ستصبح راقنة في القصر الملكي بالرباط. عن ذلك تقول فرانسيسكا: تعرفت على الأمير الحسن عندما كان في الرابعة عشر من عمره، أول عمل كلفت به كان هو كتابة دعوات على الآلة الكتابة لأصدقائه في المعهد، وكان عددهم ثمانية. وتضيف فرانسيسكا، كان محمد الخامس صارما جدا، وخلال العطل يخصص للأمير أستاذا ليواصل الدراسة، كنت أتعاطف مع الأمير، فابني المتسكع كان يستمتع بعطلته، في حين أن هذا الذي سيصبح ذات يوم ملكا يواصل العمل». لم تخل تجربة العمل بالنسبة إلى فرانسيسكا من مواقف سريالية، وتعبر عن ذلك بالقول، إنه في كل تراجيديا جانب كوميدي، مثل الذهاب إلى تطوان لحضور استعراض لقوات فرانكو، وهي الجمهورية حتى النخاع، لكنها سترفض الذهاب إلى مدريد لأنها كانت ضد أن يتم ختم جواز سفرها الجمهوري بالخاتم الفرانكاوي، وهو ما تفهمه الأمير الحسن. بعد الاستقلال كان من الضروري دمج الجيش الشمالي والجنوبي، وكانوا بحاجة إلى شخص يتقن اللغتين الإسبانية والفرنسية لتسهيل عملية الاندماج، وهي مهمة لم تكن تتوقعها فرانسيسكا. ذكرت الأميرالحسن بأنني لاجئة سياسية، وهو أمر كان يعرفه منذ البداية، فأجابني بأن هذا الوضع لا يطرح أدنى مشكلة، لأن العاملين معه ليست لديهم علاقة بفرانكو. انتهت عملية دمج الجيشين ومعها عملها كمترجمة، عندها سيعرض عليها الأمير الحسن العمل كسكرتيرته الخاصة «في القصر كانوا جميعا جواسيس مهما كانت رتبهم، عندما كان الأمير يتحدث مع أحد، كانت هناك خمسين أذنا تسترق السمع، دون أن يدركوا بأن الأمير كان يعلم بأنهم يفعلون ذلك، وكان يقول ما يود أن يسمعونه». بعد عدة سنوات من عملها كسكرتيرة للأمير، تحكي فرانسيسكا، لم تعد الأجواء تروق لها، فتركت هذه الوظيفة لتبحث عن أخرى «كان هناك من يتحدثون بسوء عن الأمير ولكل دوافعه من وراء ذلك، تقول، لكن الأمير كان داما يحسن معاملتي عندما ودعته قال لي «السيدة غورونيو، سيكون هذا دائما بمثابة بيتك، إذا احتجت لأي شيء لا تترددي في المجيء». لم تعد فرانسيسكا إلى القصر إلا مرة واحدة، بعد مرور سنوات عدة، وذلك عندما أراد صاحب الشقة التي أكترتها طردها، بدعوى أنه بحاجة إلى أن يسكن بها أحد أقاربه، وهي حيلة لجأ إليها لإرغامها على الرفع من سومة الكراء. توجه صاحب المنزل إلى المحكمة لاستصدار قرار بطردها، فلم تجد فرانسيسكا مخرجا سوى التوجه إلى القصر، هكذا اتصلت هاتفيا وعرفت عن نفسها وبعد خمس دقائق توصلت بمكالمة من القصر حيث أخبروها أن سيارة ستكون بانتظارها. هكذا بعد سنوات طويلة عادت فرانسيسكا إلى القصر الملكي، الأمير أصبح ملكا للبلاد وفي حضرته ستحكي له مشكلتها، لكن سوء فهم انسل بين الحديث، فبعد انتهاء اللقاء وعندما كانت تتأهب لمغادرة القصر سألها مرافقها عن كم الديون التي عليها، وعندما سألته عن أي ديون يتحدث أخبرها أن الملك أمر بأداء ما عليها من ديون، عندها أوضحت له حقيقة الموضوع وانصرفت، وفي يوم انعقاد جلسة المحكمة لم يحضر صاحب المنزل وهكذا أقفل الموضوع. في هذه الشقة المتواضعة، التي تقع في الطابق الثاني بمنزل لا يتوفر على مصعد، تواصل فرانسيسكا حياتها، لقد عاشت فيها أكثر مما عاشت في بلدها إسبانيا، ومنذ 12 سنة ترافقها المغربية فاطمة التي تتكلف برعاية شؤونها، لقد انفصلت عن زوجها، وعرفت بعده عديدين، اثنان طلبا منها الزواج، الأول فرنسي والثاني روسي، لكنها رفضت، ابنها الوحيد يعيش حاليا في براغ بجمهورية التشيك. مرة واحدة فكرت في العودة إلى إسبانيا، تقول فرانسيسكا، كان ذلك عقب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، «خرجنا نحن اللاجئون في الرباط للاحتفال بالنصر في الشارع، محملين بأعلام الجمهورية، كنا متأكدين أنه لن يمر وقت طويل حتى يسقط فرانكو، بل إنني أنا وزوجي قمنا برحلة وداع عبر ربوع المغرب، لكن فرانكو لم يسقط، بعد ذلك حلت مرحلة الانتقال نحو الديموقراطية لكن أتباع فرانكو كانوا مايزالون هناك... لهذا لم أعد إلى إسبانيا، سأموت دون أن أعرف مدينة أفيلا التي لا تبعد إلا بمائة كيلومتر عن مسقط رأسي» فرانسيسكا، ورغم أنها لا تتوفر سوى على قناتين تلفزيتين ضبطتهما هما «أورونيوز» و«روسيا اليوم» إلا أنها تعلم بكل ما يجري في العالم ، كما أنها تتابع ما ينشر عبر الجرائد، ومن بين ما تعلق عليه من أخبار، قولها «منذ عدة أيام قرأت في جريدتكم أنهم في السالفادور اعتقلوا 49 امرأة بتهمة الإجهاض....أنا معجبة بكون ألمانيا تقودها امرأة ولو أنها من اليمين...حول رحلة الصيد التي قام بها الملك (العاهل الإسباني خوان كارلوس) أعتقد أنه ذهب لاصطياد الفيلة، لأنه لا يوجد حيوان أضخم منه، ومن المؤكد أنه لم يفشل ». أما عن الأمير فيليبي فقد اكتفت بالقول بأنه طويل القامة. وهي في المائة من عمرها، مازالت فرانسيسكا بشوشة، لقد مرت 64 سنة وهي في المغرب، لقد جاءت إلى هنا وهي جمهورية حتى النخاع وما تزال كذلك، تجربة حولتها في أنظار العديدين إلى «باسيوناريا الرباط» عن إيل باييس بتصرف