الجزائر تصطدم بثبات الموقف البرتغالي الداعم للحكم الذاتي بالصحراء المغربية    مجلس النواب يصادق على مشروع قانون تحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة    عامل إقليم الحسيمة يدعو إلى تعبئة شاملة لمواجهة آثار التساقطات المطرية والثلجية    السلطات تواصل عملية إجلاء ساكنة القصر الكبير إلى المناطق الآمنة    الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تطعن في قرارات لجنة انضباط "الكاف"    المغرب يسجل إحداث أكثر من 100 ألف مقاولة جديدة في أول 11 شهرا من 2025    عقب إعادة فتح معبر رفح.. عناق ودموع مع وصول عائدين إلى قطاع غزة    توشيح ملكي يكرّم أطر الأمن الوطني    تفكيك المتفجرات يقرب الرباط ولندن    تداولات "البورصة" تنتهي بالانخفاض    السلطات تتجه إلى إجلاء جميع سكان القصر الكبير خشية "فيضانات مدمرة"    تعليق الدراسة بمؤسسات طنجة–أصيلة يوم الأربعاء بسبب الاضطرابات الجوية    طنجة تتصدر مقاييس الأمطار خلال ال 24 ساعة الماضية    سوس–ماسة.. حقينات السدود تتجاوز 400 مليون متر مكعب بنسبة ملء قدرها 54,1 في المائة    العدوي: المخالفات الإدارية لا تعني جريمة مالية وأقل من 1% تصل للمحاكم الجنائية    مجلس النواب.. لجنة العدل تصادق على مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول    المندوبية السامية للتخطيط تكشف تمركز سوق الشغل في خمس جهات رئيسية    المهاجم المغربي‮ ‬ياسر الزابيري‮ ‬يوقع لنادي‮ ‬رين حتى عام‮ ‬2029    اعتراضات وزارة المالية على "مخالفات إجرائية" تُجمد مناقصة خط أنابيب للغاز    نشرة إنذارية محينة من مستوى أحمر.. أمطار قوية أحيانا رعدية وتساقطات ثلجية وهبات رياح قوية    برنامج حافل لمسرح رياض السلطان لشهر فبراير/رمضان    زمان تعلم العيش المشترك    شهادات ليلة البرق..ورسائل الرعد للغافلين    رفض حقوقي لانضمام المغرب ل"مجلس السلام" وتنديد بمحاولة ترامب تفكيك الأمم المتحدة    ما مصير أوربا في ظل التحولات العالمية الراهنة؟    تفكيك شبكة تتلاعب بأنظمة حجز مواعيد التأشيرات وتبيعها مقابل مبالغ مالية    النيابة الفرنسية تستدعي إيلون ماسك    منظمة الصحة العالمية تعلن عن حاجتها إلى مليار دولار لمكافحة أسوأ أزمات العالم الصحية    التغيرات المناخية بين وفرة المعلومات وغياب المنهج العلمي    الخليل بن أحمد الفراهيدي    "انتقام يناير" الرواية التي انتقم منها عنوانها        إنفانتينو يرفض مقاطعة مونديال 2026 ويدافع عن قراراته: كرة القدم جسر للوحدة لا للكراهية    إكس إيه آي للذكاء الاصطناعي تطلق غروك إيماجن 1.0    لامين يامال: "أريد البقاء في برشلونة مدى الحياة"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الثلاثاء في المغرب    الهلال السعودي يعلن تعاقده مع بنزيما قادما من اتحاد جدة    الرجاء يعلن تعاقده رسميا مع الغيني بالا موسى كونتي    لجنة العدل بالمستشارين تصادق على مشروع قانون المسطرة المدنية    النفط يواصل التراجع لليوم الثاني متأثرا بقوة الدولار    جواد الياميق يعود من جديد إلى الليغا الإسبانية    نتفليكس ستبث حفلة عودة فرقة "بي تي اس" في 190 بلدا    ترامب يدعو إلى "الاعتقال الفور" لأوباما ويتهمه ب"التخابر مع العدو"    أجواء ممطرة وباردة في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب    الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء تصادق على القدرة الاستيعابية التراكمية للمنظومة الكهربائية من مصادر الطاقات المتجددة البالغة 10429 ميغاواط في أفق 2030    إحباط هجمات إرهابية في مدن كبرى بالبرازيل    الصين تسجل تراجعًا بأكثر من 33% في قضايا المخدرات خلال 2025    دراسة علمية تكشف علاقة وضعية النوم بتدهور بصر مرضى الجلوكوما    المخرج عبد الرحمان الخياط في ذمة الله    بلخياط.. الفنان الذي تبع آثار صوته إلى .. آخر سماء    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    «ألفاجينوم»: ذكاء اصطناعي لتحديد العوامل الجينية المسبّبة للأمراض    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الكاتب والزعيم : الروائي «أندري برينك» يحكي عن مساره ويتذكر الرئيس «لنسن منديلا»

ازداد «أندري برينك» سنة 1935 بجنوب إفريقيا وهي قابعة تحت نير نظام الميز العنصري.. ولقد عُرِف عن هذا الكاتب الروائي التزامه الأدبي ضد «الأبارتايد» من خلال عديد من كتاباته، خصوصا في روايته «موسم أبيض وجاف» التي صدرت بالفرنسية عن منشورات «سطوك» مُترجَمة عن لغة شكسبير بقلم «روبير- فوك ديبارك».. وبما أنّ هذا الأستاذ الذي يُدرِّس الأدب الانجليزي والأفريكاني بجامعة «الكاب» (جنوب إفريقيا)، يُكِنُّ إعجابا بلا حدود لشخص «نلسن منديلا» (1918-2013 ) فهو يُعبِّر، اليوم، عن قلقه الشديد إزاء تطور جنوب إفريقيا مُهاجِما حُكامها وقادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذين يعتبرهم، بوجه الإجمال، عديمي الكفاءة ومرتشين..
في مذكراته التي صدرت النسخة الفرنسية منها سنة 2010 عن منشورات «أكت سود» بقلم «برنار تول» تحت عنوان «تشعُّبات»، يحكي «أندري برينك»، بكل ما لديه من يقينيات وشكوك ومناطق الظل، مساره كرجل أبيض (من أصول أفريكانية) في بلد يعتبره مرتعا للعنف..
في لقاء أجرته معه جريدة لوموند بمدينة «الكاب» على هامش حدث وفاة «لنسن منديلا»، يسترجع «أندري برينك» ما يُناهز خمسين سنة من تاريخ جنوب إفريقيا في ارتباطها الحميمي مع الوجه الأسطوري لزعيم نضالها المُتوَفى في الخامس من شهر دجنبر الماضي عن سن ال 95 عاما..
يعترف «أندري برينك» في مُستهَل هذا اللقاء بأنه لم يعلم بوجود «منديلا»، بالفعل، إلاّ ابتداء من سنة 1964، إبّان محاكمة «ريفونا» وذلك بعد أربع سنوات من مجزرة «شاربفيل» التي أثّرت فيه كثيرا.. فلقد أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين ضد جوازات المرور المحلية التي فُرِضت على السود الراغبين في التنقل داخل البلاد وقتَلت 69 شخصا.. إلاّ أن الأثر الحاسم والاستثنائي لشخصية «لنسن منديلا» في الساحة السياسية الجنوب- إفريقية سيكون فوريا بعد ذلك؛ إذ سرعان ما أصبح صيت هذا الأخير كزعيم على ألسنة الكُل ووزنُه على الضمير الوطني عظيما بالنسبة للسُود، طبعا، والبيض أيضا.. لقد أضحى، إلى الأبد، مركز اهتمام الجميع.. وبالرغم من إدانته بالسجن مدى الحياة وحضْر تداول اسمه والاستشهاد بأقواله وتوزيع صوره من طرف النظام لمدة 27 عاما، فلقد كان بالإمكان، لمن يُريد ذلك، التعرّف عليه من خلال التسجيل والنَسْخ اللذين عرفهما نص مُرافعته الاستثنائية من أجل العدل والمُساواة بين السُود والبيض.. وكان بالإمكان الحصول على نُسَخ من نص تلك المرافعة بالأحياء القصديرية التي يقطنها السُود؛ الشيء الذي قام به «أندري برينك» نفسه في 1968 بعد عودته من سفره الثاني بفرنسا حيث هداه وعيُه للشعور بما يحدث في بلده، جنوب إفريقيا، إذ قرر عدم الاكتفاء بمعرفة ما يقع؛ بل اقتنع بمحاولة فعل شيء ما ضد «الأبارتايد».. من هنا انبثقت كتاباته الروائية الأولى، فأصدر في بداية السبعينيات روايته «في أحلك عتمات الليل»... في 1960، لم يكن «أندري» يرغب في العودة إلى جنوب إفريقيا.. فلقد أكسبه مقامه الطويل نسبيا بفرنسا قدرة على رفض فلسفة الحياة التي اكتسبها هناك، لكن ليس بالقدر الكافي الذي يُمَكِنه من بناء فلسفة أخرى.. فهو لم يكن مُستعِدا بعد لمواجهة «المسألة الجنوب- افريقية».. لقد كان يكره «الأفريكانرز» ويخجل من جذوره.. ولقد كتب إذاك في مُذكراته («تشعبات») بهذا الصدد جملة مزعجة استقاها من يومياته ويقول فيها:»لقد كان الانتماء إلى شعب في طريق الزوال صعبٌ؛ أمّا الانتماء إلى شعب يجب أن يزول فهو ضربٌ من الوجود في جهنم..».. إلاّ انه سرعان ما تراجع عن هذا الموقف لأن ذلك ما كان يشعر به آنذاك.. ولقد كان في حاجة إلى مُقام ثابت في فرنسا تزامن هذه المرة مع أحداث 1968 التي شارك فيها بعض الشيء لأنه لم يكن ممكنا البقاء على الحياد.. كان حينها نزيلا عند صديقه «برايْطن برايْطنباخ» (شاعر وكاتب مسرحي وفنان تشكيلي جنوب- إفريقي مزداد بإقليم الكاب سنة 1939) بالحي اللاتيني بالعاصمة الفرنسية وكان يشعُر بأنه معنيٌ بما كان يحدث.. لكنه، في نوع من التناقض، كان يشعر أيضا بأنه غريب في باريس.. فكفاحه كان هناك، بجنوب- إفريقيا، الأرض التي ينتمي إليها؛ لذا أراد العودة حتما ليتحمل مسؤولياته بين أفراد مجتمعه،»الأفريكانر»..
العودة وبدء مسار الكتابة الملتزمة..
بعد عودته إلى مسقط رأسه وبلده الأصلي، شرع «أندري برينك» في رسم أولى خطواته على درب الكتابة الملتزمة ولقد كان «لنسن منديلا» حاضرا منذ لمسات القلم الأولى في نوع من «الحضور- الغياب».. لقد كان «منديلا» حاضرا لأنه كان غائبا؛ فحبسُه كان إحدى غلطات النظام الكبيرة وغيابُه هو الذي زاد من حدّة الشعور بوجوده.. لقد أصبح في قلب الأحداث .. ولو أنه كان حاضرا بالفعل، لرُبّما لم يكن له نفس الثأتير في مُجريات الأمور.. إن غيابه ومنع حتى نقل وذكر أقواله، هما اللذان ساعدا على تحوّله إلى أسطورة.. لكن، بعد إطلاق سراحه، ألحت الضرورة إلى تحويل الأسطورة إلى مقاسها الإنساني.. وأكثر ما في الأمر إثارة للإنتباه هو أنه ظهر في مستوى الحدث؛ بل جاوز ذلك فبدا أكبر من أسطورته نفسها، كأنما أقام فيها وأقامت فيه..
لم يستطع «أندري برينك» الذهاب إلى عين المكان يوم إطلاق سراح «لنسن منديلا»؛ بل اكتفى بمتابعة الحدث عبر شاشة التلفاز لأنه كان في «غرهامستاون»، بعيدا عن الكاب، منهمكا في كتابة آخر صفحات روايته «عمل مرعب»، هذا بالإضافة إلى كونه شخص خجول ولم يكن يريد فرض نفسه؛ بل إنه فكر في أن رفاق «منديلا» في الكفاح، كل أولئك الذين كانوا إلى جانبه أثناء كل هذه السنوات، هم الأجدر بحق تصدّر المشهد.. لقد كانت ل «أندري» رغبة كبرى في ملاقاة الزعيم المُفرج عنه، لكنه في ذلك اليوم كان سيشعر بكونه مخادع محتال.. و مع مرور الزمن تأكد بأنه لم يُخلق للعمل السياسي المادي الملموس وأن كل ما كان في استطاعته فعله هو الكتابة..
اللقاء...
في غضون 1990، أولى سنوات «منديلا» في ظل الحرية، استطاع «أندري برينك» لقاء الزعيم؛ وذلك بفضل القسّ «ألن بيساك»، أحد رفاق الطريق، الذي نظم أول موعد من أجل ذلك في منزله.. كانوا أربعة أو خمسة من المثقفين الأفريكانر وكان «منديلا قد فكر في أهمية الالتقاء بأفراد من الطائفة التي اخترعت «الأبارتايد» وفرضته.. كان الأمر مؤثرا رغم بعض الإحراج الذي كان يشعر به «أندري» والآخرون لأن اللقاء كان منظما بشكل جعلهم يشعرون أنهم يحضرون «مقابلة بابوية»..
التقى الرجلان (أندري برينك ولنسن منديلا) فيما بعد، رأسا لرأس وبقي ذلك ثابتا في ذاكرة «أندري»؛ بل حدث، في لقاء آخر، أن أسرّ «لنسن منديلا» للكاتب:»هناك شيء يجب أن أقوله لك يا «أندري»: لقد تعلمت، عندما كنت في السجن، أن أرى العالم بشكل مُغاير من خلال كتبك..»..
مر اللقاء وكانت لغة التخاطب هي الانجليزية بالطبع.. لكن «منديلا» ? كما يحكي ذلك أندري برينك ? كان يحشر، هنا وهناك، بعض الجمل والعبارات بلغة الأفريكانر التي تعلمها في السجن؛ بل إنه بعث للكاتب بعد ذلك اللقاء، ببعض كتبه التي حرر إهدائها بهذه اللغة..
استخلص «أندري برينك» من لقاءاته مع «منديلا» إعجاب الزعيم بالأفريكانير رغم أنه، قبل اعتقاله، كان يُبدي حذرا من هذه الطائفة التي بدأ يتعرّف عليها في سجن «روبان أيسلاند» حيث كان يساعد الحراس على تذبيج رسائل رسمية ويمنحهم استشارات قانونية.. لقد اكتشف أيضا أنه يوجد حتى لدى هؤلاء «الوحوش» (الأفريكانير) بُعدٌ إنساني.. وفي نفس الموضوع، طيلة سنوات «الأبارتايد»، كتب «أندري برينك» عن إمكانية التقارب بين «البيض الأفريكانير» والسُود، عن ماضيهم المُشترك وذكريات مُختلف معاركهم من أجل الحرية وعن ذاكرتهم المُتشابهة كفلاحين رُحّل ومقاوتهم للشدائد والمحن وخصوصاً عن حبهم الشرس لأرض جنوب إفريقيا و»الأم إفريقيا».. هذا الحب الذي أعرب عنه أيضا، في السنوات العشرين الأخيرة، كثيرٌ من الجنوب- إفريقيون من ذوي الأصول الإنجليزية..
إرث «منديلا»..
تُوفي «لنسن منديلا» وترك وراءه إرثاً كونيا ومثالا يُحتدى به فيما يخص طريقة كفاح ضد الظلم تتجاوز العنف أو العمل العسكري.. لقد أظهر أن الحوار والمفاوضة والتسوية بالتراضي؛ أيْ التواصل بين أعداء الماضي نهج تتجاوز فعّاليتُه كلَّ مواجهة جسدية محضة.. لقد ترك «منديلا» وراءه أخلاقيات وإيتيكا سياسية ستبقى خالدة مدى الوجود؛ لكنه، مع ذلك، ليس مسالما لأنه يبرر اللجوء إلى العنف حينما يكون ضروريا؛ في الحالات القُصوى والأكثر استعجالا.. فهو ليس مثل «المهاتما غاندي»؛ بل انه يلتقي مع «ألبير كامو» الذي قال «إننا لن نستطيع دائما إبعاد إمكانية اللجوء إلى العنف..»..
بعد خروجه من السجن وطيلة المفاوضات الطويلة والمريرة مع النظام المُشرِف على النهاية، نرى وندرك أن «منديلا» لم يكن مسالما.. ويتذكر «أندري برينك» يومَ وقف الزعيم مُصرِّحاً - حينما أتعبته مماطلات «فريدريك دوكليرك» ? بأنه لم يعُد يريد فعل أيّ شيء مع هذا الخائن المتورط في مساندة أعمال العنف المثيرة للقلاقل التي كان يرتكبها «الزولو» المُعادين لحزب المؤتمر الإفريقي... وكانت تلك اللحظة هي الأكثر بلاغة وتأثيرا في رأي «أندري برينك».. ففهِم الكل، بعدها، أنه لا يجب التحذلق والمراوغة مع هذا الرجل ذي الطبع الاستثنائي.. لكن ليست جذوره «الملكية إلى حد ما ولا تربيته الأميرية ولا فلسفة «الكزوسا» ولا مدة اعتقاله هي التي أعطته لوحدها هذا الطابع الاستثنائي؛ بل هناك أيضا نبل الروح النادر لديْه.. فلقد تطهّرت نفس الرجل طيلة سنوات الاعتقال.. تعلّم الكثير وتفكّر مليّا في معاني ومقاصد كفاحه.. سيرتُه الذاتية تشِفُّ عن ذلك وتُظهِر كيف نجح في فرض الاحترام على حراسه وعلى مَن هُم أشد غلظة وبلادة مِن بين مراقبيه..
حصيلة رمزية لمرحلة انتقالية..
ما بين عاميْ 1990، سنة الإفراج عنه و2000، سنة انسحابه من الحياة السياسية، كان «منديلا» يعمل كثيرا مع انه لم يعد شابّا.. وكان هاجسُ ارتكاب أخطاءٍ ما واردا ومحتملا لديه؛ بل لقد لازمه طيلة سنة 1990 التي خصصها لجولة توديع نظرائه من رؤساء الدول الأجانب.. ويذكر «أندري برينك» أن إحدى الكاتبات اللائي كن يرافقنه للمساعدة أثناء هذه الجولة المُنهِكة، أسرّت له بأن الرئيس كان يجمعهن، كل مساء، بغرفة نومه ليسألهن عمّا إذا كان قد ارتكب أخطاء في ذلك اليوم.. كان مُهِمّا بالنسبة له معرفة رأي الناس العاديين.. ولقد آخذه بعض الشباب الراديكاليين على كونه لم يُسقِط على الفور نظام وبنية الامتيازات التي كان يتمتع بها البيض وأنه لم يكن راديكاليا وثوريا بما فيه الكفاية.. لكن هذا ? في نظر «برينك» ? لم يكن خطأ.. فما قام به في ظل الظروف المحيطة به آنذاك، كان قطعا ضروريا ولم يكن للمرحلة الانتقالية أن تمر بوثيرة أسرع.. فلا جنوب إفريقيا كانت قادرة على الاستغناء عن الدعم الدولي ولا المجتمع الدولي كان يريد ثورة.. كما أن مبادرة «لجنة الحقيقة والمصالحة» كانت مرحلة انتقالية هادئة لابدّ منها رغم كل ما أوخذ عليها من نقائص وأخطاء؛ فبدونها كانت الأمور ستفضي إلى كارثة ووضعية لا تُطاق قد تؤدي إلى نهاية البلاد..
لكن، ورغم كل ما ذُكِر، فلقد لوحِظ على»منديلا»، في السنوات الأخيرة، صمتُه إزاء انزلاقات حزب المؤتمر الوطني الإفريقي من تقصير ورشوة ووعود كاذبة؛ هذا بالإضافة إلى ظاهرة الإجرام التي بقيت متفشية.. ويُفسِّر «أندري برينك» ذلك بالشيخوخة التي أدركت الزعيم؛ إذ يؤكد أن المرء يتغيّر مع بلوغ هذا السن ويصبح أكثر تكيُّفا مع الظروف وأقل راديكالية، كما يزداد حكمة وتعقّلا.. تغيّر «منديلا» وأضحى، في النهاية، يقبل العالم الذي يُحيط به كما هو رغم أنه كان يضع الأسئلة حول الحلول الممكنة.. لقد كان يريد تفادي المُغالاة والاختيارات القصوى.. كان يتجنب العف والراديكالية و يعتقد أنه باختزال كل ذلك وبتجنب الصدمة الثورية، سيتِم فتحُ مجالا أرحب للإمكانات الإنسانية.. هذا بالإضافة إلى سنوات السجن وانتمائه الطويل الأمد لحزب أراد أن يعترف له بما أسداه لشخصه حينما تبناه ولم يتوان لحظة عن مساندته.. كل هذا شوّه رؤيته ولم يكن في إمكانه، وهو في سن 90، أن يؤاخذ على حزبه (المؤتمر الوطني الإفريقي) كلَّ اختياراته الخاطئة.. إلاّ أنه، في السنوات الأخيرة، كانت لديه خيبة أمل وكان حزينا جرّاء ما يحدث داخل الحزب؛ كما أسرّت بذلك إحدى قريبات «منديلا» للكاتب «أندري برينك».. كان يظن أنه لم يعد من شأنه فرض التغيير والتصحيح الضروريين.. وكل ما وقع من ضرر داخل البلاد في السنين الأخيرة، يقول «أندري برينك»، حدَث بالرغم من مجهودات «منديلا» وليس بسببه.. فلو أنه تقلد المسؤولية عشر سنوات من قبل، لَكان كل شيء مختلفا.. لا يمكننا ? يُضيف «برينك» مُختتما ? مؤاخذة «لنسن منديلا» على ما تم إفساده وفشله؛ فكل هذا الذي حدث، كان ضد إرادة الرجل.. ?
فلسطين والهُلكوست: مقتطف
من مذكرات أندري برينك..
[ قام الكاتب «أندري برينك»، في سنة 2000، بزيارة لجامعة «بير زيت» الفلسطينية وسجّل في يومياته «تشعُّبات»ملاحظاته على الأرض مُعبرا عن موقفه من قضية فلسطين.. فيما يلي مقتطف نشرته «لوموند دبلوماتيك» (مارس 2010) على صفحة نسختها الإلكترونية تحت عنوان «أندري برينك: فلسطين و الهلوكست»حيث لاقى ردودا وتعليقات تتباين فحواها ما بين مؤيدين ومعترضين ..]
» لقد قرأت كثيرا، بسالزبورغ وأماكن أخرى، حول الصراع في الشرق الأوسط وتمَّت بيني وبين كُتاب فلسطينيين مُحاورات شغوفة وشيِّقة.. ولازلت أتذكر مناقشاتي مع «حنان ميخائيل عشراوي حينما جاءت إلى مدينة «الكاب»(جنوب إفريقيا) وأتذكر أيضا أنني حضيت بعِدّة فرص لمُلاقاة «ادوارد سعيد» واستفدت من حكمته الكبيرة وانسانيته الهادئة.. لكن دخولي إلى الواقع المرعب لهذا المكان المأساوي لهذه الأرض ولهذا الشعب، آلمني أكثر ما لم تؤلمني تجارب أخرى في حياتي.. فلقد اعتقدت بأنني أكتشف وجه «الأبارتايد» القبيح من جديد: الطريقة التي يتم بها إخضاع الفلسطينيين إلى أشرس أنواع القمع على هذه البسيطة ومن بينهم أناس لم ألتق قط بأحسن منهم؛ وكذلك نسيج النفاق والأكاذيب الذي تحاول من خلاله إسرائيل تشويه الحقيقة.. ولقد كنت شاهدا على واقعة صادمة بشكل خاص حين دكّت جرافات الجيش الإسرائيلي كوخ مُسِن فلسطيني لأنه تجرّا على إقامة صهريج على سطح بيته المتهالك للالتقاط قطرات المطر...
رأيت الشبكة الحديثة للطرق السيارة التي أنشأتها إسرائيل؛ ورأيت أيضا تلك الطرق الضيقة والبئيسة التي تخص الفلسطينيين..
رأيت أشجار الزيتون يقتلعها الإسرائيليون، وهي مصدر التعيُّش الوحيد بالنسبة للفلاحين الفلسطينيين..
رأيت تكاثر مستوطنات جديدة في قلب الأراضي الفلسطينية، مُثَبَّتة هناك ضدّاً على كل الاتفاقات المُوَقّعة؛ والمُراد منها بكل بساطة تعزيز وتقوية حضورِ وسلطة الإسرائيليين على أرض لا تخصُّهم..
لقد رأيت هذا سابقا.. رأيته في زمن قمع السُّود من طرف البيض بجنوب إفريقيا؛ وسمعتُ نفس الأعذار والتعليلات..
حينما أفكِّر في ذلك اليوم، لا أستطيع أن أستبعد من ذهني ذكرى أطلال «داشو» و»أوسويتش» المُرعِبة:و إذا كانت إسرائيل لم تندفع قط في أعمال إبادة من عِيّار «الهلكوست»، فإن التطهير العرقي الذي تمارسه على الفلسطينيين يُعادل، أخلاقيا، نسخة ثانية بطيئة السرعة ومُصغّرة لمخيمات الموت.. عسيرٌ عليّ أن أفهم كيف يستطيع شعب تخلّص بصعوبة من ويْلات الهلكوست، أن يُلحِق بالآخرين ما مورِس عليه.. «... ( أندري برينك)
(عن جريدة «لوموند»)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.