مسؤولون يتدارسون بمراكش السبل الكفيلة لتفعيل مضامين البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027    بتعليمات ملكية.. قروض خاصة بالمقاولات في العالم القروي    الموقف المغربي الرسمي من “صفقة القرن”    صفقة القرن في سطور    ماذا تقول مديرية الأرصاد الجوية الوطنية عن طقس الغد الخميس..!    البحرية الملكية توقف 210 مرشحين للهجرة غير الشرعية في عرض المتوسط    المنتخب المصري يسحق نظيره الغيني بتسعة أهداف    الكشف عن سبب فشل صفقة انتقال الكعبي إلى الإتحاد السعودي    رسميا.. جواد الياميق ينتقل للدوري الاسباني    حميد أحداد يعود لإستئناف تداريبه رفقة الرجاء قبل أيام من مباراة "فيتا كلوب" الكونغولي    إدريس جطو يدق ناقوس الخطر محذرا من مغبه الفشل في تدبير المالية العمومية    بأغلبية كبيرة.. البرلمان الأوروبي يصوت بالأغلبية على خروج بريطانيا من الاتحاد    طنجة.. اعتقال شخص بتهمة تزوير وثائق طلبات التأشيرة    "الصحة": لا وجود لأي إصابة بفيروس كورونا بالمملكة    الملك يصدر عفوا استثنائيا على عشرات السجناء الأفارقة القابعين بسجون المغرب    الريفي أمرابط: سعيد بالتواجد مع النصر وهدفي حصد المزيد من الألقاب    طنجة..توقيف حارس في الميناء وفي حوزته كمية من مخدر الشيرا    سليمان الريسوني يكتب:هل إمارة المؤمنين إسلام سياسي؟    إجراءات وقائية بميناء ومطار الناظور لرصد واحتواء الحالات المحتملة لفريق كورونا    توقيف عون سلطة بالحي المحمدي بتهمة الابتزاز    الأساتذة المتعاقدين ينظمون مسيرة احتجاجية في البيضاء    أحمد أبو الغيط: « صفقة القرن » تعكس رؤية أميركية غير ملزمة    حركة المسافرين بمطار فاس سايس تحافظ على مسارها التصاعدي في 2019    مباحثات أمنية تجمع عبد اللطيف الحموشي بنظيره الموريتاني    إحالة دومو الرئيس الأسبق لجهة مراكش على جرائم الأموال بتهم ثقيلة !    “حواس الليل” جديد حريري    طلاب مغاربة يدينون “التواطؤ العربي” مع “صفقة القرن” ويطالبون البرلمان بتسريع إخراج قانون تجريم التطبيع    آلاف “أساتذة التعاقد” يتظاهرون في مسيرة وطنية بالدار البيضاء (صور)    تقرير يكشف غياب مراقبة بقايا المبيدات في الفواكه والخضروات الموجهة للسوق المحلية على عكس المنتجات المعدة للتصدير    “صفقة القرن”: يوم غضب بفلسطين ولبنان وتركيا.. وحماس: لن تمر الصفقة (صور) 4 دولة عربية رحبت بالصفقة    المغرب يضعُ العائدين من "ووهان" في الحجر الصحي ل 20 يوماً    توقيع اتفاقية شراكة بين مديرية التعليم وجمعية شباب الجنوب لكرة القدم    فيروس كورونا يصل إلى أول بلد عربي !    الإبراهيمي: معجبات يتحرشن بزوجي    مريم حسين “بطلة” جدل جديد    اعتقال مغربي باسبانيا بتهمة الاشادة بالارهاب    نورالدين أمرابط يكشف موقفه من الرحيل عن النصر السعودي    تألق أولمبيك خريبكة للسباحة ببطولة المغرب الشتوية    الجواهري: ديون الأبناك المتعثرة تضاعفت خلال 10 سنوات.. والقضاء لا يحل المشكل    العدل والإحسان: ترامب أعلن عدوانا جديدا على فلسطين وعلى العرب توحيد الجهود    تضارب في الآراء حول حذف لمجرد وعمور متابعة بعضهما البعض على”انستغرام”    الإمارات تعلن تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا    الحكم بحبس الممثل المصري أحمد الفيشاوي عاما لم يحضر الجلسة ولا محاميه    غرف تبريد متطورة في مطعم الميناء    مراكش تحطم الأرقام    جطو يدعو إلى تجميع “الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة و “صورياد دوزيم” ضمن قطب عمومي موحد بشكل مستعجل    النيابة العامة تتعقب احتيال “حرب الطرق” بخريبكة    ارتفاع حصيلة ضحايا كورونا بالصين.. 132 وفاة و5974 إصابة مؤكدة خرج 103 من المستشفيات بعد تعافيهم    علاقة ما بعد السرد مع نظرية الرواية ليندا هتشيون    اجتماع المجلس الإداري لمؤسسة مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط    لONSSA تطلق حملة وقائية لتلقيح مختلف أنواع القطيع ضد الأمراض الحيوانية    برنامج الدورة 15 من البطولة الاحترافية الأولى لكرة القدم    اشراق    تفصلنا 3 أشهر عن رمضان.. وزارة الأوقاف تعلن عن فاتح جمادى الثانية    الاثنين.. أول أيام جمادى الأولى    معرفة المجتمع بالسلطة .. هواجس الخوف وانسلات الثقة    وقائع تاريخية تربط استقرار الحكم بالولاء القبلي والكفاءة السياسية    من المرابطين إلى المرينيين .. أحقية الإمارة والتنافس على العرش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من ساعة الصفر إلى ساعة الموت : قراءة في رواية «ساعة الصفر» للكاتب عبد المجيد سباطة
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 16 - 11 - 2018

تدفعنا رواية «ساعة الصفر» للكاتب عبد المجيد سباطة، الفائزة بجائزة المغرب للكتاب 2018، (صنف السرديات )ونحن نقرأ أحداثها ونغرق في تفاصيلها، ونلتف حول أماكنها المتعددة ومشاهدها المتتالية، تدفعنا إلى طرح الكثير من الأسئلة، نحاول من خلالها ، الوصول ليس إلى ماهية الرواية، ومعاني ودلالات ما يكتبه، ولا حتى لمن يكتب، أو الأسباب والخلفيات التي تؤطر عمله السردي هذا، بل نتوخى من خلال أسئلتنا معرفة كيف كتب الكاتب هذا العمل السردي الغارق في التفاصيل، إلى حد شحذ آليات وأجهزة قراءتنا له، حرصا على عدم التيه في مجاري اللامتناهي في النص، من حيث الأحداث والوقائع والشخصيات و.. وما أكثر المسالك اللامتناهية في ساعة الصفر .
إن سؤال الكيف، كيف يكتب عبد المجيد سباطة ، طبعا سؤال لن يبعدنا عن التفاصيل والأبعاد المضمونية، التي يكتب عنها الكاتب باقتدار، بقدر ما سيقربنا إلى عوالم المتعة والجمال، وما النص الروائي إلا عمل نتوخى من خلاله المتعة، مع الكثير من الدهشة والانبهار.
إن قراءة وتأويل عمل عميق ودقيق ك»ساعة الصفر»، يحتم علينا التسلح بأسئلتنا المتنوعة المختلفة التي تروم تفكيك الاطر المرجعية للنص، ومساءلة معانيه الدالة، والوصول إلى مساءلة المقول فيه. وعندما نقول : المقول فيه: فإننا نقصد به مالم يقله الكاتب عبد المجيد سباطة، فما لم يقله هو ، هو ذاته التي تحاول قوله هذه الورقة .
لكن الذي يدفعنا إلى ذلك أكثر ومن أي شيء آخر، هو عتبته الأولى عنوانه: «ساعة الصفر». فالعنوان ينطوي على كثير من الدلالات التي تستحق أيضا قليلا من التأمل والتحليل، لمدارستها وتحليلها في أفق تحليل وتأويل بنية المنجز ككل. ولايهمنا أيضا البعد الفني لبنية العنوان، فالعنوان له أبعاده الجمالية والفنية من حيث هو أداة لإثارة مشاعر الدهشة الفنية لدى متلق، يبدأ قراءته للمنجز من خلال سؤال: ما ساعة الصفر؟ ولم ساعة الصفر؟ ويكيف تكون ساعة الصفر؟
للعنوان إذن انفتاحه الدلالي من خلال أسئلته اللامتناهية. وله أيضا ملمحه الجمالي من حيث متعة السؤال في حد ذاته. فأن نسأل عن: لماذا ساعة الصفر؟ سنكون أمام عمل ممتع من جهة جمالية السؤال؟ لكن في نفس الوقت أمام عمل شاق من حيث: مشقة الكشف عن الأبعاد الفلسفية لساعة الصفر وحضورها ضمن متن الرواية كعنوان مركزي لها؟
إذن من الناحية الفلسفية، ليس عاديا أن نكون في زمن الصفر، وكيف نكون في زمن المحو ؟ زمن حيث يتوقف الزمن، فلا يصير زمنا محسوسا ولا مرئيا؟ كيف نتمثل الماهية الزمنية لساعة الصفر؟ ومتى يكون الزمن صفرا؟
هذه الأسئلة الفلسفية، تتيح لنا أن نكون فعلا في خضم المنجز الذي يحكي عن ساعة الصفر لكن كلحظة فارقة في وجود الانسان : إنه الوجود في العدم، أو بالأحرى الوجود في الموت، فساعة الصفر إذن هي ساعة الموت .
يكتب الأستاذ الشاب عبد المجيد سباطة عن الموت بتفلسف كبير، فيلتف حول تيمة الموت ليصيّرها أحداثا ووقائع، ويلبسها حالات إنسانية ومشاهد واقعية مستمدة من التاريخ الانساني القريب تاريخ الحرب، تاريخ الموت لسبب أو بدونه،نقول هذا ونحن على وشك اليقين أن ساعة الصفر في الرواية، هي ساعة القتل، والساعة هي الإشارة المباشرة للحظته، لفعله، لحدوثه في الواقع.
إن ساعة الصفر في الرواية تتحول لساعات الموت المخيّم على النص كلّه.. وتعدد الساعات يفسر تعدد المشاهد وتعاقبها بالرواية، كما يعكس أيضا تعدد الساحات، ساحات القنص بساراييفو التي برع الكاتب في توصيف مشاهد القتل بها، وما ترتب عن ذلك من دمار ومن قسوة، تخرج الذئب من الحيز الآخر للإنسان، الذي مهما بالغ في الحرص على إبقائه خاملا في عمقه، فهو يخرج ليعيد قتل الضحية من جديد في شوارع وساحات مدينة كساراييفو،التي عاشت المآسي اليومية إبان حربها الأهلية، ينجح الكاتب في سرد حكايات نساء وأطفال يموتون صدفة أو رجال يجدون أقدامهم تغرس في تربة ندية بدم من سبقوهم في رحلة الموت والعذاب.
ينجح الكاتب سباطة في تحديد معالم الموت وخرائطه الملتوية، فهو هنا في الأزقة بين وهران وساراييفو عنابة، أو تحت نهر أبي رقراق حيث تغرق السيارة ويغرق من فيها، هذا التعدد المكاني يتحول إلى قيمة مهيمنة تجعل القارئ يخرج من ساعة صفر لساعات موت أبدي عنوانها فظاعة الانسان ووحشيته.
إن الرواية مشروع التأويل، تنهض بأحداثها وتسلسل وقائعها وتعدد شخصياتها وحبكتها اللامتناهية، على حدث استنطاق الصفر تمديد حركيته، في صمته، في لا زمنيته. لهذا نجد أن تيمة الموت تستحوذ على جل عناوين الرواية بطريقة صريحة أو بأخرى ضمنية : أوراق – ذكريات- دماء.
الحقيبة أو التابوت – تيه- صمت الليل – المياه كلها بلون الغرق- تحت أنقاض الموت- مقابر التيه – ضربة فأس – خصص الكاتب للجزء الثالث عنوان موت لدغة عقرب- ذئاب ودماء- اللاعودة- مابعد النهاية.
نلاحظ إذن أن كل عناوين الرواية تقريبا تتحدد في تيمة الموت المنبثقة من ساعة الصفر علما بأن الموت يتوارى أيضا خلف عناوين مموهة تحكي أحداثها عن الموت القبيح.. posta التي خصصها الكاتب للحديث عن مشاهد اقتناص الضحايا من شرفات مدينة تعيش على إيقاع الموت على الهوية، ففي الطريق إلى المقبرة يحصل الموت، يسير جنبا إلى جنب مع مشيّعي الطفلين الذين قتلا حديثا، يقول الكاتب: « قد يكون شابا قتلت رصاصة واحدة كلّ أحلامه ومستقبله، أو سيدة ذهبت قبل أن تطمئن على مستقبل أبنائها أو حتى رضيعا لم يتعلم النطق بعد، ولا يعرف من هو راتكوملاديتش « ص 61
في posta مشاهد الألم والعذاب الانساني، مشاهد الغياب القهري، والقتل المجاني… يصور الكاتب بدقة مؤلمة وبأسلوب دامع، كيف تسقط قذيفةٌ صربية على جموع المشيعين لجثامين أطفال، قتلوا عن طريق القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد، فيتحول المشهد إلى عجين إنساني، يجمع أشلاء من ماتوا من قبل، ومن ماتوا أثناء، وفي خضم الموت المتعاود، يحكي سباطة بأسلوب منفعل تظهر على سماته ملامح الحزن وتجثم على تراكيبه آثار النحيب، يكتب لتتحول الدلالة الثاوية خلف العبارة إلى عبارة رثاء مطلق، عبارة تستفز الضمير الانساني وتعيد ترتيب الأشياء من زاوية طبيعتها التاريخية والحضارية .
في الرواية يقوم الكاتب عبد المجيد سباط بعمل مضن، وبرؤية إنسانية يعيد الأشياء إلى نصابها إذ يحكي عن المقاومة الجزائرية للاستعمار الفرنسي لا كفعل يتحول على لسان الأم المهاجرة إلى موت ينطلق من فوهات البنادق ، بل هو موت إنساني يعيد التاريخ إلى مساره الحقيقي.
قراءة تيمة الموت عند سباطة قراءة ممتعة بالرغم من الطابع السوداوي للموت، فالكاتب يُمتع ويُقنع عند سبر أغوار بشاعة الموت، لأنه موت فظيع لكن أسلوب الرصد والتدقيق يجعلنا أمام أدب جدير بالقراءة لأنه يحقق مقومات الأدبية، التي كتب عنها تودوروف وخصها بتآلف العناصر المكونة للعمل السردي.. هنا نجد اكتمال الفعل الأدبي من خلال المعايشة الانسانية الجمالية لمشاهد الموت .
أريد أن أشير هنا إلى أن الموت، ومن خلال هذا الهذيان اللذيذ الذي يكتب به الكاتب، والذي يوحد القارئ بمقروئه ويجعله يتحسس فعل الموت الذي لا يكون دائما على مستوى خارج الذات، هو كذلك إحساس داخلي يعيشه الكاتب ويشعر به، لكن ليس كما نشعر به نحن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.