مجلس حكومي الخميس المقبل وهذا جدول أعماله    تزامنا مع استمرار جائحة كورونا.. أخنوش: هكذا نستعد لعيد الأضحى    مفاحأة.. الإعلان عن إنتاج سيارة “كونغو” بسعر منخفض بالمغرب    سعد الجبري: الأكاديمي الذي طارد القاعدة وتحوّل إلى مطارد    هدد المواطنين و الشرطة .. أمن فاس يشهر السلاح لتوقيف سكّير!    أرباب المقاهي و المطاعم يرفضون استئناف العمل و يطالبون بعقد لقاء مع لجنة اليقظة    طقس حار و رياح قوية .. المناطق المعنية بالنشرة الجوية الخاصة من المستوى البرتقالي    رفيق بوبكر يتراجع عن تصريحاته المسيئة للاسلام ويعتذر للمغاربة    كورونا والخطاب: مقدمات ويوميات لعالم الاجتماع أحمد شراك    الأندية تصوت على الاحتكاك في التداريب الجماعية    تقديرات متفاوتة ومخاوف كبيرة بعد إصابة بالغة لإبراهيموفيتش    خصم الرجاء يستعد لإنشاء ملعبه الخاص    أوغلو: الاتحاد مع إفريقيا ضروري الآن أكثر من أي وقت مضى    إدارة الجمارك: رصد رسوم ومكوس بحوالي 430 مليون درهم سنة 2019    طاكسيات الرباط تطلب زيادة التعرفة لاستئناف العمل    مندوبية السجون تعتذر للمحامين عن تفتيشهم في المؤسسات السجنية    توقيف "حفار القبور" بمليلية يشتبه في اعتدائه جنسيا على مغربية عالقة    جائحة كورونا: السعودية تقرر تعديل أوقات التجول والسماح بإقامة صلاة الجماعة بالمساجد    الصحافي "مراكشي" ينهي عقوبة حبسية في الجزائر    المندوبية تكشف عن حصيلة الإصابات بفيروس كورونا بالسجون    الوكيل العام باستئنافية البيضاء: وضع سليمان الريسوني رهن الاعتقال الاحتياطي ل "متابعة إجراءات التحقيق"    مراكش .. تحريك المتابعة القضائية في حق 9943 شخصا خرقوا حالة الطوارئ الصحية    محاكمة 6001 معتقلا عن بُعد والبت في 2291 قضية خلال خمسة أيام    عمل فني جديد يجمع تامر حسني والشاب الخالد والجريني (فيديو)    وزارة "أمزازي" تستأنف بث حصص "التعليم عن بعد" عبر القنوات التلفزية    في ظرف 16 ساعة..المغرب يسجل 67 حالة شفاء من كورونا مقابل 24 إصابة    معزي قادم من البيضاء ينقل العدوى.. التهور يرفع حصيلة كورنا بإقليم الجديدة        هل يلغي الكاف مسابقتي دوري الأبطال وكأس الكونفيدرالية؟    حوار شعري مغربي – مصري في فقرة «مؤانسات شعرية تفاعلية»    الاقتباس العلمي بين التناسق الفكري والمقاصد عند الغزالي    الغرب والقرآن 27:في نقد القراءات الإلهية المجازة    كتاب “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور : 27- الدعوة للحفاظ على العقل من طرف الفقهاء دعوة نظرية    المندوبية العامة لإدارة السجون: التعامل مع المحاميات والمحامين سيتم وفقا لما كان عليه الحال قبل الجائحة    قوة الاتحاد الاشتراكي    فرنسا وألمانيا تدعوان لفتح سريع للحدود الأوروبية    تسريع إجراءات التخلي عن "قيود كورونا" بإسبانيا    الضغوط النفسية والاجتماعية وراء انتحار رب أسرة بأكادير    تعرف على أفضل 10 مدربين في تاريخ دوري أبطال أوروبا    وجدة تخلو من وباء "كورونا" بعد شفاء آخر حالة مصابة بالفيروس    منظمة الصحة العالمية تحذر من "ذروة ثانية فورية" ل "كوفيد-19"    رئيس النقابة المغربية لمهن الفنون الدرامية يطالب بدعم الفنانين في زمن كورونا    الممثلة المصرية زينة تعتذر مجددا للمغاربة    ارتفاع نسبة الشفاء من وباء "كورونا" في المغرب إلى 64 بالمئة مقابل استقرار نسبة الفتك في 2.6 بالمئة    بسمة بوسيل تهنئ زوجها تامر حسني بعد حفلة العيد    مفاجأة.. أرباب المقاهي يرفضون إستئناف العمل إلا بهذا الشرط    الحصيلة الصباحية: تسجيل 67 حالة شفاء جديدة بالمغرب    بنك المغرب يضخ 14 مليار درهم لدعم المقاولات الصغرى    حقوقيون يطالبون بالتدخل العاجل لحماية المهاجرين من دول جنوب الصحراء من أخطار “كورونا”    أقصبي: كورونا فرصة لمباشرة الإصلاحات "الضرورية والشجاعة"    "التجاري" يتواصل مع الزبناء عبر الذكاء الاصطناعي    نعوم شومسكي: أمريكا تتجه إلى الهاوية في عالم ما بعد "كورونا"    مظاهرات متفرقة لدعم الحراك يومي العيد بالجزائر    وزير الخارجية القطري .. اتفاق الصخيرات هو السبيل الوحيد لانتقال سلس للسلطة في ليبيا    بوليف يهاجم لحليمي: تقريركم الأخير غير واقعي نهائيا    من أسماء الشوارع إلى شطحات المحامي...تجاوزات تقول كل شيء    الغرب والقرآن 26- القراءات السبع المختلفة    ابن الضاوية: رحمة الله تُظلل العصاة .. تُيسّر الأوْبة وتمحو الحَوْبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الهجهوج بين الحليب والدم
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 16 - 08 - 2019

حين يطفئ الورد أنواره، ألوذ بهذا الشيء المكسور الجناح الذي يرسم ظلاله بين سهمي ووترك.. وفي البعيد، في أغانٍ خرجت للتو من عرق الغابات، امرأة مختلفة تمضي شاهرة خرومها التي تفور بالأرواح المجوفة، والأنفاس المتقطعة القوية، تُعلِّق أمعاءها على كل شجرة تمر بها. هل كنتِ هذه المرأة؟
من وجعها المنقوع في هدهدة أوتار «المعلم» غينيا البيضاء، تخرج خرائطٌ وأسفارٌ أعرف منعرجاتها وحدي.. ومن عينيها المجوسيتين تتصاعد وجوه أسياد الجن الذين يحثون الخطى إلى لياليهم المتوهجة بالبخور والصلبان. ينهشون لحم الأشجار النيِّء، ويجبرون الضواري على الانتفاخ في ذلك العزف الجماعي المقطب القلب والحاجبين.
هل تعتقدين أنها امرأة ساكنة، لا تأبه للذبائح التي ترمى عن عمد في حوض أنوثتها؟ ألم تفطني إلى آلاف الأذرع التي تغادر صدرها اللاهج بما لا أستطيع تمييزه بوضوح، لتُقلِّب أوراق انتمائها إلى الأرواح الأقصى؟
في ذلك المكان، كنا- أنا وأنت- نشاهدها وهي تذرع شهوتها جيئة وذهابا، تتأرجح إلى الأمام والخلف على أريكة لا نعرف من أقامها في «السقالة البرتغالية» الطافحة بالهسيس الليلي السائل. تغلق عينيها وتحك جبينها كأنها تريد أن تطير. ألم تكن تفعل ذلك حقا؟
تقول إنها لم تلتق في هذا المكان بأسلافك الغامضين فقط، بل سمعت ضحكة المياه الأولى التي ارتمى فيها الوثنيون الأولون لتبطئ الأرض دورتها قليلا. نزعوا جلودهم ونشروها فوق صخور الأطلسي لتجفَّ وتشفَّ. تركوها هناك سبع ليال، وحين سكنت رياحهم ولانت قلوبهم، عمَّدوها بسبع موجات، وأخذوها معهم إلى مغارة «بيزمون» لتأنس إلى ظلال متورمة النذور. أراهن على أنك تكتظين بتلك الظلال، أراها في ذلك الارتعاش الخفيف الذي تحاولين إخفاءه على نحو غير مريح عن المحيطين بك.. أراها في القفص اللامرئي الذي يحيط بك وأنت تُخرسين دماءك الهادرة المعبأة بالموسيقى.. أراها في اهتزازك الزاعق الذي يتسع ويتمدد في الأرض حولك.. أراها في ذلك «الهجهوج» الذي التوت أوتاره على عنق صاحبه حتى كادت تخنقه وترديه. ألم يجث أمامك ويضبط عزفه على لون عينيك بانزعاج جلي؟ ألم تزدد حرارته وأنت تأخذين نفسا عميقا وترقصين أعلى قليلا من السجاد؟
في تلك الليلة، اختفت تلك المرأة، كأنها تبخرت أو اصطادها ميمون مخفي. ترقرق من جوفك سعال حاد، فأدركت أن اختفاءها أيقظ مخاوفك البعيدة.. أخبريني ماذا رأيت في تلك المغارة؟ هل لذت بالفرار، أم تمرغت في تجاويف تلك الجحور، طلبا للأمان؟
خلف ذلك الحجاب الصخري الذي يجهله البشريون، انكفأت تلك الجلود المتكلمة بتحنان على جذوع الصنوبر المجوفة.. وأتيت أنت بإزار من الضباب الكثيف. وعلى مقربة من نيران أوقدتها «عويشة» بضربة من حافرها، مددتِ أمعاء قرابين الليل، واستغرقت في رتق ذلك المجهول السحري الذي ما إن تمسه حتى ينتفض في جوفه أسياد العزف: الهجهوج المقمط بمارج نار لا يشغل بالها إلا المزيد من الاتقاد.
لم أقل لك إنهم اختاروها لتكون «حارسة النار»، وأنهم أودعوها سرهم حتى لا تخون. ظلت تخدمهم بأشفارها، وظلوا يخدمونها بفورانهم الفائق. ظلت تشعل النار في جرحها كل ليلة، وظلوا يذودون عن الهجهوج بالاكفهرار الماحق..
لم أقل لك إنها اختارتني لأعزف «البامبارا» و»النقشة» و»فتوح الرحبة». عرَّتني تماما. أدخلتي وأخرجتني، كأنها ولدتني. صبت على رأسي دلوا من الحليب الفاتر، وغمرتني في ثوب بسبعة ألوان حارة. كانت تنشد أذكارا بلغة لا أفهمها، ولا تلقي بالا إلى الحمى التي كانت تحتسيني بإفراط.. قالت إنها تشرق حينئذ في أماني الملوك، وأوصتني بالصياح: «التسليم لرجال الله، التسليم ليكم، التسليم، التسليم..».
قبل أن أعتنق «الهجهوج» وأتحول إلى عازف، طلب مني أن أناوله جرعة حليب وقطرة دم.. لأجعلك أنت بالذات تتلوين بانتشاء على أكتاف الأرض. «إذا أردت أن ترى أنفاسها الحارة تلتصق بتربة صدرك.. تَقرَّب من أسراري بالذبح!».. ولم أذبح سوى قلبي، ذلك الطير الغريب الذي يرتجف مع الرياح بين مخالب الوحشة والحنين إليك.
ورأيتك تضيئين بالأمل والشوق، مغمورة بالبخور.. وأنا أعزف «كغصن مكسور بعاصفة الحب»، أجُرُّك إلى «ميرا»، فتهربين إلى «رجال الغابة»، وأضرب على الجلد والأوتار باحثا عن منفذ لتضليل «حمو العاشق» الذي يراودك عن ارتجافك.. أكسر الإيقاع، فيتبعثر صوتك وتفوح عيناك برائحة الحزن، فأرى ذلك المأزق المظلم اللذيذ الذي ينتظرنا معا..
أواصل العزف، فأرى تلك المرأة على متن زورق مملوء بحبات اللؤلؤ، تحصي عمرها لؤلؤة لؤلؤة، فأقول لها:
«دعي الريح تضرب أغنياتي
دعي هذه النوافذ مفتوحة ».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.