رغم ما تختزنه مدينة آسفي من رصيد تاريخي وحضاري عريق، ما تزال بعض معالمها التراثية تعيش على هامش الاهتمام، ومن بينها قصبة أيير التاريخية، التابعة للنفوذ الترابي لإقليم آسفي، والمطلة على الساحل الأطلسي في موقع طبيعي بالغ الدلالة. قصبة أيير ليست مجرد أطلال صامتة، بل فضاء تاريخي يجسد مرحلة دقيقة من تاريخ الساحل المغربي، حين كان البحر بوابة للتبادل، ومصدرًا للخطر في الآن ذاته. تتربع القصبة فوق ربوة صخرية تشرف مباشرة على المحيط الأطلسي، وهو موقع يعكس بوضوح وظيفتها الدفاعية والاستراتيجية، فقد كان هذا الامتداد الساحلي خلال القرون الوسطى وبدايات العصر الحديث عرضة لتحركات بحرية أوروبية، خاصة البرتغالية، ما جعل تشييد المنشآت الدفاعية ضرورة أمنية لحماية المجال الترابي. وتشير وثائق تاريخية وكتابات صحفية مغربية إلى أن الموقع كان معروفًا في بعض الخرائط الأوروبية باسم «رأس أيير»، وهو ما يؤكد حضوره في الذاكرة البحرية القديمة. أما من حيث الجذور التاريخية، فلا تتوفر إلى اليوم معطيات أكاديمية دقيقة تحسم بشكل نهائي تاريخ تأسيس قصبة أيير، غير أن مصادر محلية متقاطعة تفيد بأنها كانت قائمة على الأقل منذ القرن الثامن الهجري، أي ما يعادل القرن الرابع عشر الميلادي، قبل أن تعرف لاحقًا مرحلة احتكاك مباشر مع الوجود البرتغالي في مطلع القرن السادس عشر. وتُجمع هذه المصادر على أن الموقع كان ضمن الفضاءات التي شهدت محاولات اختراق أجنبي، قبل أن يتم استرجاعها في سياق المقاومة المحلية التي قادها الأشراف السعديون ضد التوسع البرتغالي بالسواحل المغربية. وتجدر الإشارة، بكل موضوعية، إلى أن تفاصيل هذه المرحلة تعتمد أساسا على روايات تاريخية محلية ومقالات صحفية موثقة، لكنها لا تزال في حاجة إلى دراسات جامعية معمقة لتدقيقها علميًا. ولا تقتصر أهمية قصبة أيير على بعدها العسكري فقط، إذ تكشف المعطيات المتداولة عن كونها احتضنت أدوارا دينية وتعليمية بارزة، فقد وُجد بالقرب منها مسجد عتيق يُرجح أن عمره يتجاوز قرنين من الزمن، إضافة إلى مدرسة قرآنية كانت تؤدي وظيفة تعليمية داخل النسيج الاجتماعي المحلي، ما يؤكد أن القصبة كانت فضاءً متكاملا يجمع بين الحراسة والدفاع من جهة، والتربية الدينية وبناء القيم من جهة أخرى، في انسجام مع النموذج العمراني المغربي التقليدي. ورغم هذه الحمولة التاريخية والثقافية، تعيش قصبة أيير اليوم وضعًا مقلقًا، إذ تبدو معالمها المعمارية مهددة بفعل التآكل الطبيعي والإهمال البشري، في غياب برامج ترميم واضحة أو إدماج فعلي للموقع ضمن المسارات السياحية والثقافية لإقليم آسفي. وقد عبّرت فعاليات جمعوية وثقافية محلية، في أكثر من مناسبة، عن قلقها إزاء هذا الوضع، مطالبة بتدخل عاجل للجهات الوصية من أجل إنقاذ هذا الموروث قبل أن يتحول إلى مجرد ذكرى. إن قصبة أيير ليست ملكا لجماعة بعينها، بل تشكل جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية لآسفي، ومن التاريخ الوطني المرتبط بالمقاومة، والعمران الساحلي، والتعليم الديني التقليدي، والحفاظ عليها لا يمر فقط عبر الترميم المادي، بل يتطلب أيضا إعادة الاعتبار الرمزي والمعرفي لها، من خلال البحث الأكاديمي، والتعريف الإعلامي، وربطها بالهوية التاريخية للمدينة. وتبقى قصبة أيير، في نهاية المطاف، شاهدا حجريا صامتا على تاريخ غني لم يُنصف بعد، بين بحر لا ينسى، وحجارة تنتظر من يعيد إليها صوتها، في أفق تحويلها من معلم منسي إلى رافعة ثقافية وتاريخية حقيقية لمدينة آسفي.