فضح تقرير أنجزه مجلس المنافسة على شكل رأي فوضى عارمة تجتاح سوق حديد الخرسانة بالمغرب وكشف اختلالات عميقة في قطاع يبلغ رقم معاملاته 13 مليار درهم سنة 2023، حيث تتقاسم هذه الكعكة التي تسيل اللعاب قلة من الفاعلين الذين يفرضون هيمنتهم على قطاع حيوي يرتبط مباشرة بكلفة السكن والاستثمار والبنيات التحتية. ورسم التقرير صورة قاتمة لقطاع حيوي تتركز فيه الحصص السوقية في يد قلة قليلة من الفاعلين، وتتقاطع فيه مؤشرات التركيز والاحتكار والهيمنة المرتفعة مع تبعية قوية للخارج وتقلبات سعرية حادة، إذ استحوذت ثلاث شركات رئيسية على ما بين 74 و79 % من المبيعات خلال الفترة 2018-2023، بينما تقلص عدد المتدخلين من 18 فاعلا سنة 2018 إلى 14 فقط سنة 2023، وهو ما عكس انكماش قاعدة العرض واتساع هامش السيطرة داخل سوق سجل رقم معاملاته 12,48 مليار درهم سنة 2023 بعدما بلغ 13,13 مليار درهم سنة 2022. المعطيات الرقمية التي أوردها المجلس ترسم ملامح بنية شبه أوليغوبولية. فمؤشر هيرفيندال-هيرشمان، الذي يقيس درجة التركيز، انتقل من وضعية تركيز معتدل سنة 2018 إلى تركيز مرتفع ابتداء من 2022، متجاوزا عتبة 2000 نقطة، ليستقر في مستويات تعكس تمركزا قويا للسوق. هذا التحول الكمي لا يظل مؤشرا تقنيا معزولا، بل يعكس واقعا تنافسيا محدودا في قطاع يرتبط مباشرة بتكلفة المتر المربع للبناء. وعلى مستوى الكميات، انتقل الإنتاج من حوالي 1,1 مليون طن سنة 2018 إلى 1,33 مليون طن سنة 2022 قبل أن يتراجع إلى 1,13 مليون طن سنة 2023، فيما انخفضت المبيعات من 1,34 مليون طن سنة 2022 إلى 1,16 مليون طن سنة 2023. هذا التراجع تزامن مع تباطؤ قطاع البناء والأشغال العمومية، لكنه لم يلغ حقيقة استمرار تمركز العرض في يد عدد محدود من المنتجين. وعرفت الأسعار بدورها مسارا تصاعديا لافتا. فقد ارتفع متوسط سعر الطن من 4763 درهما سنة 2018 إلى 6191 درهما سنة 2022، أي بزيادة تقارب 30 %، قبل أن يتراجع إلى 5427 درهما سنة 2023. المجلس ربط ذروة سنة 2022 بالسياق الدولي وارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة، غير أن انتقال هذه الصدمات إلى السوق الوطنية تم في إطار بنية عرض مركزة، ما يضاعف أثر التقلبات على الفاعلين في أسفل السلسلة، خصوصا المقاولات الصغرى والمتوسطة. وتوقف تقرير المجلس أيضا عند هوامش الربح، حيث ارتفعت لدى المنتجين من نحو 6 % سنة 2018 إلى 13 % سنة 2022 قبل أن تتراجع إلى 8 % سنة 2023. في المقابل، ظلت هوامش الموزعين في حدود 3 إلى 5 % خلال الفترة نفسها ، ما يعكس تفاوتا في تموقع حلقات السلسلة وقدرتها على امتصاص تقلبات الكلفة. ومن بين عناصر الهشاشة التي أبرزها التقرير، الاعتماد شبه الكلي على خردة الحديد المستوردة، بنسبة تناهز 90 % من المدخلات سنة 2023. هذه التبعية تجعل السوق الوطنية رهينة لتقلبات الأسعار الدولية وسلاسل التوريد، في ظل محدودية العرض المحلي من المادة الأولية. كما أشار المجلس إلى أن بعض الفاعلين يتوفرون على وحدات إنتاج متعددة موزعة جغرافيا، ما يمنحهم مرونة أكبر في تلبية الطلب والتحكم في التكاليف مقارنة بمنتجين أصغر حجما. وتشكل حواجز الولوج بدورها عاملا إضافيا في تكريس التركيز، إذ تتطلب إقامة وحدة إنتاج استثمارات مرتفعة وتجهيزات صناعية مكلفة، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالولوج إلى التمويل، وهو ما يقلص فرص دخول فاعلين جدد ويحد من تجدد النسيج التنافسي. كما رصد التقرير تفاوتات مجالية في توزيع نقاط البيع، مع تمركز ملحوظ في المحاور الاقتصادية الكبرى، مقابل ضعف التغطية في بعض الجهات، بما ينعكس على تكاليف النقل والأسعار النهائية. أمام هذه المؤشرات المقلقة، أوصى مجلس المنافسة كل الفاعلين بضرورة تعزيز شفافية الأسعار عبر نشر معطيات دورية حول تطور الكلفة وهوامش الربح، بما يتيح تتبع كيفية انتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق المحلية. كما دعا إلى تقوية آليات المراقبة لضمان احترام قواعد المنافسة ومنع أي ممارسات من شأنها الإخلال بحرية السوق. ومن بين التوصيات كذلك، تشجيع جمع وتثمين الخردة محليا لتقليص التبعية للاستيراد، وتسهيل ولوج فاعلين جدد عبر تبسيط المساطر وتحسين شروط الاستثمار والتمويل، إلى جانب تحسين حكامة سلاسل التوزيع وتعزيز تنافسيتها بما يحد من التفاوتات المجالية.