الذباب الإلكتروني المتقمِّص للوطنية... خنجر في خاصرة الوطن.. لا يخدم إلا أعداء الوطن باسم الوطن. في كل مرحلة مفصلية تمر بها الشعوب، يظهر العدو بوجهين: وجه معلن نعرفه ونواجهه، ووجه متخفٍ يرفع الراية ذاتها ويهتف بالشعار ذاته، لكنه يطعن من الخلف. هذا الوجه هو الذباب الإلكتروني المتقمِّص للوطنية. لم يعد الأمر مجرد حسابات عابثة على منصات التواصل، بل بات منظومة منظمة تتقن ارتداء القناع الوطني. تتحدث باسم الشعب، وتزايد على الجميع، وتمنح نفسها صكوك الوطنية، ثم تبدأ مهمتها الحقيقية: تفكيك الداخل، وتشويه الرموز، وبث الشك في كل شيء. في لحظات الحرب والأزمات، كما جرى في العدوان على قطاع غزة، أو خلال التوترات الإقليمية التي طالت إيران، يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة موازية. هناك من يقاتل بالكلمة الصادقة، وهناك من يقاتل بالشائعة المسمومة. الفرق بينهما ليس في الشعار، بل في الأثر. الذباب المتقمص للوطنية لا يناقش... بل يُخوّن. لا يحلل... بل يُحرّض. لا ينتقد ليُصلح... بل يهاجم ليهدم. إنه يتغذى على ثلاثة عناصر قاتلة: أولًا: تضخيم الخطأ حتى يصبح خيانة. أي هفوة تتحول إلى "فضيحة وطنية"، وأي اجتهاد يصبح "مؤامرة". الهدف ليس تصويب المسار، بل إسقاط الثقة. ثانيًا: تعميم الفساد حتى يصبح قدرًا. الجميع فاسد. الجميع متورط. الجميع بلا استثناء. هكذا تُقتل روح المبادرة، ويُزرع اليأس في النفوس. ثالثًا: خلط الحقائق بالأكاذيب. ينشر معلومة صحيحة، ويزرع داخلها سُمًّا صغيرًا. يقتطع تصريحًا، ويعيد تركيبه خارج سياقه. فيبدو صادقًا وهو يمارس أخطر أشكال التضليل. الأخطر من كل ذلك أن هذا النوع من الحسابات لا يهاجم العدو الحقيقي بقدر ما يهاجم الداخل. يوجّه طاقته إلى تفتيت الجبهة الداخلية، وإشعال صراعات جانبية، وصناعة معارك وهمية. فيتحول وعي الناس من مواجهة التحديات الكبرى إلى مطاردة ظلال على الشاشات. إنه يخلق بيئة نفسية مسمومة: غضب دائم، شك دائم، تشكيك دائم. والمجتمع الذي يعيش في حالة شك مستمرة يفقد قدرته على اتخاذ قرار، ويفقد مناعته السياسية. الوطنية ليست صراخًا في الفضاء الأزرق. الوطنية ليست مزادًا علنيًا لمن يرفع الصوت أعلى. الوطنية موقف أخلاقي قبل أن تكون شعارًا. من حق الناس أن تنتقد، بل إن النقد واجب. لكن الفرق شاسع بين النقد الذي يريد الإصلاح، والهجوم الذي يريد الهدم. بين كشف الخلل، وصناعة الفوضى. بين مساءلة مسؤولة، وتحريض أعمى. المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على العقول. ومن لا ينتبه إلى الحرب الرقمية سيُهزم وهو يظن أنه يقاتل. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يفقد بوصلته الداخلية. وحين يتحول بعض أبنائه – عن قصد أو عن جهل – إلى أدوات لهدم الثقة وتمزيق الصف، فإن الخطر يصبح مضاعفًا. الوعي هو السلاح، والتحقق قبل النشر هو خط الدفاع الأول. وعدم الانجرار وراء كل صرخة إلكترونية هو واجب وطني. فالوطن لا يحتاج إلى ذباب يطنّ باسمه، بل إلى عقول تحميه... وضمائر تصونه.