في كل معركةٍ كبرى—سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية—لا يكون الخطر دائمًا قادمًا من خارج الأسوار. أحيانًا، بل كثيرًا، يتسلّل من الداخل؛ من حيث لا نتوقّع، ومن أشخاصٍ يُفترض فيهم الانتماء قبل الخصومة. هنا، بالضبط، يولد سؤال الأعضاء والأعداء. العضو ليس بطاقة انخراط، ولا لقبًا تنظيميًا، ولا صورةً في واجهة. العضو موقفٌ قبل أن يكون اسمًا، والتزامٌ قبل أن يكون حضورًا. هو من يختلف داخل البيت دون أن يهدمه، وينتقد دون أن يشي، ويُصلح دون أن يتاجر بالخراب. العضو الحقيقي يعرف أن الخلاف فضيلة حين يكون من أجل البناء، ورذيلة حين يتحوّل إلى معول هدم. أما العدو فليس دائمًا ذاك الذي يعلن خصومته صراحة. الأخطر هو العدو المتخفّي؛ الذي يرتدي لباس القرب، ويستثمر في لغة الحرص، بينما يزرع الشك ويغذّي الانقسام. هو من يُربك الصفّ ساعة الحاجة، ويختفي ساعة المواجهة، ويظهر فقط حين تحين لحظة القنص المعنوي. الخلط بين العضو والعدو يبدأ حين نُفرغ الانتماء من معناه، ونحوّل التنظيمات والمؤسسات إلى مسارح ولاء أعمى أو تصفية حسابات. وحين تُختزل المبادئ في الأشخاص، وتُختزل القضايا في مزاج اللحظة، يصبح كل ناقدٍ عدوًا، وكل مُصفّقٍ عضوًا-وهي وصفة جاهزة للفشل. لا تنظيم ينجح بلا نقد، ولا قضية تعيش بلا مساءلة. لكن الفارق واضح: النقد من الداخل يبني، والطعن من الداخل يُسقِط. النقد يُقاس بوجهته وأثره؛ هل يفتح أفقًا أم يغلقه؟ هل يحمي الفكرة أم يبتزّها؟ هل يُعلن مسؤوليته أم يتخفّى خلف الإشاعة؟ في زمن الضجيج، نحتاج بوصلة أخلاقية بسيطة: العضو يُصلح ولا يُشهّر. العضو يختلف ولا يُخَوّن. العضو يتحمّل كلفة الموقف. والعدو—ولو لبس ثوب القرب—يبحث عن الغنيمة لا عن الفكرة. إن أخطر ما يواجه أي مشروعٍ جماعي هو أن يُدار بمنطق الريبة الدائمة، أو أن يُترك بلا حراسة من الاختراق. التوازن وحده يحمي: انفتاحٌ على النقد الصادق، وحزمٌ مع التخريب المقنّع. في النهاية، ليست المعركة بين أسماءٍ في لائحة، بل بين ضميرٍ يحرس المعنى ونَفْسٍ تتغذّى على الفوضى. هناك فقط يتحدّد الفرق الحقيقي بين الأعضاء... والأعداء.