غادرتنا إلى دار البقاء الممثلة القديرة صفية الزياني يوم السبت 28 فبراير 2026 بإحدى مستشفيات الرباط، عن سن يناهز 91 سنة. سبق أن كتبت عنها في حياة أخرى (*). هذه الطفلة الوديعة، صفية الزياني، كانت تعيش ضمن عائلة محافظة ولكن أصيلة ومناضلة في ذلك الوقت العصيب. كان والدها عازفا للموسيقى الأندلسية. وكانت أمها شاعرة فطرية ربانية، على حد تعبيرها. حين كانت الطفلة الصغيرة تدرس في الابتدائي بالمشور الملكي بمدرسة لالا عائشة بالرباط. كان المغرب يغلي بالأحداث المؤلمة بسبب الوجود الاستعماري العنيد، وستعرف تلك الأحداث ذروتها مع نفي عاهل البلاد محمد الخامس. خاصة وأن كل عائلتها تقريبا كانت تتكون من مقاومين وفدائيين. كانت أمها تخيط كما كانت تطرز المناديل، وتكتب عليها بالطرز: «أخرجوا من وطننا»، وكان الفرنسيون يشترون تلك المناديل في «السويقة» وهم لا يعبؤون بشيء. كما كانت صفية الزياني تأخذ قطعا من الثوب التي تبقى من خياطة والدتها وتصنع منها بعض اللعب تتذكر بها كل الشهداء من عائلتها وكأنها تعيش كل هذه الأحداث بطريقتها الخاصة. مضت مدة من الزمن، وإذا بالطفلة تشعر بأنها صارت تكبر، وبدأت حركاتها تتغير وكذلك لباسها ومشيتها. فحدث أن زارهم خالها بعد حصولها على الشهادة الابتدائية، وقد لاحظ هذا التغيير في هندامها وتصرفاتها. فسألها هل تريد ممارسة التمثيل؟ الرجل كان مسؤولا في إدارة الشبيبة والرياضة. حيث أخبرها بأن هناك مباراة تنظمها هذه الإدارة لتكوين ممثلي الغد. فما كان عليه إلا أن يقنع عائلتها ليرخصوا لها بالمشاركة في هذه المباراة. وهو ما حصل فعلا، حيث وهي في سن مبكرة (تكاد أن تكون طفلة)، تقدمت إلى اختبار إدارة الشبيبة والرياضة سنة 1958 للمساهمة في الدورات التدريبية التي كانت تقيمها هذه الإدارة آنذاك، لاختيار أهم العناصر التي ستشكل فيما بعد العمود الفقري للفرقة الوطنية المغربية الأولى («فرقة المسرح المغربي» التي ستصبح فيما بعد «فرقة المعمورة»). دخلت صفية الزياني مركز التدريب، الذي لم يكن إلا غابة المعمورة لتجد نفسها أمام كل الرواد الكبار الذين كانت تتمنى مجرد رؤيتهم في المنام: الطيب الصديقي، أحمد الطيب العلج، حسن الصقلي، محمد السعيد عفيفي، فاطمة الركراكي، خديجة جمال… اجتازت صفية الزياني المباراة بنجاح أمام لجنة من كبار منشطي إدارة الشبيبة والرياضة. بدأ العمل الدؤوب من سنة 1958 إلى سنة 1960، لتتعلم كل فنون وتقنيات الخشبة المختلفة والمتداخلة فيما بينها، على يد أساتذة فرنسيين ومغاربة معروفين، يُشهد لهم بالكفاءة والتقنية العالية والتواضع. في هذا الإطار كان أول من تقدم لتحيتها هو الممثل أحمد العلوي وبعده فاطمة الركراكي، قبل أن تتعرف على كل الآخرين. وهي مازالت في طور التكوين اقترحوا عليها أن تشاركهم في القيام بدور صغير ولكنه كوميدي هزلي. ونظرا لإعجابها بالممثل أحمد العلوي كانت تقلده في حركاته ومشيته وكل تحركاته. فنبهها بيير لوكا، الذي كان مدير مركز التكوين، أن عليها أن تكوّن شخصيتها الخاصة بها. من هنا صارت تبحث عن شخصيتها المتميزة، خاصة وأن «فرقة المسرح المغربي» آنذاك كانت تضم خيرة الممثلين المغاربة. بعد سنوات من التكوين والتحصيل والعمل، وبعد توقف «فرقة المسرح المغربي» التحقت الشابة صفية الزياني سنة 1968، ب»فرقة التمثيل العربي للإذاعة» ذائعة الصيت آنذاك، والتي لا يدخلها إلا الرواد الكبار. وهكذا اصطفت صفية الزياني إلى جانب النجوم الكبار المعروفين في هذه الفرقة الخالدة، تحت رئاسة المايسترو الجليل عبد الله شقرون. وهنا، وقد صارت محترفة، تفتحت مواهبها بالاحتكاك بهؤلاء النجوم الخالدين والمتواضعين في نفس الآن يشدون بأيدي الوافدين الجدد ويجعلوهم في بيتهم لا يشعرون بالغربة ولا بمكر البداية الصعبة. عاشت هذه التجربة الاحترافية الطويلة والمتينة والمتميزة بجولاتها وما تحمله من تعب وتضحيات، ولكن بالنسبة إليها كل هذا كان جميلا، حيث كانت تعمل بدون كلل ولا ملل. هكذا ظلت صفية الزياني من الممثلات المحترفات المعترف لهن بالجدية والتفوق. فهي كانت تشتغل على حد سواء في المسرح كأنها في بيتها، وفي الإذاعة كأنها تتجول في حديقة، وفي التلفزة كأنها تطل علينا من نافذة بعيدة في الزمان، وفي السينما كتتويج لمسار فني عتيد. هذه هي صفية الزياني، جوهرة كل القيم الفنية والإنسانية وممثلة من زمن آخر تشتاق له كل الأجيال. (*) عن كتاب «وجوه عرفتها.. في المسرح والحياة» لكاتب هذه السطور، منشورات ملتقى الطرق 2025.