حلّ ضيفا على الكتابة الإقليمية للحزب ضمن برنامجها «السمر الرمضاني» في ليلة رمضانية مميزة، استحضرت ذاكرة الفن والنضال بحي «درب السلطان» العريق، نظمت الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالفداء مرس السلطان، الحلقة الثالثة من «السمر الرمضاني» ضمن برنامجها رمضانيات درب السلطان الأولى، وهو اللقاء الذي أداره الدكتور شعيب الدرهمي، الفاعل الثقافي والباحث الإعلامي، حيث تمت استضافة ابن المنطقة الفنان جواد العلمي، الممثل والمخرج، في جلسة لم تكن مجرد استعراض لمسار فني، بل تحولت إلى نقاش صريح حول دور الجمعيات ودور الشباب في احتضان المواهب وصقلها، ومسؤولية الجميع في دعم جيل المستقبل وسط التحولات الرقمية التي نعيشها اليوم. جواد العلمي .. قدوة لأبناء المنطقة انطلق السمر بكلمة افتتاحية مفعمة بالمشاعر ألقاها محمد قمار، الكاتب الإقليمي للحزب بالفداء مرس السلطان، الذي رحب بالحاضرين من فنانين ومناضلين، وبضيف الحلقة بكلمات مليئة بالود والتقدير، مؤكدا أن استضافة جواد العلمي هي احتفاء بقيمة «النجاح» الذي يحتاجه شباب المنطقة اليوم، مشددا على أن العلمي يمثل النموذج الحي ل «ابن الدرب» الذي استطاع بفضل العصامية والمثابرة أن يبصم الساحة الفنية الوطنية بجدارة، دون أن يتنكر يوما لجذوره أو يبتعد عن حي «درب السلطان» الذي أنبت كبار المبدعين والمناضلين. الارتباط الروحاني بالحزب والوفاء ل «المدرسة» بين أسوار المقر الذي غصّ بجمهور متنوع ومن مختلف الفئات العمرية، استهل جواد العلمي حديثه بتوجيه شكر عميق للمنظمين، معبرا عن سعادته الغامرة بالتواجد في المنطقة التي كبر وترعرع في أزقتها. وبصراحة لافتة، كشف العلمي أنه رفض دعوات عديدة من أحزاب سياسية مختلفة، لكنه لبى دعوة الاتحاد الاشتراكي لأن «العلاقة مع ناسه وطيدة» كما قال، واصفا حضوره في هذا السمر بأنه حضور «روحاني» بامتياز، يتجاوز الحسابات السياسية إلى عمق الوفاء للمدرسة التي شكلت وعيه الأول. واستذكر العلمي، الذي نشأ في كنف عائلة محافظة ، كيف تداخلت طفولته بين لعب كرة القدم في الحي وبين مرافقة جده وهو في السابعة لمشاهدة «الحكواتي» (الحلقة) في الساحات، حيث كانت الحكايات تترسخ في ذهنه كمشاهد بصرية. وفي لحظة اعتراف مؤثرة، أكد العلمي أن محمد قمار لعب دروا مهما في حياته، حين أخذ بيده نحو جمعية الشعلة (دار الشباب سيدي معروف)، وهي الخطوة التي قد تكون أنقذته من أي ضياع محتمل، لتنطلق موهبته الأولى ضمن ثنائي «قيقش وميقش»، ثم انتقل بعدها لدار الشباب بوشنتوف حيث التقى برفيق دربه المناضل والفاعل الجمعوي والميداني وحيد مبارك، رئيس المجلس الإقليمي، الذي جمعته به منذ سنوات طويلة محطات متعددة، كانت مناسبة لتعزيز الرصيد الإنساني المشترك بينهما، قبل أن ينتقل إلى سرد محطات من حياته الجمعوية في هذا الفضاء حيث كانت الانطلاقة مع جمعية الرماح. «سوق النسا» وتحدي النجاح: المرأة تاج فوق الرؤوس وخلال إجابته عن مختلف الأسئلة التي تم طرحها عليه، توقف العلمي طويلا عند محطة فيلم «سوق النسا»، معبرا عن فخره بالمشاركة في عمل حطم جميع الأرقام القياسية. وأشار العلمي إلى أنه كان محظوظا جدا خلال مساره الأكاديمي، إذ أتيحت له فرصة لعب بطولة فيلم «سوق النسا» وهو لا يزال طالبا في الكلية، تماما كما كان الشأن بالنسبة لبطولة «أمودو» بالتوازي مع فيلم «عبدو عند الموحدين». وبنبرة تقديرية، أكد أن المرأة المغربية تظل «تاجا فوق الرؤوس»، مضيفا بأسلوب مازح: «إذا تركت المرأة تقود وكنت أنت السند، فإن الأمور ستسير على أفضل ما يرام، أما العكس فسيخلق شخصا آخر». الذكاء الاصطناعي وصمود «أب الفنون» وفي شقّ تقني، حذر العلمي من أن مهنة التمثيل قد تواجه خطر الزوال أمام الانتشار الكبير للذكاء الاصطناعي، كاشفا أن هذه الموجة بدأت تفرض نفسها في مجالات مثل «السينوغرافيا»، ومع ذلك، جزم العلمي بنبرة واثقة «لا يصح إلا الصحيح؛ المسرح الذي عاش لآلاف السنين كأب للفنون هو الذي سيظل صامدا»، مفضلا الخشبة على السينما لأنها الفضاء الحقيقي لتفجير المؤهلات الفنية. رؤية لإصلاح دور الشباب: «الوصفة الأكاديمية» وفي تفاعله مع النقاش المفتوح من طرف القاعة، وجّه العلمي نداء حارا للحكومة من أجل ضرورة ابتكار «نموذج جديد» لدور الشباب يتماشى مع جيل «الويفي». وبمرارة، قارن بين وضعية «دار الشباب بوشنتوف» سابقا التي كانت تضم 20 فرقة مسرحية وبين الوضع الحالي. واقترح العلمي استثمار خريجي المعهد العالي للفن المسرحي و التنشيط الثقافي (ISADAC) ووضعهم على رأس هذه المؤسسات، مؤكدا أن التأطير الأكاديمي هو الملاذ الوحيد لاستعادة حيوية هذه الفضاءات وتوجيه الطاقات الشبابية. المؤثرون واحتكار الأدوار: واقعية مهنية وبخصوص الجدل المثار حول «احتكار الممثلين»، أوضح العلمي ببراغماتية أن الأمر مجرد «أرزاق» وتصادف في برمجة مسلسلات قد لا تكون صورت في نفس السنة ولكن عُرضت معا. أما عن «المؤثرين»، فقد أبدى العلمي انفتاحا كبيرا، مؤكدا أن قدرة أي شخص على حشد الجمهور تعني امتلاكه ل «شيء خاص» يستحق الاحترام، معبرا عن شرفه بالعمل معهم، لكنه وجه لهم نصيحة بضرورة ولوج المعاهد ودراسة المسرح لضبط الأدوات التقنية واللغة الفنية المختصة لضمان استمرارية مهنية رصينة. الحزب بيت لكل المغاربة وتكريم خاص ل «الأخ والصديق» وبعد نقاش واسع وغني ترك إعجابا كبيرا لدى كل الحاضرين، اختتم اللقاء بكلمة مؤثرة لرئيس المجلس الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي بالفداء مرس السلطان وحيد مبارك، أشار فيها إلى أن أبواب الحزب خلال هذا الشهر الفضيل، في درب السلطان وعلى امتدادا تراب المملكة، كانت بيتا مفتوحا للرياضيين، الممثلين، والفنانين، والسياسيين، تماما كما هو بيت لكل المغاربة بمختلف مشاربهم. وأكد المتحدث أن هذا السمر كان «استثنائيا» بكل المقاييس، بالنظر لمكانة الضيف جواد العلمي الذي يعتبره أخا وصديقا، واصفا الجلسة بأنها كانت غنية بالمعلومات الشخصية والمعرفية والفنية لفنان متعدد المواهب. وعقب ذلك دعا وحيد في لحظة تقديرية الكاتب الإقليمي محمد قمار لتقديم تذكار باسم الحزب للفنان جواد العلمي، وسط تصفيقات الحضور الذين وثقوا هذه اللحظة بصور جماعية تؤرخ لسمر مميز خلق حركية مهمة خلال شهر رمضان الأبرك في قلب درب السلطان واستطاع أن يستقطب مجموعة من الوجوه إلى فضاء حزبي التقى فيه الفاعلون من مختلف الحقول والمشارب كما وصف وحيد مبارك ذلك.