تطوي مدينة الدارالبيضاء واحدة من أبرز صفحاتها الاقتصادية والشعبية، مع انطلاق عمليات هدم سوق "لافيراي السالمية"، الذي ظل لعقود قبلة وطنية لقطع غيار السيارات المستعملة، وفضاء نابضا بالحركية التجارية اليومية. غير أن هذه النهاية لا تأتي بمعزل عن سياق أوسع، عنوانه إعادة هيكلة شاملة للمدينة استعدادا لاستحقاقات دولية كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030. منذ ثمانينيات القرن الماضي، شكّل سوق لافيراي بالسالمية منظومة اقتصادية قائمة الذات، تستقطب مهنيين وزبناء من مختلف مناطق المغرب. مئات المحلات و"البراريك" كانت تؤثث المشهد، وتوفر قطع غيار نادرة بأسعار مناسبة، ما جعله فضاء لا غنى عنه للميكانيكيين وأصحاب السيارات. لكن يوم 14 أبريل 2026، بدأت الجرافات كتابة الفصل الأخير من هذه الحكاية، في إطار مشروع تنموي ضخم يروم تحويل المنطقة إلى قطب رياضي وصحي متكامل، يشمل ملعبا بسعة 35 ألف متفرج ومرافق حديثة، إلى جانب مستشفى متعدد التخصصات. تؤكد المعطيات الرسمية أن عملية الهدم تندرج ضمن رؤية تروم: تحرير الملك العمومي وإعادة تنظيم الفضاء الحضري. القضاء على مظاهر العشوائية التي كان يعرفها السوق. تهيئة بنية تحتية حديثة قادرة على استيعاب تظاهرات دولية. تحسين جودة عيش الساكنة عبر تقليص الازدحام والتلوث. كما يرتبط القرار بإعادة بناء ملعب "تيسيما" وتحويل محيطه إلى مركب رياضي عصري، ما استوجب إزالة الأنشطة المجاورة. ميدانيا، جرت عملية الإخلاء تحت إشراف السلطات المحلية وبتعزيزات أمنية، حيث تلقى التجار إنذارات مسبقة دفعت عددا منهم إلى نقل سلعهم قبل بدء الهدم. غير أن ذلك لم يمنع حالة من التوتر والاحتجاج، خاصة في صفوف المهنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع مفاجئ يهدد مصدر رزقهم. فلافيراي بالنسبة لهؤلاء التجار ليس فقط سوقا لبيع قطع غيار السيارات المستعملة بل حياة كاملة للتجار ولأسرهم التي تعتمد عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي محاولة لامتصاص الاحتقان، تعهدت السلطات بتمكين التجار "المحصيين" من محلات أو بقع أرضية بديلة، غالبا في مناطق صناعية بضواحي الدارالبيضاء، خاصة بإقليم مديونة. غير أن المهنيين يطالبون بتسريع هذه العملية، تفاديا لما وصفوه ب"البطالة التقنية" التي قد تطول. ويؤكد متتبعون أن نجاح هذا الورش يبقى رهينا بمدى قدرة الجهات المعنية على ضمان انتقال سلس يحفظ استمرارية النشاط الاقتصادي. على المدى القريب، يُتوقع أن يؤدي تفكك السوق إلى الارتفاع النسبي في أسعار قطع الغيار المستعملة إضافة إلى صعوبة في العثور على بعض القطع النادرة والارتباك في سلاسل التوريد المرتبطة بهذا القطاع. في المقابل، تراهن المدينة على مكاسب بعيدة المدى، من خلال تحويل المنطقة إلى فضاء عصري يضم تجهيزات رياضية وصحية ومساحات خضراء، ما من شأنه رفع القيمة العقارية وتحسين صورة الحي. لا يختلف اثنان حول أهمية المشاريع المبرمجة، غير أن كلفتها الاجتماعية تطرح تساؤلات حقيقية. فإلى جانب التجار، يواجه عشرات المستخدمين بالمرافق المجاورة، من بينها مركب الفروسية، شبح فقدان وظائفهم، في ظل غياب وضوح بشأن إعادة إدماجهم. كما يطرح بعض الفاعلين إشكالية الحفاظ على الذاكرة الحضرية للمنطقة، في ظل تسارع وتيرة الهدم وإعادة البناء. نهاية "لافيراي السالمية" تعد لحظة مفصلية في مسار تحول الدارالبيضاء نحو نموذج حضري جديد. غير أن الرهان الحقيقي يتمثل بشكل أساسي في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية وحماية النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي ظل، لسنوات، جزءا من روح المدينة.