شهد يوم 28 فبراير 2026 تحولا دراماتيكيا في المشهد الإقليمي بعد الضربات التي استهدفت رأس النظام الإيراني، وما أعقبها من رد إيراني طال عددا من العواصم الخليجية. وبينما سارعت قوى دولية وعربية إلى إعلان مواقف واضحة، برز الموقف الجزائري بوصفه حالة خاصة اتسمت بالتريث والغموض قبل أن ينتقل إلى خطاب تضامني عام خالٍ من تحديد المسؤوليات. هذا التباين أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول طبيعة الدبلوماسية الجزائرية في الأزمات الإقليمية الكبرى. ففي الساعات الأولى التي تلت التصعيد، أصدرت الخارجية الجزائرية بيانا تحدث عن "تصعيد عسكري" و"فشل المسارات التفاوضية" دون تسمية الأطراف المعنية أو تحديد المسؤوليات. بدا النص أقرب إلى صيغة دبلوماسية عامة تتجنب الاصطفاف المباشر، في وقت كانت فيه عدة عواصم قد اتخذت مواقف صريحة إزاء الضربات المتبادلة. بعد مرور أربع وعشرين ساعة، صدر بيان ثان عقب استقبال وزير الخارجية أحمد عطاف لسفراء الدول العربية المتضررة، بحيث أكد البيان "تضامن الجزائر الكامل مع الدول العربية الشقيقة" ورفض أي مساس بسيادتها، غير أن اللافت ظل غياب الإشارة الصريحة إلى الجهة المنفذة للضربات، ما أبقى الخطاب في دائرة العموميات. هذا النمط من التعاطي ليس جديدا في السياسة الخارجية الجزائرية، فقد ظهر سلوك مشابه خلال التطورات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، حين أعلنت الجزائر في مرحلة أولى تضامنها مع نظام دمشق، قبل أن تعدل خطابها سريعا عقب تغير موازين القوى، لتؤكد دعمها "للشعب السوري" دون تقديم توضيح حول التحول في الموقف، ويعكس هذا المسار ميلا إلى إعادة التموضع تبعا لمجريات الأحداث، مع تجنب القطع الحاسم مع أي طرف. تطرح هذه الوقائع سؤالا جوهريا حول ثبات الرؤية في السياسة الخارجية الجزائرية، فبين خطاب أول يتسم بالحياد الحذر، وآخر يؤكد التضامن دون تسمية الفاعلين، تتشكل صورة دبلوماسية تفضل إدارة التوازنات الدقيقة على حساب الوضوح الصريح. وفي منطقة تتسم بسرعة التحولات وتشابك التحالفات، يبقى الرهان الحقيقي لأي سياسة خارجية هو القدرة على الجمع بين حماية المصالح الوطنية والحفاظ على قدر كاف من الاتساق والوضوح في المواقف، بما يعزز المصداقية ويمنح الحضور الدبلوماسي ثقلا واستقرارا على المدى البعيد.