فضيحة بيئية قرب الحريسة الجهوية بالجديدة.. قنوات تصريف مياه الأمطار تتحول إلى مصب لمخلفات صناعية    توهج مغربي في "محاربي الإمارات"    المنتخب المغربي يزيل العياء في ليل    إصابة شخصين بعد استعمال شرطي لسلاحه الوظيفي بحي مسنانة بطنجة    "حوار" تكرم باسو بمدينة أوتريخت    توقيف شخص بفاس وحجز أزيد من 7000 قرص مخدر بمحطة القطار    كلمة المخرج المسرحي طارق بورحيم    المسرح المغربي ينتقل إلى مرحلة جديدة : بنسعيد يؤشر على الرفع من سقف المنح وتدابير جديدة لترسيخ الاحترافية    أوروبا تدعم حرية العبادة في القدس    فوضى النقد    "نقابة" تدعو إلى التوظيف العاجل لتقنيي الإسعاف والنقل الصحي وتحذر من خصاص حاد بالمؤسسات الصحية    الجامعة الوطنية للتعليم تقرر الطرد النهائي لحسن أومربيط على خلفية تزوير بطائق الانخراط    صراع "السّوشل ميديا"    المغرب يطالب بموقف عربي موحد لردع التدخلات الإيرانية ووقف استهداف المدنيين    الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) يجري تعديلات على لوائحه لتعزيز الثقة في الحكام ومشغلي تقنية الفيديو والهيئات القضائية (بيان)    توقعات أحوال الطقس لنهار اليوم الأحد        زيادات قوية جديدة مرتقبة في أسعار المحروقات بالمغرب    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    موهبة ريال مدريد يسير على خطى لامين يامال ويُفضل "لاروخا" على المغرب    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحقيقة الخفية لدومنيك ستراوس-كان
أصدقاء له كانوا يعدون له سهرات خاصة وأحدهم كان يقدم له مومسات ويوهمه بأنهن بورجوازيات
نشر في المساء يوم 01 - 12 - 2011

كثيرون لا يعلمون إلى حدود اليوم كيف استسلم دومنيك ستراوس-كان، المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، الذي كان مرشحا فوق العادة
لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الفرنسية باسم الاشتراكيين، لنزواته، وتركها تدمر رصيده في عالم السياسة والاقتصاد. وقليلون، خصوصا أقرب المقربين منه، يعرفون تفاصيل السهرات الخاصة التي كان يقيمها بمعية أصدقاء له في مدن فرنسية مختلفة، قبل أن ينتقل إلى واشنطن، عقب تعيينه على رأس صندوق النقد الدولي ليواصل مغامراته في بلاد «العم سام».
لم يكن دومنيك ستراوس-كان، المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، سعيدا على الإطلاق في العاصمة الأمريكية واشنطن. إذ بعد وصوله إلى هناك بشهور تولد لديه إحساس بأن توليه هذا المنصب يعد نفيا من الوطن فرنسا وإبعادا له أكثر منه تشريفا.
واعترف دومنيك ستراوس-كان بهذا الشعور، الذي كان يتقوى لديه كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لصديق له يدعى فابريس بازكوفسكي. وكان هذا المقاول الفرنسي ذو الأصول البولونية يلازم ستراوس-كان كظله، وأصبح يقدم على أنه صديق مقرب من المدير العام لصندوق النقد الدولي، الذي كان يستعد لتسلم مفاتيح الإليزيه من نيكولا ساركوزي.
وقبل أشهر قليلة من فضيحته المدوية، فاجأ ستراوس-كان صديقه باعتراف صادم: «أنا أموت ببطء هنا. حتى موسكو لا تهتم بوجودي ولا يكلف الروس أنفسهم مشاق المجيء إلى هنا». بوح لم يدل به ستراوس-كان لأي شخص آخر عدا هذا المقاول الشاب، وهو ما يبين الثقة الكبيرة بين الاثنين.
دخل بازكوفسكي حياة ستراوس-كان بهدوء حذر. لم يستطع أول الأمر اختراق الدائرة الأكثر قربا من القيادي الاشتراكي الفرنسي، ولم يكن على معرفة بآن سنكلير.
لم يبادر أي شخص من المقربين من ستراوس-كان إلى السؤال عن اسم فابريس العائلي ولا طلب معلومات عنه طيلة فترة امتدت من سنة 2001، تاريخ أول لقاء بين ستراوس-كان وفابريس بازكوفسكي، إلى لحظة انفجار فضيحة كارلتون. لم يفطن أحد إلى أن هذا المقاول الشاب صار أكثر الناس قربا من ستراوس-كان. كان بكل تأكيد أقل أناقة من روبير بادينتي، لكنه لم يكن يقل عنه وفاء. ولم يدر بخلد أحد أنه رجل ظل يصحب ستراوس-كان في جميع مغامراته، بما فيها الأكثر غموضا.
تولدت علاقة الصداقة بين الاثنين سنة 2001 خلال حملة الانتخابات الجماعية بفرنسا. في تلك الحملة، تنقل القيادي الاشتراكي إلى مدينة بيتون لدعم ترشيح جاك ميليك، الذي خاض تلك الانتخابات بعيد تورطه في فضيحة عرفت إعلاميا باسم «أوم-فا». كان بازكوفسكي مقربا من المرشح الاشتراكي، خصوصا من أولاده. ولذلك، كلف باستقبال ستراوس-كان في محطة القطار وملازمته طيلة المدة التي قضاها في بيتون.
استلطف ستراوس-كان الشاب بازكوفسكي وتبادل الاثنان أرقامهما الهاتفية. ويذكر بازكوفسكي أن القيادي الاشتراكي قال له يومها: «أنت نموذج للأشخاص الذين أبحث عنهم. مقاولون شباب ومتحمسون». انخرط جاك ميليك الابن في حملة لتقوية موقع ستراوس-كان على الصعيدين المحلي والأوربي. ورغم أن بازكوفسكي لم يكن مثقفا، ولم يكن يهتم على الإطلاق بالسياسة، فقد كان على استعداد كبير لدخول هذا الميدان إكراما لصديقه.
في الزيارة التالية لستراوس-كان إلى المنطقة، هاتفه فور وصوله إلى مدينة بيتون ليدعوه إلى «سهرة خاصة»، فاكتشف بازكوفسكي، لأول مرة، عالم السهرات الخاصة والحفلات الماجنة لصديقه القيادي الاشتراكي. لم يستلطف ذلك في البداية، لكنه استمتع بحديث جانبي مع ستراوس-كان غابت فيه السياسة وحضرت النساء/ المتعة.
اعترف بازكوفسكي لمقربين منه بأنه اندهش يومها بالشخصية القوية للوزير السابق وذكر لهم أقوالا لستراوس-كان يقول فيها إنه يفصل بين الحب والجنس.
بعد تلك الليلة، أصبح بازكوفسكي يلازم الخبير الاقتصادي الفرنسي في كل سهراته الخاصة، وكان يحضر في سهرات خاصة ببلجيكا، لا سيما في العاصمة بروكسيل، أبرزها السهرة التي أقيمت باستوديو تسجيلات مرموق، لا تقتصر شهرته على جودة الصوت في تسجيلاته. كما نظمت سهرات خاصة أخرى في العاصمة الفرنسية.
تغيرت حياة بازكوفسكي جذريا، فقد استغل مرافقته لستراوس-كان للتقرب إلى مشاهير الفن والسينما والسياسة والإعلام من قبيل بيير موسكوفيتشي وجون كريستوف كامباديليس وجون ماري لوغين.
انتقل المقاول الشاب إلى عالم آخر لم يكن يتصور وجوده قبل أن يلتقي بصديقه، فارتفعت مداخيله بشكل صاروخي وأصبحت تناهز 25 ألف أورو في الشهر. كما صار كثير التردد على أماكن بالعاصمة الفرنسية باريس يرتادها المشاهير بكثرة.
وعندما يعود إلى الشمال، لم يكن يتردد في التعبير عن التباهي بعلاقته بستراوس-كان أمام زملاء له يعملون في أوراش البناء. كان يكثر من الحديث عن الصداقة التي تجمعه بوزير المالية الفرنسي السابق، ويروي قصصا لا يصدقها كثيرون عن مغامراته مع الوزير السابق وعدد من مشاهير فرنسا.
وفي هذا السياق، يحكي بازكوفسكي كيف أن ستراوس-كان وفرانسوا ميتران طلبا في رحلة إلى أندونيسيا خدمات فتيات، عكس لونيل جوسبان، الوزير الفرنسي السابق، الذي لم ينقل عنه أي شيء خلال تلك الرحلة.
تحدث بازكوفسكي عن المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة الكثيرة التي بعث بها كل من ستراوس-كان وميتران من أجل اصطياد فتات أندونيسيات. ولم يكن الكثير من المقربين من بازكوفسكي يصدقون ما ينقل إليهم من أخبار من الدائرة المحيطة بالقيادي الاشتراكي الفرنسي. غير أن المحققين توصلوا مؤخرا إلى نماذج من تلك المكالمات والرسائل الهاتفية في ذاكرة هاتف ستراوس-كان بعثها إلى بازكوفسكي، وجاء فيها «سأصحب شابة إلى إحدى العلب الليلية بالعاصمة النمساوية فيينا. هل تريد أن ترافق فتاة أخرى وتصحبني إلى هناك». نموذج آخر: «هل تريد أن تصحبني إلى مدريد لنكتشف هناك عالم علبة ليلية فريدة من نوعها».
كان بازكوفسكي على يقين بأن ستراوس-كان سيتولى قيادة فرنسا في غضون سنوات قليلة. ولذلك، كان يحاول أن يقدم إسهامه في سبيل بلوغ هذا الهدف. وقد كان لدراسته الحقوق لمدة سنتين وقضائه سنتين أخريين في دراسة الصيدلة ومتاجرته في المواد شبه الطبية دور كبير في توصله إلى آلاف الأفكار في مجال الصحة.
أشرف بازكوفسكي على إعداد دليل خاص بالأدوية الجنيسة، واقترح أن تتبع فرنسا السياسة ذاتها، التي تنهجها الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الميدان. كما كانت له أيضا وجهة نظر في الأشخاص الذين يمكن أن يعتمد عليهم ستراوس-كان للاستعداد لخوض غمار الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وكان يعتقد أن كل شخص سيكون له دور يقوم به في ميدان تخصصه. وضع في طليعة الأشخاص المطلوبة خدماتهم ما يعرف ب«الإخوان» جون كريستوف لاكارد، والمساعد السابق بمدينة ليون ميشال نيير، الذي أصبح المسؤول الأول عن الأمن في منطقة الشمال.
كما قرر بازكوفسكي توجيه دعوة إلى نيير لمقاسمة ستراوس-كان مأدبة غداء، إلى جانب «أخ» آخر من منطقة الشرق الكبير يدعى دافيد روكي، وكان يشرف على إدارة إحدى شركات «إيفاج».
سأل بازكوفسكي روكي عما إذا كان يعرف فتيات، أملا منه في تقديم خدمة «متعة» لصديقه دومنيك، فكان رد روكي سريعا، حيث أجرى على الفور اتصالا بمقرب من أبيه، وكان أبوه يشغل منصب مدير العلاقات العامة ب«كارلتون»، يدعى روني كوجفير. هذا الأخير وفر لستراوس-كان أولى المومسات وأجّر له شقته الخاصة.
كان روني قد نجا بأعجوبة من قبضة النازيين إبان الحرب العالمية الثانية. إذ كان رضيعا حين حملته أمه على ظهرها وفرت به عبر الحدود السويسرية بعيدا عن أعيرة النازيين. وكثيرا ما يسرد روني على معارفه هذه القصة، رغم أن كان صغيرا آنذاك، وقلما لا يختم حديثه بدعوة صريحة إلى الإقبال على التلذذ بمتع الدنيا. اعتاد مدير العلاقات العامة ب«كارلتون» على دق باب صديقته يامينة، ونادرا ما لا يكون مصحوبا بكلبه.
اتخذ روني يامينة خليلة له إثر انقطاع حبل الود بينه وبين زوجته بعد عشرين سنة من الزواج، واستطاع تكوين شبكة علاقات كبيرة، ازدادت تشعبا بعد التحاقه بالعمل في إقامة خاصة بالشرطة في مدينة ليل. كان يقدم نفسه وكأنه يعرف كل شيء، الشيء الذي زاده قربا من المسؤولين الأمنيين، الذين لم يترددوا في طلب معلومات منه في أكثر من موضوع. وهكذا متن علاقاته بكل من العميد جون كريستوف لاكارد وجون كلود مينو وفريدريك فو، الذي يعتبر في الوقت الراهن الرجل الثاني في الإدارة المركزية للاستعلامات الداخلية الفرنسية.
وعلى هذا الأساس، كان بديهيا أن يلجأ دافيد روكي إلى خدمات روني حين يكون مكلفا بالبحث عن فتيات لتسلية وإمتاع ستراوس-كان. المثير أن روكي نفسه لم يكن التقى إلى حدود تلك اللحظة بستراوس-كان. ذلك أنه انتظر إلى غاية مارس 2009 ليتعرف على من يراه فيه خليفة نيكولا ساركوزي في قصر الإليزيه للمرة الأولى على هامش إحدى مغامرات ستراوس-كان.
اعترف روكي لرجال أمن مقربين منه بأنه أعجب كثيرا بشخصية دومنيك. كما اعترف بذلك لفتاتين أخريين، إحداهما صديقة لكوجفير. لم يكن روكي يخفي كذلك رغبته الشديدة في التقرب من ستراوس-كان. ولذلك، تفتقت عبقريته عن حيلة سيعمل على تنفيذها بسرعة مثيرة.
تقوم الفكرة على تنظيم «كاستينغ» لاختيار أفضل الفتيات لتقديمهن قرابين للتقرب إلى ستراوس-كان. وعلى هذا الأساس، استغل روني مغامرة مارسها أحسن استغلال. إذ اختار فتاتين، إحداهما تدعى بيا والثانية صديقة لكوجفير، دعاهما إلى «قاعة مغلقة» بقبو الملهى الذي أقيمت فيه سهرة خاصة، ثم انضم إليهما ستراوس-كان بعد دقائق معدودة.
كان روني وبازكوفسكي يعتقدان بأنه لا شيء يمكن أن يخدش صورة صديقهما الوزير السابق الموعود بتسلم مفاتيح قصر الإليزيه من يد نيكولا ساركوزي. غير أن نبأ مغامرات ستراوس-كان وحفلاته الخاصة سيتسرب من تلك الغرفة المغلقة في ذلك الملهى غير المثير للشبهات لتتناقله الألسن بشوارع وأزقة مدينة ليل.
هنا أيضا، لجأ روني إلى حيلة مضادة. كان يتعمد أن يتحدث بالسوء عن ستراوس-كان أمام أصدقائه من رجال الأمن وبعض بائعات الهوى المقربات من كبار المسؤولين الأمنيين على الصعيد المحلي. كان روني ينعت دومنيك ب«المريض» درءا للشبهات. ونهج دافيد روكي الأسلوب ذاته في محاولة لثني الأعين المتلصصة عن تتبع أخبار صديقه دومنيك، ولم يدر بخلد روني وروكي أن المعلومات المتعلقة بالمرشح الاشتراكي للانتخابات الرئاسية تتراكم فوق مكاتب المسؤولين الأمنيين.
فجأة، تقرر إقصاء بيا من الحفلات الخاصة لدومنيك بسبب الاشتباه في تورطها في تسريب معلومات عن مغامرات وزير المالية الفرنسي سابقا. لم يكن لإقصاء هذه الفتاة، التي كانت طرفا رئيسيا في المغامرات من قبل، أي تأثير سلبي على المجموعة التي قررت نقل سهراتها الخاصة من ليل إلى العاصمة باريس.
وتكلف روكي في سرية تامة بالبحث عن فتيات لتنشيط سهرة خاصة بأحد فنادق مدينة الأنوار، وفق إفادة فتاة شاركت في تلك السهرة، تدعى مونية. انتقلت هذه الفتاة، التي انقطعت عن عالم السهرات الخاصة بعد ارتدائها الحجاب، في تلك السهرة، من مدينة ليل إلى باريس برفقة دافيد روكي نفسه وجون كريستوف لاكارد.
ضرب الجميع موعدا في ساحة مورون القريبة من محل إقامة ستراوس-كان بالعاصمة الفرنسية. وكان بازكوفسكي قد تكلف بالتفاوض مع الفندق حول سعر الغرفة ونوعية الأكلات التي سيتم تقديمها للمشاركين في هذه السهرة الخاصة، التي اختير لها أن تقام في جناح في الطابق الأخير يتوفر على مسبح خاص به.
لم تكن مونية الفتاة المغربية الوحيدة في تلك السهرة الخاصة جدا. إذ غادرت هذه الفتاة الفندق في تمام الساعة الحادية عشرة ليلا منتعشة بمبلغ 900 أورو. وقد رافقها عند الخروج أصدقاء دومنيك الثلاثة، تاركين هذا الأخير في الفندق برفقة ثلاث فتيات أخريات، واحدة منهن على الأقل من أصل مغاربي.
بعد هذه السهرة، تدبر بازكوفسكي أمر سهرة أخرى في المكان ذاته. غير أن ستراوس تكلف بنفسه بالبحث عن فتاة لتنشيط السهرة، في حين عمد بازكوفسكي إلى استدعاء صديقته على وجه السرعة ليقاسم صديقه دومنيك هذه السهرة. وكذلك كان.
بعد هذه السهرة، قرر دومنيك ومجموعته التقليل من السهرات الخاصة، مع اعتماد تدابير احتياطية تتمثل بالأساس في تنويع أماكن السهرات الخاصة لكي لا ترصد المجموعة من لدن المسؤولين الأمنيين أو تسقط في شراك «البابارادزي»، خصوصا أن ستراوس-كان لم يكن فقط قياديا اشتراكيا يطمح إلى الإطاحة بنيكولا ساركوزي من رئاسة الجمهورية الفرنسية، وإنما كان يتربع أيضا على رأس صندوق النقد الدولي، مما يجعله مادة دسمة للصحافة العالمية كلها، وليس الفرنسية أو الأوربية فقط.
وفي ظل هذه التغيرات، برمجت المجموعة سهرة خاصة في يوليوز 2010 بمدينة سان تروبيز، لكنها ألغتها في آخر لحظة لأسباب غير معلومة. وقد كان واضحا أن المجموعة تأثرت بضيق وقت المدير العام لصندوق النقد الدولي آنذاك، وضيق هامش حرية الحركة المتاح أمامه. كما أن زوجته آن سينكلار أكدت له أنها ستلازمه كظله بعد افتضاح أمره في القضية التي اشتهرت إعلاميا باسم «بيروسكا». ولم تكن أجهزة صندوق النقد الدولي لتغفل عن مراقبة المسؤول الأول عن الصندوق.
ونتيجة لهذه المراقبة متعددة المصادر، سجل تغير في مزاج ستراوس-كان تحدث عنه أحد أعضاء مجموعته بالقول: «كانت سهراته مع أصدقائه من الشمال مصدر أوكسجين بالنسبة إليه». كان لزاما أن ترفع «مجموعة المتع» درجة الحذر إلى حدودها القصوى مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وهكذا، قرر بازكوفسكي الانتقال شخصيا إلى العاصمة الأمريكية واشنطن. إذ حل بالأراضي الأمريكية ثلاث مرات وفي تواريخ متباعدة: دجنبر 2010، وفبراير وماي الماضيين. وفي كل مرة، كان يصحب معه فتاتين جديدتين. وكانت الفتيات يبدين سعادة كبيرة بإتاحة الفرصة لهن للتنقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التسوق ولقاء المدير العام لصندوق النقد الدولي. كانت كل واحدة منهن تحصل على 1200 أورو. مقربون من ستراوس-كان أكدوا أنه لم يستلطف قط المومسات، وإنما كان يفضل فتيات من الطبقة البورجوازية. فهل كان يعلم دومنيك أن صديقه بازكوفسكي يقدم له مومسات وليس بوجوازيات؟


غرائز تحت المراقبة
علم دومنيك ستراوس، المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي، خبر شروع الإدارة المركزية للاستعلامات الداخلية الفرنسية في دراسة حالته والنبش في المعلومات الواردة عليها عن سهراته الخاصة في مقر الصندوق بالعاصمة الأمريكية واشنطن. عرف ذلك من صديقه، عميد الشرطة جون كريستوف لاكارد، على هامش مأدبة غداء جمعت الاثنين بمقر الصندوق في 12 ماي الماضي. لاكارد أكد لصديقه الحميم أن جميع خطوطه الهاتفية مراقبة، وأن رسالاته القصيرة أيضا وضعت تحت المراقبة.
نزل الخبر كالصاعقة على ستراوس-كان. في مساء ذلك اليوم، التقى الصديقان في فندق قريب من البيت الأبيض. وجدا في انتظارهما فتاتين قضتا معهما تلك الليلة مقابل 1200 دولار لكل واحدة منهما. تم تقديم الفتاتين على أنهما كابتنين في الشركة التي يديرها دافيد روكي. غير أن إحداهما لم تكن سوى فتاة أمريكية تتحدث الفرنسية بطلاقة، ولم تكن مواطنة فرنسية مثلما أُوهم بذلك المدير العام لصندوق النقد الدولي. وكانت تلك آخر مغامرة لستراوس-كان على الأراضي الأمريكية. إذ بعد ثلاثة أيام، سيستيقظ بازكوفسكي على خبر إيقاف صديقه الحميم، المدير العام لصندوق النقد الدولي، من قبل الشرطة الأمريكية. دب الذعر في نفوس أصدقائه الفرنسيين، فعمدوا إلى مسح جميع رسائلهم القصيرة والأرقام الهاتفية المثيرة للشبهات. فيما أرسل بازكوفسكي رسالة دعم ومواساة لصديقه الحميم، ثم هاتفه بمجرد رجوعه إلى الأراضي الفرنسية في أكتوبر. التقى الاثنان وتناولا معا وجبة غداء وتواعدا على اللقاء من جديد في أقرب فرصة ممكنة. لكن يبدو أن كل شيء انتهى بين الصديقين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.