اعتبر أحمد طانطاوي صاحب كتاب «الموسيقى الأندلسية في الغرب الإسلامي»، أستاذ باحث وفنان رئيس الجمعية الموصلية للطرب الغرناطي بوجدة، في تقديمه لعمله الذي كان ثمرة مجهودات شاقة ومضنية وبحث وتنقيب متواصلين، بسب ندرة المراجع وقلتها، بل وانعدام الوثائق والمخطوطات في هذا المجال، (اعتبر) أن موضوع الموسيقى الأندلسية يكتسي طابعا خاصا وأهمية قصوى من بين الدراسات والأبحاث الأدبية، وهذا راجع إلى كونه موضوعا تراثيا يرتبط أساسا بالهوية الثقافية للأمة الإسلامية ، ولكونه مظهرا من مظاهر حضارتها وسمو ذوقها. وأشار إلى أن اعتبار التراث الموسيقي الأندلسي من ضمن التراث المنقول شفويا، يطرح عدة إشكاليات ومجموعة من الاختلافات والتساؤلات، التي تتعلق بتاريخه ومصادره ومدارسه وأعلامه، وكذا بعض القضايا والآراء العامة الرائجة في الأوساط الفنية حول هذا التراث. وذكر المحاضر أن تاريخ الموسيقى الأندلسية أثار كثيرا من النقاش حول نقاط عدة منها البدايات الأولى لهذا الفن ومظاهر التأثير والتأثر والعوامل الاجتماعية والثقافية والبيئية التي أسهمت في بلورة هذا الفن منذ دخل المسلمون الأندلس. «والملاحظ عموما أن موضوع الموسيقى الأندلسية، إلى عهود متأخرة، لم يكن واضح المعالم، إذ لم تؤلف فيه كتب متخصصة، ولم يحظ بعناية العلماء، لكن ولحسن الحظ، ظلت الذاكرة البشرية تحفظ هذه الموسيقى، وتتناقلها الأجيال عن طريق الرواية الشفوية إلى أن وصلتنا كما هي عليه الآن». وتساءل إن كانت الموسيقى الأندلسية المتداولة ببلدان المغرب العربي هي نفسها التي كانت منتشرة بالأندلس، وعن دور زرياب في هذه الموسيقى، علما بأنه كان يتزعم مذهبا فنيا مشرقيا خالصا استمر ذيوعه بالأندلس إلى عهود متأخرة، ومن ناحية أخرى، أي مدرسة من مدارس الموسيقى الأندلسية، حاليا، تعتبر امتدادا لمدرسة زرياب. وحاول طانطاوي في كتابه الإجابة عن مجموعة من التساؤلات الأخرى تتعلق بعدد النوبات (24) إن كانت توافق ساعات النهار كما هو شائع، وخصائص النوبة ومكوناتها وأوجه اختلافها من مدرسة إلى أخرى، ومعاقل هذا الفن ورواده في كل مدرسة على حدة ومصطلحاته... وأثار مصطفى الرمضاني أستاذ بكلية الآداب دور الموسيقى الأندلسية في توحيد أقطار المغرب العربي بمختلف صنعاته، طرب الآلة بالمغرب والطرب الغرناطي بشرق المغرب وغرب الجزائر والمالوف بشرق الجزائر وغرب تونس، وكانت الوحدة بمفهوم الأمة الواحدة والمغرب العربي الكبير تتجسد في تأسيس الفرق الموسيقية بعناصر من مختلف البلدان المغاربية، «والدليل على ذلك أن كبار الفنانين الجزائريين كانوا يعيشون في مدينة وجدة، ومثلهم من المغاربة كانوا في الجزائر». وذكر بأنه بقدر ما كان الفن يوحد الأقطار المغاربية بقدر ما أصبحت السياسة تفرقها. ومن جهته، ذكر بدر المقري أستاذ بكلية الآداب بمجموعة من كبار شيوخ الطرب الغرناطي عاشوا بمدينة وجدة، التي تعتبر حاضنة لهذا الفن الأصيل، ومنها انتقل إلى الرباط كما تشهد على ذلك وثائق وشهادات تاريخية. كما نفى أن تكون هناك موسيقى يهودية عربية في هذا المجال، بل كانت هناك موسيقى عربية وتراث احتضنه اليهود وكانت الهجرة التي حملت معها هذا الفن الموسيقي. واعتبر أن مدينة وجدة كانت أرضا خصبة لاحتضان هذا الفن ورعايته وتطوره خلافا لغيرها من الحواضر، وعاش أغلب الشعراء بهذه المدينة، ولا زالت هناك عائلات ضاربة في التاريخ ترعى الطرب الغرناطي، بل كانت هناك نساء قرويات يحفظن القصائد ويغنينها رغم أن الشعر كان بلغة عربية صعبة ومن مستوى عال، بل إن الفنانين الوجديين مثلوا المغرب في أغلب الملتقيات الموسيقية، في فرنسا ومصر، منذ مطلع القرن الماضي. وفي الأخير اختتم الندوة محمد بنعبد الله مدير مركز الدراسات والبحوث الغرناطية بالإشارة إلى تراجع الاهتمام بالطرب الغرناطي، في الوقت الذي كان الهدف من تأسيس المهرجان الذي بلغ دورته الثانية والعشرين، تطويره وتدعيمه والحفاظ على موروثه والعمل على توثيق الأعمال الفنية.