الوداد الرياضي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    أسعار النفط تقفز ب 4.5%.. برنت يتجاوز 104 دولارات وتوقعات بوصوله ل 150 دولارا    محمد صلاح سيغادر ليفربول نهاية الموسم الحالي    أكثر من 70% من الأساتذة الشباب يلجؤون للتعلم الذاتي لتعويض نقص التكوين    الأستاذ محمد معروف يكتب ✍️.. ''السائق الكَسَّاب        مجلة إسبانية: "طنجة المتوسط" يقود ترسيخ موقع المغرب كمفترق طرق استراتيجي للتجارة البحرية العالمية    النيابة العامة بالدار البيضاء: لا شبهة جنائية في حادث وفاة شخص بمقر الفرقة الوطنية والحادث نتيجة لإلقاء نفسه من الطابق الرابع    إحباط محاولة للتهريب الدولي للمخدرات    المغرب يستعرض فرص الاستثمار في المنتدى الدولي للاستثمار السياحي والفندقي ببرلين    ندوة دولية بطنجة تستشرف مستقبل المهن البنكية في ظل الذكاء الاصطناعي والتمويل الأخضر    قتيلة بقصف من لبنان شمال إسرائيل    الجواهري: بنك المغرب يعمل على تسريع إرساء سوق ثانوية للديون المتعثرة    حملة طوارئ لدعم الصحة والتعليم في القدس الشريف بتمويل مغربي    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    تراجع أسعار الذهب لليوم العاشر على التوالي    معسكر "أسود الأطلس" ينطلق بغياب اسم ثقيل    الكشف رسميا عن القميص الجديد للمنتخب الوطني (صورة)    محكمة "الطاس" تكشف ل"الأيام 24″ حقيقة طعن السنغال في قرار "الكاف"    نشرة إنذارية.. زخات رعدية ورياح عاصفية اليوم الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    الإمارات تعلن استشهاد متعاقد مغربي مع قواتها وإصابة 5 جنود في هجوم إيراني    لبنان يطرد سفير إيران    يوعابد: منخفض جوي أطلسي يحمل أمطارا غزيرة ورياحا قوية إلى المغرب    توقيف متورط في ابتزاز سائح بمراكش باستعمال العنف    أمريكا تحذر من هجمات تستهدف سفارتها ورعاياها بموريتانيا    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    باب الكبير يحتضن معرضا فنيا جماعيا بالريشة والصورة    المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة يفوز على تونس في بطولة شمال إفريقيا    بورصة البيضاء تغلق على تراجع طفيف    هذا المساء في برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية من الرباط :نظرات في سيرة محمد بن أحمد اشماعو، أديبا وباحثا في التراث الشعبي المغربي    الإعلام كسلاح من أجل هندسة الوعي في زمن الحرب والعدوان    لندن تحقق في حريق 4 سيارات إسعاف وسط شبهات بارتباط مجموعة بإيران    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم الموسيقى والأغنية والفنون الاستعراضية و الكوريغرافية برسم الدورة الأولى من سنة 2026    "وينرز" ينتقد التسيير في نادي الوداد    "وردة" تجمع "Inkonnu" ومنال بنشليخة    زخات رعدية ورياح عاصفية مرتقبة في عدد من مناطق المملكة    "حوار نقابي وزاري" يبحث مصير أطر مستشفى الحسن الثاني في أكادير    المغرب يعزز مجهودات التكفل بالسل    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    مطالب نقابية بمراجعة التعويض عن النقل لفائدة مستخدمي المكتب الوطني للمطارات    "جنة إيطاليا" رواية للكاتب جمال الفقير.. قراءة في عمق التجربة الإنسانية        مُذكِّرات    صندوق النقد الدولي: الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على آفاق النمو الاقتصادي للمغرب والبطالة تحد كبير    عامل إقليم ازيلال في زيارة لمستشفى القرب بدمنات لتفقد أحوال المصابين في حادثة سير    الصين تطلق حزمة جديدة من الإجراءات لتعزيز جاذبيتها أمام السياح    وهبي يفتح صفحة جديدة مع الأسود    مراكز الاقتراع تفتح الأبواب بالدنمارك    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    "ميتا" تطلق برنامجا عبر "فيسبوك" لاستقطاب صناع المحتوى    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اصطناع الأزمة
نشر في المساء يوم 21 - 02 - 2008

إذا كان الدفاع عن الأمازيغية هو بالنسبة للبعض مناسبة لإنتاج مواقف واصطلاحات ومقولات تتحمل عدة تأويلات وتذكي بعض الالتباس، ويمكن أن نتفق أو نختلف حول دلالاتها ومعانيها، فإنه أيضا مناسبة لإنتاج مواقف وسلوكات تتطلب في نظرنا مواجهة فكرية صارمة، وتنبيها واضحا إلى الأخطار المترتبة عنها والأضرار الجسيمة التي يمكن أن تتسبب فيها.
هناك اليوم في المغرب، خمسة أنواع من التصرفات والمواقف التي تحرف مجرى قضية العمل لتثبيت مكانة الأمازيغية، وتضر بالقضية، وتزكي مواقف المحافظين الذين مازالوا ربما يتجاهلون البعد التعددي لهويتنا، وتغذي مخاوف المترددين، وتهدد بنسف التراكم الحاصل على مستوى النقاش المتعلق بالأمازيغية وبالعودة إلى نقطة الصفر في هذا النقاش. وهذه المواقف والتصرفات هي :
أولاً: اعتبار الدفاع عن الأمازيغية مرادفًا لمحاربة العربية والعروبة. بمعنى أن المطروح علينا -حسب هذا التوجه- ليس هو السمو باللغة الأمازيغية إلى مستوى يضاهي ذاك الذي توجد عليه اللغة العربية فقط، بل العمل على دحرجة هذه الأخيرة إلى أسفل درك، وأن المطلوب ليس هو الاعتراف بأهمية المكون الأمازيغي في هويتنا فقط، بل نفي أي ارتباط بين جوهر تلك الهوية وبين العنصر العربي، واعتبار أن هذا العنصر كان وسيظل طارئا ووافدا ودخيلا وأجنبيا ومظهرا لمسخ وتشويه الهوية التي يتعين أن تعود إلى جوهرها الصافي المطهر من كل دنس.
وهكذا مثلا يعتبر الحسين أسكاي أن الحركة الأمازيغية هي «امتداد ومواصلة للنضال بعد نضال سابقيهم –يقصد الأمازيغيين- ضد التغريب، لكنها في دولة ما بعد الاستقلال تناضل ضد التغريب والتعريب» العالم الأمازيغي ع 92 –يناير 2008 ص 14. وهكذا تبدو الحركة الثقافية الأمازيغية هنا كحركة سلبية تناهض فلسفتها التعددية، فهي في الأصل حركة من أجل وقف مسلسل التهميش والإهمال الذي يتعرض له أحد مكونات الهوية، لكن البعض يريد لها أن تتحول إلى حركة لتهميش مكون آخر لذات الهوية، ويكون ذلك عبر محاولة إبراز التضاد القائم بين المكونين المحكوم عليهما نظريا بعدم التعايش، بينما هما في الواقع يتعايشان ويلتحمان. يقول ميمون أمسبريذ: «وفي كل مرة يكون عليك –أنت الأمازيغي المهجر- أن تترجم عبارة «المغرب العربي» إلى: مغرب ليس لك، وليس لك منه شيء، مادام هو مغرب العرب» ثاويزا. ع 130- فبراير 2008 ص 22. بمعنى أن هناك محاولة لطرح المسألة بالشكل التالي: عندما يحل أحد العنصرين يطرد الآخر، إلا أن الواقع خلاف ذلك. صحيح أن العنصرين قد «يتنافسان» في زمن محدود، ولكنه تنافس غير انتحاري ولا يتطلب تصفية أحد العنصرين للآخر، ففي الزمن الأغلب وأمام عنصر «خارجي» يلتحمان كأشد ما يكون الالتحام، لأن الوثاق الذي يجمعهما هو الدين الإسلامي الذي يعلنان معا انتسابهما القوي إليه. قبل سنتين نظم الطلبة المنتمون إلى جمعيات مدافعة عن الأمازيغية نشاطا عموميا برحاب كلية الحقوق بأكدال بالرباط، رفعوا خلاله العلم الأمازيغي ولافتة كتب عليها (لا لعروبة المغرب)، وتقدم إليهم مجموعة من أساتذة الكلية، طالبين منهم إضافة كلمة واحدة إلى اللافتة في نهاية الجملة لتصبح على الشكل التالي (لا لعروبة المغرب فقط). رد الطلبة المعنيون بلباقة وأدب أن المقصود هو هذا التعبير الأخير وأن على قارئ اللافتة أن يقرأها ب (فقط) مضافة إليها وإن لم تكتب.
يحق لنا أن نتفهم حماس هؤلاء الشباب، وألا ننطلق مسبقا من افتراض سوء نيتهم، ولكن من الواجب علينا تنبيههم، بدون وصاية، إلى أن تجارب المجتمعات تؤكد أن تراكم بعض الأخطاء الصغيرة يمكن أن يؤدي أحيانا إلى كوارث عظمى.
والأمثلة التي تقدم على إرادتنا كمغاربة للتحرر من الهيمنة الشرقية (كالنبوغ المغربي لعبد الله كنون والإنسية المغربية لعلال الفاسي) لا تعني رفض الفعل في الثقافة العربية من موقعنا كمغاربة أمازيغ، فهي ثقافتنا أيضا، ولنا القدرة على إبراز شخصيتنا الخاصة في صنع وتجديد وتمثل تلك الثقافة بدون تبعية للشرق.
ولقد أصبحنا نرى دعوات مبطنة وأحيانا مكشوفة إلى جعل الاعتراف بأمازيغيتنا يعني رفض «اللغة الوافدة علينا» وردها إلى «أهلها» وموطنها الأصلي، واعتبار أن الدارجة يمكن أن تحل محل العربية، بجانب الأمازيغية، وفك الارتباط بالمؤسسات وهياكل العمل المشترك بين البلدان العربية والتطلع إلى وحدة البحيرة المتوسطية كبديل، لأن مياهها هي التي عمدت إطار وحدتنا كمجتمعات ودول، وليس اللغة العربية أو التاريخ أو الدين الإسلامي أو إرادة مفترضة للعيش كقطب واحد عربي أمازيغي.
إن تعزيز مكانة الأمازيغية لا يمر بالضرورة عبر إضعاف اللغة العربية، وإلا انتقلنا من إرادة إغناء رأسمالنا الثقافي المشترك إلى تفقيره. لقد لعبت الدارجة وستلعب أدوارا مهمة في الإبداع والفنون والصحافة، ولكن لغة القوانين والوثائق الرسمية للدولة والتدريس يجب أن تكون هي العربية بجانب الأمازيغية. ولنا أن نتصور مثلا كيف سيكون رد فعل الساهرين على اللغة الفرنسية في فرنسا لو طرحت عليهم رسميا فكرة أن تعتمد -في وثائق الدولة الفرنسية ومدارسها- اللغة المتداولة شفويا بين عموم الشعب والمنفلتة من عقال القواعد المضبوطة للفرنسية. أما عن الوحدة بين البلدان، فإن العولمة تفرض خلق التكتلات الجهوية، والتكتل يكون مع الأقرب إليك كبلد، والأقرب إليك هو ذاك الذي تحس بأنه جزء منك ويحس بأنك جزء منه، وليس ذلك الذي تمليه عليك معادلة رياضية مجردة. ولكن هذا لا يعني أن العلم و»الرياضيات» لا يتدخلان، بل إنهما قد يساهمان في إنضاج الوعي الذي يفضي إلى مسلسل تكوين «الإحساس المشترك»، وهو مسلسل معقد وطويل.
ثانيًا: إنتاج موقف «انتقامي» من القضيتين الفلسطينية والعراقية. فلمجرد كون الضحايا في الحالتين عربًا، وزيادة في التأكيد على التخلص من عبء كل ما هو عربي، بدأت تلوح مؤخرًا في الساحة السياسية تباشير أطروحة قائمة على اعتبار القضيتين الفلسطينية والعراقية لا تهمان المغاربة لأنهم أمازيغ، والأمازيغ ليسوا طرفا في الصراع الدائر في المنطقتين.
يقول محند بودهان بهذا الصدد: «إن هذا الحضور «المتطرف» والهيمنة الطائفية للقضية الفلسطينية بوجدان وعقول المغاربة بفعل غسل الدماغ الذي يخضعون له يوميا عن طريق المدرسة والإعلام والأحزاب والسلطة، يجعل من فلسطين، ليست هي المستعمرة (بفتح الميم) من طرف إسرائيل كما يقولون، بل هي المستعمرة (بكسر الميم) لعقولنا والغازية لوجداننا والمحتلة لمشاعرنا. إن الاحتلال على هذا المستوى يصبح فلسطينيا وليس إسرائيليا». ثاويزا ع 130 –فبراير 2008 –ص 19. إذن فحسب هذا المنطق، فإن المغاربة مغرر بهم من طرف من أوحى إليهم بأن هناك احتلالا لفلسطين، وأن عليهم أن ينفضوا أيديهم من هذه الحكاية السخيفة ويعودوا إلى رشدهم، وربما كان الأجدى أن يعمدوا إلى مقاطعة الفلسطينيين، فكاتب الفقرة السابقة يتأسف لعدم تحقق هذه المقاطعة، فهو يصرح في نفس المقال بأن الحسن الثاني «لم يستطع تطبيق ما دعا إليه من قطيعة مع الفلسطينيين هياما من الضحية بجلادها كما في العلاقة المازوشية».
ماذا عسانا نقول إزاء هذا الكلام؟ هل نذكر بالأمريكية الشابة راشيل كوري التي قتلتها جرافة إسرائيلية في 16 مارس 2003، لأنها انتقلت إلى أريحا للتضامن مع الفلسطينيين في مواجهتهم للاستيطان، وهل نذكر بعشرات الملايين من البشر من مختلف الديانات والجنسيات الذين نزلوا إلى الشوارع للتنديد بغزو العراق. إن جميع هؤلاء يلتقون حول فكرة واحدة وهي إعادة الاعتبار للشرعية الدولية التي تدين الاحتلال. فإذا كان بإمكان هذه الفكرة أن توحد سائر الناس في كل القارات، فلماذا لا توحدنا مع الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم. الجواب الذي يقدمه أحمد الدغرني بسيط: إن العرب ليسوا معنا، فلا يمكن أن نكون معهم وسنتحالف مع أعدائهم، فهو يقول «أعطني من العرب واحدًا يعلن مساندته لنا ويوجه نداء لحمايتنا هنا في المغرب. ومن القتل الذي تتعرض له ثقافتنا هنا في المغرب»، ولذلك فهو يتوجه إلى الإسرائيليين بقوله: «نسعى إلى أن يقفوا معنا في الأمم المتحدة وأن يحرجوا العرب»، و»أنا سأقود المعركة من أجل أن يقتنع العرب بأننا لسنا ضعافا وبأننا سنخلق حلفاء ضد أعدائنا». بهذا المنطق يتم التأسيس للتطبيع مع إسرائيل، بينما اختارت القوى الديمقراطية في المغرب وفي سائر البلدان العربية أن تعتمد سلاح المقاطعة كأداة ضغط لحمل الإدارة الإسرائيلية على تطبيق القرارات الأممية والجنوح إلى السلم. واعتبر الدغرني أن زيارته لإسرائيل لم تغضب الشعب المغربي، «غضب مني القوميون العرب وليس الشعب المغربي، لأنه لم يعبر عن شيء، فمن غير 3 أشخاص لم يتكلم ضدي أحد (...) ولم يتكلم ضدي أي زعيم سياسي..»، المغرب الدبلوماسي –فبراير 2008 –ص 4.
ثالثًا: مخاصمة التاريخ، ويجري ذلك عبر عملية ثلاثية:
إعادة كتابة التاريخ. هناك وجه إيجابي لإعادة كتابة التاريخ يتجلى مثلاً في الاحتفاء بتاريخ الوطن في كل مراحله، بما فيها تلك السابقة على الإسلام. لكن الوجه السلبي للكتابة الجديدة يبرز مثلاً من خلال «الاكتشاف» الكثيف، بدون سند أحيانا، لوقائع اضطهاد الأمازيغ كمعطى شبه قار، ولكون الأمازيغ أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئا، وكل ما قدموه نسبه «الآخرون» إلى أنفسهم ومنحوا الأمازيغ بالمقابل الذل والهوان... إلخ.
إعادة قراءة التاريخ. وتعني تقديم تأويلات جديدة لوقائع محسوم في ثبوتها، فبالنسبة إلى تاريخ المغرب المستقل مثلاً، أصبح يستحضر البعد العرقي في عملية تصفية جيش التحرير «المنحدر من الأصول الأمازيغية القروية»!
ج- «تصحيح» التاريخ. أي الدعوة إلى تدارك «الأخطاء» التي شهدها التاريخ، ومن ذلك مثلاً، التفكير في معالجة التعلق «المرضي» الذي كان الأمازيغي يبديه إزاء لغات غير لغته الأصلية وعدم وعيه بذاته، فوجب تخليصه من هذا الابتلاء. لكن تعلق الأمازيغي بالعربية لم يكن مرضيًا لعامل بسيط، لأن ذلك التعلق يترجم شدة تعلقه بالدين الذي حمل إليه تلك اللغة، التي اعتبرها لغته، فطورها وأجاد فيها وأبدع، وعلمها لشعوب أخرى، وضخ فيها عبير أرضه ونسائم ترابه وصور محيطه وعناصر شخصيته، وخلق بواسطتها أدبا وفقها وثقافة لها ذاتيتها الخاصة وطابعها الإفريقي الشمالي والأندلسي. وبقدر ما «تبنى» الأمازيغي اللغة العربية واعتبرها معبرة عن بعد أساسي في شخصيته الوطنية، حافظ على اللغة الأمازيغية وحماها من الذوبان والموت، وهذا إنجاز تاريخي عظيم وباهر يؤكد استمرار وعي الإنسان الأمازيغي بذاته وبكافة أبعاد شخصيته، بينما كان مصير اللغة المصرية القديمة واللاتينية والفينيقية هو الاندثار.
رابعًا: الإيحاء بقيام حرب أهلية، وفي هذا الإطار جاء بجريدة العالم الأمازيغي ع 92 –يناير 2008 ص 2 أن «الأستاذ خالد الزيراري نائب رئيس الكونغرس العالمي الأمازيغي أوضح أن هذا التقرير المعنون بالأبارتايد ضد الأمازيغ بالمغرب تقرير مواز للتقرير الرسمي المغربي قدمه الكونغرس العالمي الأمازيغي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف»، وأن الأستاذ المذكور «قام باستعراض مجمل الانتهاكات والخروقات ضد حقوق إيمازيغن بالمغرب». وبجريدة مغربية مثل ثاويزا، أصبح عاديا أن نقرأ بيانات وتصريحات من قبيل «تحية نضالية لكل من يسعى إلى التحرر والانعتاق من قيود الهمجية والتهميش التي تطال الشعب الأمازيغي. و»على المستوى الاقتصادي يعاني الشعب الأمازيغي من سياسة نزع الأراضي واستنزاف ثرواته، وعلى المستوى الاجتماعي مازالت المناطق الأمازيغية خالية من أدنى شروط العيش الكريم. لجأ المخزن إلى تسخير بعض العصابات المتمركسة ذات الطرح العروبي. ندعو الشعب الأمازيغي إلى الانخراط مع الحركة الثقافية الأمازيغية في معركتها من أجل كرامة الإنسان الأمازيغي. هذه المحاكمات هي محاكمات لكل أمازيغي حر ومتشبث بحقوقه الطبيعية المشروعة». و»التنديد بكل الممارسات العنصرية والإقصائية التي تستهدف وجود الإنسان الأمازيغي –تنديدنا بالاعتقالات التعسفية التي طالت وما تزال تطال المناضلين الأحرار للشعب الأمازيغي.. وبكافة أشكال الميز العنصري التي يتعرض لها الشعب الأمازيغي- تأكيدنا على ضرورة وقف كل السياسات التعريبية التي تستهدف وجود الإنسان الأمازيغي وضرورة المساواة بين الطلبة المغاربة (المنحة، النقل، الحي الجامعي...)». ع 130 فبراير 2008 ص 20-17-9.
من يصدق هذا؟. هل نحن فعلاً في حرب أهلية ضد بعضنا البعض؟ هناك بكل تأكيد دلالات عنصرية في خطابنا الشفوي، لكن ليس هناك نظام شامل قائم على إرادة طرف في اضطهاد طرف آخر على أساس اللغة أو الأصل أو الموطن داخل المغرب. هناك تفاوتات في مستويات مختلفة من حياتنا، وهناك غياب لتكافؤ الفرص من عدة أوجه، لكن ذلك غير مبرمج مسبقا لفائدة إثنية معينة. لقد تحقق تمازج كبير بين مكونات شخصيتنا الوطنية ومازال مسلسل التمازج يبدع عادات جديدة كظهور العروس باللباس الأمازيغي في الوسط الحضري بمناطق غير ناطقة بالأمازيغية. وكما يعبئ الأصولي الديني الجماهير الغارقة في البؤس والفاقة والتهميش ويحاول أن يفسر لها سبب وضعها هذا بالطابع اللاديني لتدبير الدولة واقعيا في نظره، فإن أصولية جديدة تحاول أن تفسر تدهور الأوضاع الاجتماعية -خاصة في مناطق معينة- بخلفيات عرقية أو لغوية.
خامسًا : ممارسة لعبة «الاستشهاد» الحزبي. ويهم ذلك قضية الحزب الديمقراطي الأمازيغي. فبعض قادة هذا الحزب يصنعون كل شيء ويقومون عن سبق إصرار بكل ما هو «ضروري» لانتزاع قرار بالمنع القضائي لحزبهم، لاعتقادهم ربما أن الربح الذي سيدره عليهم هذا القرار هو أوفر مما سيتمكنون من تحصيله بواسطة كدهم واجتهادهم ومدى مصداقية توجهاتهم، وبذلك سيمتلكون «الحجة التاريخية» على وجود سياسة اضطهاد منهجي ل»كل ما هو أمازيغي»! وإلا فما السر في كل هذا الإسهال الكلامي المصاحب لعرض قضية الحزب أمام القضاء، والمتمثل في تصريحات وطروحات مغالية ومستفزة ومشحونة بلغة عدائية إزاء المكون العربي في شخصيتنا الوطنية.
إن الرد على هذا التطرف في نظرنا، يكون بتمثل روح المخاض الذي عاشته المسألة الأمازيغية من عام 1967 إلى عام 1991 وأفرز في 5 غشت من هذه السنة ميلاد ميثاق اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وبالنضال ضد قمع الحركات الاجتماعية والتنديد بأخطاء النظام في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية، وبتجنب الانزلاق نحو أي تطرف مضاد يقوم على الاستهانة بأهمية ومشروعية تعهد وإنماء الجذر الأمازيغي في كياننا الثقافي الوطني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.