د. محمد كرواوي السبت 7 مارس 2026 - 0:34 هل يمكن لتركياوأذربيجان إيقاف الاعتداءات على دول الخليج؟ منذ سنوات طويلة، تعيش منطقة الخليج العربي على إيقاع توتر دائم مصدره الصراع المفتوح بين إيران وجوارها الإقليمي. وقد اعتادت المنطقة أن ترى الاعتداءات الإيرانية في أشكال متعددة، مرة عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، ومرة عبر الأذرع المسلحة المنتشرة في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط. ومع كل موجة تصعيد يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ما الذي يمكن أن يضع حدا لهذا النمط المتكرر من الاعتداءات؟ لقد حاولت دول الخليج خلال العقود الماضية بناء معادلة ردع دفاعية تعتمد على تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز تحالفاتها الدولية، خصوصا مع الولاياتالمتحدة والقوى الغربية. وقد نجحت هذه الجهود إلى حد بعيد في تقليص أثر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، بفضل منظومات الدفاع الجوي المتطورة وشبكات الإنذار المبكر. غير أن هذه المعادلة، رغم أهميتها، ظلت في جوهرها معادلة دفاعية، أي أنها تركز على اعتراض الهجمات أكثر مما تركز على منع وقوعها. ومن هنا بدأ يطرح سؤال جديد في الأوساط الاستراتيجية: هل يمكن أن يتغير ميزان القوة الإقليمي إذا دخلت قوى أخرى على خط المواجهة مع إيران، وفي مقدمتها تركياوأذربيجان؟ إن النظر إلى خريطة المنطقة يكشف أن إيران ليست محاطة بدول الخليج وحدها، بل تمتد حدودها شمالا إلى منطقة القوقاز حيث تقع أذربيجان، الدولة التي ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع تركيا. وقد أظهرت التطورات التي شهدها جنوب القوقاز خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد حرب ناغورنو كاراباخ، أن المحور التركي الأذربيجاني أصبح قوة إقليمية صاعدة قادرة على التأثير في موازين القوة في هذه المنطقة الحساسة. وتكمن أهمية هذا المتغير في أن دخول تركياوأذربيجان على خط التوازنات مع إيران لا يعني مجرد إضافة طرف جديد إلى معادلة الصراع، بل يعني فتح جبهة جيوسياسية مختلفة تماما. فإيران التي اعتادت إدارة صراعاتها عبر جبهات الجنوب والشرق الأوسط، قد تجد نفسها أمام ضغط استراتيجي قادم من الشمال، وهو ما يغير طبيعة الحسابات العسكرية والسياسية في طهران. إن تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، تمثل قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها في أي معادلة أمنية تخص الشرق الأوسط أو القوقاز. أما أذربيجان، فهي تمتلك موقعا استراتيجيا حساسا على الحدود الشمالية لإيران، إضافة إلى علاقاتها العسكرية المتقدمة مع تركيا، الأمر الذي يجعل أي تقارب بين الدولتين عاملا مؤثرا في التوازنات الإقليمية. ومن هنا فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكانية دخول هاتين الدولتين في مواجهة مباشرة مع إيران، بل بمدى تأثير وجودهما في المعادلة الاستراتيجية المحيطة بها. فالدول، في حسابات الجغرافيا السياسية، لا تتصرف دائما وفق منطق الحرب المباشرة، بل وفق منطق توازن القوى. وأحيانا يكون مجرد تغير ميزان القوة كافيا لردع طرف ما عن الاستمرار في سياساته التصعيدية. وفي هذه الحالة، قد تدرك طهران أن استمرار الاعتداءات على دول الخليج لم يعد مجرد مسألة صراع محدود في الجنوب، بل قد يؤدي إلى فتح جبهات جديدة في الشمال لا تقل خطورة. وهذا الإدراك وحده قد يكون كفيلا بإعادة النظر في حسابات التصعيد. غير أن هذا السيناريو لا يخلو من تعقيدات. فدخول تركياوأذربيجان بشكل مباشر في مواجهة مع إيران قد يؤدي في المقابل إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة بأسرها، وهو احتمال لا تنظر إليه القوى الدولية بارتياح. فالشرق الأوسط اليوم يعيش توازنا دقيقا بين الردع والتصعيد، وأي خلل كبير في هذا التوازن قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة من المواجهة المفتوحة. كما أن إيران نفسها تدرك أن القوقاز يمثل أحد مفاتيح أمنها القومي، ولذلك فإنها تنظر بحذر شديد إلى أي تحركات عسكرية أو سياسية قد تغير موازين القوة في تلك المنطقة. ولهذا السبب، فإن العلاقة بين إيران وكل من تركياوأذربيجان ظلت خلال السنوات الماضية مزيجا من التنافس الحذر والتعاون المحدود. ومع ذلك، يبقى الاحتمال قائما بأن يؤدي تغير التوازنات الإقليمية إلى فرض معادلة ردع جديدة. فالدول لا تغير سياساتها عادة بدافع النوايا الحسنة، بل عندما تدرك أن كلفة الاستمرار في التصعيد أصبحت أعلى من كلفة التراجع. ومن هنا يمكن القول إن وقف اعتداءات الحرس الثوري الإيراني على دول الخليج لن يتحقق فقط عبر الدفاعات الجوية أو الإدانات السياسية، بل عبر إعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة بأكملها. وعندما تدرك طهران أن توسيع دائرة الصراع قد يفتح عليها جبهات متعددة من الجنوب والشمال في آن واحد، عندها فقط قد تبدأ مرحلة جديدة في معادلة الأمن الإقليمي. إن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لا تتحرك في خطوط مستقيمة، بل في دوائر متداخلة من المصالح والصراعات. وفي قلب هذه الدوائر يقف الخليج العربي باعتباره أحد أهم مفاتيح الاستقرار الدولي. ولذلك فإن أي تحول في موازين القوة حول إيران، سواء جاء من الجنوب أو من الشمال، سيبقى عاملا حاسما في تحديد مستقبل الأمن في هذه المنطقة الحساسة. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة