حين يعجز الفكر المتطرف أن يعرض منتوجه بشكل مقبول، وحين يفشل في امتلاك نسق مترابط يجمع موضوعاته، ويرتبها وفق منهج ناظم، وحين يعدم أدوات التحليل، يغير حينها أسلوبه في الخروج والظهور للمجتمع. تبدأ الحلقة الأولى بتبسيط القناعات وتجزيئها وحشدها وتسييجها بجملة من الأدلة والشواهد من غير اعتبار للسياقات والمقاصد، فالمطلوب هو كراسة مدرسية تخرج نمطا واحدا من التفكير، وأسلوبا موحدا في تمثل الحياة وإنتاج المواقف. يتوسل الفكر المتطرف حينها بناء الخطاب التعبوي التحريضي بهدف الاستقطاب. هو لا يعنى أساسا بالنوعية وطبيعة العينة المستهدفة، وإنما ينصرف همه لتجميع شريحة ملتزمة بقضاياه ومواقفه، بغض النظر عن تكوينها الشرعي، وموقعها الاجتماعي. وقد يتوجه الخطاب أحيانا وبقصد، على فئة لا تتوفر على الحد الأدنى من الثقافة، وتتصنف بحسب المنظور الماركيوزي ضمن المنبوذين والمهمشين ممن جعلهم في صلب مشروعه التغييري طليعة للثورة وخميرتها. ثم تأتي الحلقة الثانية ضمن مفاصل هذا التوجه، إذ يسعى إلى افتعال سجال تناحري مع كل المواقف وكل الأطراف وكل الوجوه البارزة، لكي يبرر التميز في الطرح، والمفاصلة في الموقف. إنه بهذه الحرب التكفيرية التي يعلنها على الجميع، يسهم في إشباع رغبة فكرية ونفسية لدى المناصرين لمنطقاته، والمدافعين عن مواقفه، إذ تتزكى قناعاتهم كلما رأوا أن المجتمع بمكوناته وفعالياته يمضي في تجاه التصدي لأفكارهم ومنطلقاتهم. إنها باختصار، مواقف فكرية وسياسية عدائية للمجتمع، تنتج عنها بالضرورة ردة فعل طبيعية، يستفيد منها التوجه المتطرف لإعطاء مصداقية لمنطلقاته ومواقفه. فالهجوم على القيادات السياسية والجمعوية، واستهداف النظام السياسي ومؤسساته، ومناهضة الحركة الإسلامية وقياداتها الجماهيرية، وإعلان العداء للدعاة والفعاليات الدعوية، بخطاب واحد لا نتوءات فيه قصده هو تحريك الجميع ضد منطلقات هذا الفكر، حتى يتم تمرير كل القناعات التبسيطية الأولى التي يجعلها الفكر المتطرف قاعدته المذهبية، ومركز رؤيته ومنطلق استقطابه ودعايته، وعلى رأس هذه القناعات مقولة افتراق الأمة والفرقة الناجية. إنها مقولة شرعية لها سياقها وملابساتها، ولها أيضا تأويلاتها وتوظيفاتها في حقل السياسة. غير أنها اليوم توظف بكثافة في التوصيف والتشخيص من جهة، وفي التأسيس والتبرير من جهة أخرى. فالحديث عن افتراق الأمة، وتعدد طوائفها وأحزابها يبرر للفكر المتطرف هجومه ومناهضته لكل القوى الفاعلة في المجتمع، فهو لا يقوم بجهد كبير في إقناع الأتباع بحقيقة الراهن الحالي، وتوصيف الحالة وتشخيصها. إنه فقط يسحب الحديث على الوضعية العامة التي يعيشها النسيج المجتمعي بنحو متكلف، ويجتهد في وضع مكونات الأمة ضد الخانات المناسبة. وما أسهله هذا التوصيف حين يصنف الفرق الضالة، فهو حينها يمهد لبناء خطابه التأسيس الذي يبرر فيه لوجوده. إنه بلغة واضحة، ينطلق من الحديث النبوي ليبرر شرعية وجوده: فهو الفرقة الناجية التي تتوفر فيها كل مقومات النجاة وصفاتها، فهو ينطلق من المصادر الشرعية كتابا وسنة، ومنطقه يرفض التحزب، وهو يرى في السلف مرجعه ومصدر استلهامه لرؤيته، ويرى في عقيدة الولاء والبراء أصلا في تبرير استهداف الكفار من الأجانب، ومن هذا الأصل بالضرورة يتفرع استهداف النظم السياسية، باعتبارها موالية لأهل الكفر، ساعية في تحقيق مطلوبهم، وتنفيذ سياساتهم الظالمة. ولن يعدم الفكر المتطرف أن يبصر صور المظلومية السياسية للأمة، وأن يرتكز على مظاهر اللاتوازن في موازين القوى في العالم، والمكاييل المختلفة التي تعتمدها القوى المتنفذة في التعامل مع قضايا الأمة المركزية كفلسطين والعراق وغيرها من القضايا، لبناء عناصر القوة في برنامجه السياسي. ينطلق الفكر المتطرف إذن من العجز إلى القوة، إذ يفقد كل معيار مؤسس حينما يعرض مقولاته الفكرية ويستدل عليها، لكنه يرتد قويا حينما يدخل على عالم السياسة، فيصير معارضا سياسيا في الداخل، ومناهضا قويا للمصالح الخارجية للقوى المتنفذة ولاستراتيجيتها في المنطقة، وتتقاطع بذلك بعض أطروحاته مع مشاريع مجموعة من الفعاليات الحية في هذه الأمة. وحين يشعر هذا الفكر المتطرف أنه قارب القوة أو امتلكها، يتحول إلى ممارسة العنف والتصفية، ويذهب به غروره إلى مستوى التبني المشرعن لكل عملية، ووضعها ضمن السياق العام لرؤيته وكسبه السياسي ورهاناته الاستراتيجية. ليس خافيا إذن من خلال هذه العجالة، أن أضعف حلقات هذا التوجه هو المنطلق الفكري، وأسوأ مقاربة لمواجهته هو المقاربة الأمنية، إذ أنها تقوي عضده، وتجعل لمواقفه السياسية واجتهاداته الاستراتيجية بعض المصداقية ضمن هذا الواقع المختل بجميع المقاييس. إن الإمساك بالمنطلق الفكري، وتمحيصه وعرضه للنقاش والنقد والمراجعة، وتفعيل الحركية الاجتماعية في تجاه محاصرة مواقع التطرف الفكرية، وتعزيز مواقع الاعتدال، يعتبر المدخل الأنسب للمعالجة، على أن تنضاف إليها المعالجة السياسية والاقتصادية و الاجتماعية ثم الأمنية. وما لم نقتنع بهذا المدخل الفكري فسنظل نواجه هذا التطرف من خارج القناة الرئيسة، وسنسمح له بالتقوي والتنامي ما دام يجد في اختلالات السياسة في العالم مبرره للاستقطاب والاستهداف. مطلوب إذن أن نبصر حلقات الضعف لدى هذا التوجه المتطرف، وأن نوجه له السهام القاتلة حتى نضعف أدواته الاحتجاجية والاستدلالية. وهي مهمة موكولة بدرجة كبرى للعلماء والدعاة، ثم بدرجة أقل إلى الحركة الإسلامية وقواها الحية. وغني عن البيان، أن الفاعل الحركي الإسلامي إن لم يبادر لضرب حصون التطرف من قواعدها، سيكون المتضرر الأول في حقل الفكر والسياسة، ومن ثمة فالمهمة مطروحة عليه ليحصن المكتسبات، ويعزز مواقع الخط السلمي المعتدل، وينخرط بكل قوة في معركة المواجهة الشاملة لمواقع التطرف، حتى يبرئ ساحته وساحة خطابه ومرجعيته من أي استهداف مرتقب.