"سكنتني حين ودعتها" رحلة حجازية حبلى بالأشواق والمعاني السنية لا يسع المرء إلا أن يذوب في أوراقها من أولها إلى آخرها، وقبل أن أحكي قصتي معها أود أن أعرج أولا على طريقة الوصول اليها. علمت بأن لقاء ثقافيا رُتِّب لمناقشة هذا العمل البهي على طريقة كل المناسبات الثقافية التي تحتفي بالكتب والكتاب، وأن هذا اللقاء لم يتم، وكان من أخبرني هو الصديق الشاعر محمد سعيد المقدم إذ و ضعني في الصورة كاملة واقترح علي استضافة الكاتب في حلقة من حلقات صالون وعي مثنيا على الكتاب ومعرفا بجنسه ؛ شكرته على اهتمامه وبادرته ووعدته أن أعرض الأمر على المشرفين على هذا الصالون الثقافي الذي نرجو أن تكبر شجرته وتزداد غلتها في سماء الثقافة بهذه المدينة الجميلة – طنجة – العالية. أتصلت بالأخ المشرف الأستاذ محمد كرم، وأبدى استعدادا لذلك من حيث المبدأ في انتظار القرار النهائي؛ وتقرر إدراج الكتاب في الحلقة المقبلة وكان ذلك في رمضان المبارك؛ وبسبب تعارض بعض المواعيد تأجل الموعد إلى الموعد المرتقب في 27 مارس 2026 بعد عيد الفطر بحول الله. وفي تواصلي مع الأستاذ عصام الهيشو، صاحب الرحلة ومؤلفها، من أجل ترتيب فقرات الصالون سألته عن المكتبات التي تبيع الكتاب حتى نأخذ نسخا للأساتذه الذين سيناقشونه، وأخبرني بأنه سيأتيني بالنسخ. وكذلك كان وقد أتى بالكتب موشحة بإهدائه، وكان من بينها نسخة لي فاجأني بها جزاه الله خيرا؛ وكان اللقاء به في الشارع قبيل وقت الإفطار نظرا لارتباطه بالتزامات عائلية؛ تسلمت النسخ وتعرفت عليه مباشرة لأول مرة. أغراني حجم الكتاب بقراءته من غير تأجيل أو تسويف، وتذكرت "رواء مكة" التي ارتويت منها ببعض الأحداث والمشاهدات وهي أحدث ما كتب في الرحلة الى الديار المقدسة، وحدثتني نفسي، وكأنها تذكرني بالفارق بين كاتب ملأ الدنيا وآخر في أول الطريق عاش تجربته وهو بعد طالب في الجامعة، وحكاية الأحوال ليست كحكاية الأحداث، لكني قلت بأن العبرة بالحكم بعد المعرفة والاطلاع، والمرء بأصغريه لا بسنه. قرأت الكتاب في ثلاث جلسات إذ لم أجد الوقت لأقرأه مرة واحدة رغم طمعي في ذلك، وصعوبة فطامي عن متابعة مجريات الرحلة في جو من الامتاع لدرجة الإحساس بطرب وجداني يجعل القارئ يتذوق المعاني ويتلذذ بالألفاظ والعبارات الناطقة بها؛ وعندما تكون للسرد هذه السطوة فإنه ينقل القارئ إلى قلب الأماكن والأحداث حتى تكون أقرب إلى الحضور فيها حضور الشاهد المنفعل بما يراه معاينة، ولربما كان الحضور أبلغ من ذلك حين يتلبسه سحر البيان ويلفه صدق الوجدان. يبدأ السرد في صباح يوم عادي ككل الأيام التي يطبعها تكرار العادات ورتابة الحركات حتى أنه يصف نفسه وهو ينهض من فراشه على وقع رنين المنبه قائلا: اقتلعت جثتي من فراشي الوثير بصعوبة كشجرة امتدت فروعها عميقا (ص 9)"، وهذا الاستهلال سواء كان بقصد الكاتب أو بدونه كان في غاية الاتساق مع ما سيأتي من تغير النشاط ومفارقة للدعة والخمول وإقبال على مكرمات لا قبل للخامل بمباشرتها؛ ثم يمضي بنا ليرنا كيف كان قدر الله يجري فتدفعه الأمنيات الى إدخار الدراهم لشيئ آخر غير زيارة بيت الله بمكة ومسجد رسول الله بالمدينة، وكيف أن الكثير من الإشارات كانت تتجه لغير مقصوده دون أن يدري، ويحكي ذلك بأسلوب يأخذ بالألباب؛ لم يكن ما يجنيه من عمله بالكثير، غير أن ميزته هو أنه مكتسب بعرق الجبين وكد الأيام، أي أنه مال حلال وهو شرط لجعله في عمرة سيكتبها الله عز وجل له. وقد أشرت إلى أن المؤلف خاض تجربته هذه وهو شاب، وأداء العمرة بالنسبة للشباب في عمره ليس أولوية ولذلك كان يرى نفسه غير مؤهل لارتقاء ذلك المقام السني ويحضى بشرف السلام على رسول الله عند قبره الشريف، ولأنه كان يتهب من ذلك كانت الهواجس والوساوس تهجم عليه كلما تقدم خطوة لحسم اختيار الذهاب لأداء العمرة، وحتى يوم سلم المال للسيد خليل من أجل الحجز النهائي كان التردد ما يزال يساوره ويقول: أعطيت المال بيد مثقلة وقلب مدنف وجسد مرهق وخرجت كشخص هارب يحاول الفرار والتواري عن الأنظار (ص26). ويختم الفصل الأول وقد زاد تهممه وتعلقه بفكرته واختياره حتى أنه يعلق على شدة ما لقيه من تعب في يومه الأخير قبل السفر بالقول: أما الروح فلا تعب ولا نصب (ص 30). ويبدأ الفصل الثاني وهو أكبر فصول الكتاب، وبأسلوب كأنه الماء العذب يروي عروقا ظمئة، ينتقل بالقارئ من لحظة استيقاظه قبل الفجر وهو في حال كأنه يطل على الحياة لأول مرة فيرى كل شيئ جديدا وفي بريقه الأول (ص36) ويأخذه ببراعة الوصف وجزالة اللغة خطوة خطوة وهو يمشي محفوفا بجناحي الرضا بين والديه حتى يركب الطائرة التي ستقله إلى جدة، ويتوقف عند مشاهد رائقة في الطائرة قبل أن يصف المشاهد الأخيرة من مطار جدة إلى مطار المدينةالمنورة؛ وهناك في المدينةالمنورة سيزداد الوصف جمالا وتحلق العبارات في سماء الفيض، حتى أنك لتندهش من موافقة العبارة للحال وهذه موهبة لا صنعة فيها. وجدير بالذكر أن أجمل الفقرات في هذا الفصل وهي بالعشرات تلك التي تشتعل أشواقا وتفيض روحانية حتى إذا رأيته دامع العين فارت منك العبرات حتى تجدها قد انحدرت على خديك. وإذا رأيته ملتاعا شعرت بحرارة ذلك في صدرك. عتابي عليه وأنا أعيش معه رحلته البهية بناء ومضمونا أنه كان مختصرا جدا في الحديث عن زيارته لمنطقة غزوة بدر الكبرى، وقد قطع صحبة رفاقه 150 كليلومترا، كي يراها، تمنيت أن أستعيد معه بأسلوبه الفاتن مجريات المعركة وما أحاط بها من وقائع مبهرة وآيات معجزة. وبنفس الهمة والنشاط والشوق يأخذك في الفصل الثالث إلى رحاب بيت الله الحرام وجواره، وهناك يتحفك بجميل القول وكريم الأفعال حتى أنك لتمر على المناسك فتؤديها مجازا، وتمر على الأماكن فيخيل اليك أنك فيها. ولأنني لا أريد أن أحجب عن القارئ بهجة الاكتشاف بنفسه آثرت ألا أن أنقل من هذه الرحلة إلا ما رأيته كافيا للتعريف بها وحضور مناقشتها بحول الله وقوته. وأخيرا أرجو أن يتم إصلاح بعض الهنات الناتجة عن الرقن في الطبعات القادمة. والله الموفق.