انهيار ترابي يتسبب في إغلاق مؤقت للطريق الوطنية رقم 2 بين الحسيمة وتطوان    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحقق 6 مليارات مشاهدة رقمية    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    المجلس الوطني..    رياح عاصفية تتسبب في انقلاب شاحنة بإقليم الحسيمة    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    مجلس الحسابات يسترجع من الأحزاب 36 مليون درهم غير مستحقة ويطالبها بإعادة 22 مليونا أخرى    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    صناعة الأبطال والرياضة المدرسية.. رؤية الحكومة لضمان الاستدامة الرياضية ببلادنا    تجديد الترحيب بالمغرب كعضو مؤسس في مجلس السلام... إشارات سياسية تؤكد مركزية المملكة في معادلات الاستقرار الدولي    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    البرلمان المغربي ينظم أشغال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي-الفرنسي    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    حزب التقدم والاشتراكية يدعو إلى مقاربة شمولية لمونديال 2030 وينبّه إلى الفوارق المجالية    الاتحاد الإفريقي في ورطة ويبحث عن "مُنقذ" لتنظيم نسخة 2028    المالكي يرفض "التدخل السافر" في الشؤون العراقية بعد معارضة ترامب ترشيحه لرئاسة الوزراء    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    إفريقيا تترقب قرارات "نهائي الكان" .. وأدلة دامغة تقوي مواقف المغرب    أشرف حكيمي يعود إلى باريس سان جيرمان لمواجهة نيوكاسل في دوري الأبطال        أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الأربعاء    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين    البطل عمر حموليلي يشرّف العرائش ويتألق في بطولة كتالونيا بإسبانيا    المغرب أكبر من هزيمة... والإنجازات أصدق من الضجيج    الأمطار تتسبب في قطع المقطع الطرقي بين سيدي علال التازي ودار الكداري    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا        بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    فيلم صُوّر في طنجة يفتتح مهرجان مالقة ويواصل تألق مريم التوزاني دوليًا    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أبراج نيويورك إلى رمال الساحل .. الإرهاب يعيد رسم خرائطه العالمية
نشر في هسبريس يوم 10 - 01 - 2026

في يوم الحادي عشر من شتنبر من العام 2001 استفاقت الولايات المتحدة الأمريكية والعالم على حدث استثنائي بكل المقاييس، سواء من حيث طبيعة الحدث نفسه أو من حيث طبيعة التأثيرات التي أفرزها لاحقًا. تسعة عشر عضوًا من تنظيم "القاعدة" قاموا باختطاف أربع طائرات تجارية أمريكية، اثنتان منها وجهتا نحو مركز التجارة العالمي في نيويورك، ما أدى إلى انهيار برجين، وأخرى استهدفت مقر "البنتاغون" في ولاية فرجينيا، بينما تحطمت الطائرة الأخيرة في ولاية بنسلفانيا، والحصيلة مقتل 2977 شخصًا.
وشكل هذا الحدث بداية ما تسمى "الحرب العالمية على الإرهاب" التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، الذي حمل حركة طالبان، التي كانت تسيطر على أفغانستان حينها، في خطابه الشهير أمام الكونغرس في 20 شتنبر من العام ذاته، مسؤولية إيواء وتدريب الإرهابيين، وتحديدًا تنظيم "القاعدة" الذي كان يتزعمه أسامة بن لادن، وهو ما كان مقدمة لتدخل عسكري أمريكي في أفغانستان بدعم من عدد من حلفاء واشنطن، ولاحقًا في العراق سنة 2003.
في خطاب إعلان هذه الخطوة في السابع من أكتوبر من سنة 2001 قال جورج بوش الابن: "بتعليماتي، شرعت القوات المسلحة الأمريكية في ضرب معسكرات تدريب تنظيم القاعدة والمنشآت العسكرية التابعة لنظام طالبان في أفغانستان"، مضيفًا أن "هذه العمليات الدقيقة والمستهدفة تهدف إلى تعطيل استخدام أفغانستان كقاعدة لعمليات الإرهاب، ولضرب القدرة العسكرية لنظام طالبان"، وزاد: "ينضم إلينا في هذه العملية صديقنا القوي، بريطانيا العظمى. كما تعهد أصدقاء مقربون آخرون، بما في ذلك كندا وأستراليا وألمانيا وفرنسا، بتقديم قوات مع تطور العملية. وقد منحت أكثر من 40 دولة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وآسيا حقوق العبور الجوي أو الهبوط لقواتنا، كما شاركت العديد من الدول الأخرى المعلومات الاستخباراتية... نحن مدعومون بإرادة العالم كله".
رهانات كبيرة وخلايا مرنة
روجت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على الإرهاب على أنها معركة وجودية حاسمة لتحييد الظاهرة الإرهابية، إذ كانت الرهانات كبيرة والتوقعات محددة، أي تفكيك بنية التنظيمات المسلحة والقضاء على قياداتها، غير أن الواقع على الأرض كشف، بعد مرور أكثر من ربع قرن على هذه الهجمات وما تلاها من أحداث سياسية في العديد من المناطق، قصور المقاربة الأمنية العسكرية الصرفة في القضاء على الإرهاب الذي انتقل من نموذج مركزي إلى شبكات متناثرة ركزت على التمركز في جغرافيات هشة أمنيًا، وصلت إلى قلب الساحل الإفريقي، مرورًا بعدد من الدول العربية، خاصة العراق وسوريا.
لقد كانت "أمننة" هذا التهديد الوجودي الإرهابي حينها نتيجة طبيعية للصدمة الإستراتيجية التي تلقاها العالم وهو يعاين مشهد اصطدام طائرتين ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، والدخان المتصاعد من قلب مقر وزارة الدفاع الأمريكية، ما أفرز استجابات دولية استثنائية وسريعة ضد الجماعات الإرهابية التي أثبتت قدرتها على التكيف وإعادة التمركز في فضاءات جديدة خارج أفغانستان التي كانت في التسعينيات "ملاذًا آمنًا" لها.
في هذا الصدد يقول الباحث المغربي في الشؤون الإستراتيجية والأمنية هشام معتضد إن المجتمع الدولي افترض أن تفكيك "القيادة المركزية" لتنظيم مثل القاعدة كفيل بتفكيك ظاهرة الإرهاب، وهو افتراض مستمد من المدرسة الكلاسيكية في مكافحة التمرد، غير أن التنظيمات الجهادية تحولت إلى شبكات لامركزية، أقرب إلى نموذج الخلايا المرنة، ما جعل مقاربة الاستئصال غير كافية.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح صحفي لموقع هسبريس، أن "الخطأ لم يكن في تضخيم الخطر الإرهابي، بل في سوء فهم طبيعته، إذ لم يكن الإرهاب حينها مشروع دولة، بل مشروع استنزاف طويل يعيد التموضع كلما تغيرت البيئة، وهو ما يجعلنا اليوم أمام تهديد أقل صخبًا، لكنه أكثر تعقيدًا وانتشارًا"، موضحًا أن "التنظيمات الإرهابية تبنت بعد التدخل العسكري في أفغانستان منطق الاستغلال الإستراتيجي للاضطراب، فهي لم تعد تحتاج إلى السيطرة الكاملة، بل إلى بيئة مشوشة تسمح لها بالتمدد التدريجي، وبناء التحالفات المحلية، واختراق الاقتصادات غير الرسمية".
عمليات عسكرية وشبكات لامركزية
شكل التدخل العسكري في أفغانستان والغزو الأمريكي للعراق في شهر مارس من العام 2003 فرصة للجماعات المسلحة للتقارب رغم اختلاف التيارات والمنطلقات الفكرية والإيديولوجية، ودخلت في ما يشبه "زواج مصلحة"، خاصة في العراق، حيث بايعت "جماعة التوحيد والجهاد"، التي أسست أواخر تسعينيات القرن الماضي بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، تنظيم القاعدة سنة 2004، وأصبحت فرعه هناك تحت اسم "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، رغم أن هذا التقارب لم يدم طويلًا بسبب الخلافات بين الزرقاوي وبن لادن.
كما وفر قرار حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية العراقية وتسريح عناصرها بقرار من الحاكم المدني في العراق، الأمريكي بول بريمر، في 29 ماي من عام 2003، للتنظيمات الإرهابية في هذا البلد آلاف العناصر العاطلة عن العمل والمدربة على حمل السلاح.
تبعات ما بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر على "التنظيمات الجهادية" أدت أيضًا في سياقات محددة إلى تعزيز الانقسامات والانشقاقات في صفوفها، إذ تؤكد سيلفيا كارينزي، باحثة إيطالية في شؤون قضايا التطرف والإرهاب الدولي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن "هجمات 11 سبتمبر كانت واحدة من النقاط الحرجة أو الأحداث التحويلية التي تركت أثرًا عميقًا على المجتمع الجهادي، إذ أثرت بعمق على الفاعلين الجهاديين، ليس فقط من حيث التعديلات الإستراتيجية، بل أيضًا على مستوى أعمق، مع تأثير على أيديولوجيتهم وفي بعض الأحيان هويتهم، فأحيانًا تجمع بين فاعلين متنوعين وتشجع على التزاوج الأيديولوجي والتنظيمي؛ أو على العكس تعزز الانقسامات القائمة مسبقًا بين الفاعلين المختلفين، ممهّدة الطريق للانشقاقات الكاملة مع مرور الوقت".
مع اندلاع أحداث ما بات يُعرف ب"الربيع العربي" سنة 2011 بدت التنظيمات الإسلامية المسلحة في البداية خارج المشهد، فالشارع كان سياسيًا ويطالب بالحرية والكرامة، غير أن الانهيار السريع لبعض الأنظمة العربية والصراعات الداخلية والفراغ السياسي وانتشار السلاح، إلى جانب العنف الطائفي، كلها عوامل شكلت فرصة سانحة لبروز المد الجهادي، خاصة مع إعلان "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) بقيادة أبو بكر البغدادي، في 29 يونيو من العام 2014، تأسيس "دولة الخلافة" في المناطق التي يسيطر عليها في العراق وفي شمال سوريا، قبل أن تسقط هذه "الدولة" في العام 2019.
وفي سوريا، يشير حمزة المصطفى، وزير الإعلام الحالي في حكومة أحمد الشرع، في ورقة بحثية له تحت عنوان "جبهة النصرة لأهل الشام، من التأسيس إلى الانقسام"، إلى أن "انتقال الثورة السورية إلى العسكرة كان نقطة تحول مهمة بالنسبة للحركات الجهادية، فقد كانت العسكرة بمنزلة الجسر الذي نقلها من فاعل غير مرغوب في مشاركته إلى فاعل مرحب به في مواجهة عنف النظام الذي تصاعدت حدته وانتشرت رقعته"، وزاد: "تأسيسًا على ذلك بدأت الحركات الجهادية مرحلة التعشيش أو البناء، وذلك من خلال استطلاع البيئات الحاضنة للفكر الجهادي ومعرفتها من أجل التغلغل فيها".
وسجل المتحدث ذاته أن "سوريا شهدت بداية عام 2012 دعوات عدة لإعلان الجهاد برزت في المظاهرات وفي مواقع التواصل الاجتماعي، واستغلتها الحركات الجهادية لتشرعن وجودها"، مبرزا أن "الحضور الواسع لهذه الحركات في معادلة الثورة أدى إلى تغير اتجاهات الرأي العالمي تجاه الثورة السورية من كونها قضية عادلة ضد الاستبداد إلى حرب أهلية يؤدي فيها الجهاديون دورًا مهمًا".
وشهد "المشهد الجهادي" في سوريا انشقاقات وخلافات وصلت حد الاشتباكات المسلحة والصراع على السيطرة بين التنظيمات المسلحة المنتشرة في البلاد بعد الثورة، أبرزها الخلاف بين "جبهة النصرة" التي كان يتزعمها أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، وبين "داعش"، و"هيئة فتح الشام" (النصرة سابقًا) وتنظيم القاعدة، وإعلان الجولاني فك الارتباط بها، قبل إعلان تأسيس "هيئة تحرير الشام" بين مجموعة من الفصائل، التي سعت إلى تبني نهج بديل عن نهج كل من "داعش" و"القاعدة"، وصولًا إلى إلغاء تصنيفها كمنظمة إرهابية من طرف الولايات المتحدة وبريطانيا عقب سقوط نظام الأسد ووصول الشرع إلى الرئاسة في سوريا.
منطقة الساحل والمسرح الجديد للإرهاب
بعد أفغانستان والعراق وسوريا، حيث أضعفت الانقسامات والصراعات التنظيمية وكذا التدخلات الدولية التنظيمات المسلحة، برزت منطقة الساحل الإفريقي كأهم مسرح جديد للإرهاب العالمي، خاصة في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، التي عانت من انقلابات عسكرية، هشاشة مؤسساتية، فقر مزمن، صراعات إثنية، وحدود سائبة. هناك وجد الإرهاب بيئة مثالية لإعادة التموضع، فقدمت الحركات الإسلامية المسلحة في هذه الرقعة الجغرافية نفسها كبديل عن الدولة: تسيطر على أراض واسعة وتفصل في النزاعات المحلية. وخلال هذا المسار تغيّرت وظيفة الإرهاب، إذ لم يعد الهدف الرئيسي هو إحداث صدمة عالمية، بل إدارة عنف مستدام وإقامة اقتصاد ظل طويل النفس.
في هذا السياق يعود هشام معتضد، الباحث في الشؤون الإستراتيجية والأمنية، ليؤكد أن "تحول التنظيمات الإرهابية المسلحة نحو الساحل لم يكن هروبًا، بل إعادة تموضع ذكية، خاصة أن المنطقة تجمع بين ضعف الدولة، هشاشة الحدود، اقتصاديات التهريب، وتراكم المظالم المحلية، ما يجعلها نموذجًا مثاليًا لما يسميها روبرت روتبرغ 'الدول الفاشلة جزئيًا'؛ كما أن 'داعش' و'القاعدة' لعبا دورًا مهمًا في هذا التحول، لكنهما ليسا العاملين الحاسمين".
وشدد المتحدث ذاته على أن "العامل الأهم هو تأثير الإستراتيجيات الدولية نفسها؛ فالمقاربات الأمنية الثقيلة في الشرق الأوسط دفعت التنظيمات إلى البحث عن ساحات أقل كلفة وأكثر سيولة؛ بمعنى آخر أن الساحل لم يصبح مركز الجهاد لأنه الأهم أيديولوجيًا، بل لأنه الأضعف بنيويًا، وهذا ما يجعل التهديد هناك أكثر ارتباطًا بالبيئة المحلية بدل الصراع العقائدي العالمي".
وفق بيانات نشرها "مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية" التابع لوزارة الحرب الأمريكية (وزارة الدفاع سابقًا)، في غشت الماضي، شهدت القارة وفاة 22 ألفًا و307 أشخاص نتيجة العنف المرتبط بنشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة سنة 2024، إذ كانت منطقة الساحل لوحدها مسؤولة عن ما يقارب نصف الضحايا بأكثر من 10 آلاف و680 شخصًا.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن المتوسط السنوي لعدد القتلى بسبب عنف التنظيمات الإرهابية المتطرفة في هذه المنطقة ارتفع من 4900 شخص ما بين سنتي 2020 و2023 إلى نحو 10 آلاف و500 قتيل سنة 2024، مُرجحة أن يكون العدد الحقيقي أكثر من ذلك بكثير بسبب قيود الوصول إلى المعلومات الحقيقية.
وفي سياق متصل أظهرت أرقام مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2025 أن أكثر من نصف إجمالي الوفيات نتيجة الأعمال الإرهابية في العالم كانت في منطقة الساحل (51 في المائة)، بحيث تعد دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو الأكثر تضررًا، مقابل انخفاض الهجمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط عام 2024 بنسبة 7 في المائة بواقع 618 هجومًا.
ورغم انخفاض حدة الهجمات الإرهابية في الشرق الأوسط إثر توجه الجماعات المتطرفة إلى نقل نشاطها خارج سوريا والعراق بعد الخسائر التي منيت بها في هذين البلدين منذ العام 2020، إلا أن حدوث هجمات متفرقة في المنطقة مؤخرًا تبنتها خلايا مرتبطة بتنظيم "داعش"، كالهجوم الذي استهدف مسيحيين في مدينة دهوك بإقليم كردستان العراق في أبريل الماضي، وهجوم "تدمر" الذي استهدف عناصر أمن سوريين وأمريكيين، أضف إلى ذلك تجدد الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كلها عوامل من بين أخرى تثير مخاوف بشأن عودة الخلايا النائمة واستغلالها الوضع الأمني لمحاولة استعادة قوتها.
بالعودة إلى الساحل تعد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" من أكثر التنظيمات نشاطًا في هذه المنطقة، وتنشط أساسًا جنوب بوركينا فاسو وشمال ووسط مالي وأجزاء من النيجر، وتضم مجموعة من الفصائل ك"جبهة تحرير ماسينا" و"جماعة أنصار الدين" وجماعات أخرى توحدت سنة 2017 وأعلنت مبايعتها "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".
انقلابات عسكرية وتحولات أمنية
إحدى أهم الجماعات الأخرى التي تنشط في هذه المنطقة هي "تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ولاية الساحل)"، التي تشكلت عبر فصائل كانت في السابق تنتمي إلى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، قبل أن تنشق عنها وتبايع "داعش" وتركز نشاطها أساسًا في النيجر. وخاض التنظيم معارك ضارية على امتداد السنوات الماضية في المثلث الحدودي الذي يجمع دول تحالف الساحل (مالي-بوركينا فاسو-النيجر) بسبب الخلافات الإيديولوجية واختلاف الأولويات بينهما، رغم تقاطعهما في رغبة كل منهما في إقامة ولايات إسلامية في المنطقة.
يقول الباحث المصري في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان، في تصريح صحفي لموقع هسبريس، إن "المد الإرهابي في منطقة الساحل كانت وراءه أسباب عميقة، منها ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وحتى ثقافي وديني، أدت إلى وصول الوضع إلى ما وصل إليه وإلى فشل الحل العسكري والمبادرات السريعة في القضاء على الإرهاب"، مضيفًا أن "منطقة الساحل والصحراء أصبحت ساحة تنافس شديد بين القوى الدولية، وهو ما يخلق فرصة للتنظيمات من أجل التمدد الجغرافي والسيطرة على الموارد".
وأوضح الباحث ذاته أن "الوضع الأمني في الساحل هو نتيجة فشل نموذج الديمقراطية في إفريقيا، لأن المشكلات الحقيقية التي تعاني منها الدول الإفريقية مازالت هي المشكلات ذاتها التي وجدت في مرحلة دول ما بعد الاستعمار، الذي مزق الجماعة الإثنية الواحدة ونهب الموارد المحلية، مع تعميق الخلافات العرقية، وكلها شروط تساهم في استنبات التنظيمات الإرهابية"، مسجلًا أن "نموذج الديمقراطية الغربية لم يكن صالحًا للدول الإفريقية في غياب توحيد الدول وإجراء مصالحات أهلية، قس على ذلك ضعف جيوش دول الساحل، ما خلف فراغًا أمنيًا كبيرًا في ظل شساعة الحدود؛ والفراغ لا يمكن أن ينتج إلا فراغًا آخر يملؤه الإرهاب".
ساهمت موجة الانقلابات العسكرية التي اجتاحت منطقة الساحل منذ سنة 2020، بما يشمل كلا من مالي والنيجر وبوركينافاسو، في تآكل آليات التنسيق الإقليمي والدولي بين الدول الإفريقية في ما بينها من جهة، وبين هذه الدول وشركائها في الخارج من جهة أخرى، وبالتالي إضعاف التنسيق الأمني والاستخباراتي في مواجهة الإرهاب، ما منح التنظيمات المسلحة مساحة تحرك أكبر عبر الحدود، خاصة مع انسحاب الشركاء التقليديين لهذه الدول، على رأسهم فرنسا التي كانت أطلقت علميتي "سيرفال" و"برخان" لمواجهة الجماعات المتمردة في الساحل، من المنطقة، مدفوعة بتزايد مشاعر العداء لها من طرف الأنظمة الجديدة التي أعادت توجيه تحالفاتها نحو قوى بديلة.
وشهد الساحل مؤخرًا تحولات هامة في توازن القوى السياسية والأمنية بالمنطقة، بعدما أعلنت دول الساحل الثلاث — مالي، النيجر — رسميا انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس)، احتجاجًا على ما وصفتها ب"السياسات والممارسات التي تمس سيادتها الوطنية ومصالحها الأمنية"، وإطلاق "تحالف دول الساحل" بينها، معلنة أيضًا انسحابها من "مجموعة دول الساحل الخمس"، الذي ضم أيضًا تشاد وموريتانيا، بسبب اتهامات لهذه المجموعة بخدمة المصالح الأجنبية، في إشارة واضحة إلى فرنسا.
في سياق متصل أورد الدكتور حمدي عبد الرحمن حسن، أستاذ العلوم السياسية في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة زايد بدبي، أن "دول المنطقة نفذت، بدعم من المجتمع الدولي، عدة عمليات عسكرية لمحاربة الجماعات الجهادية؛ فعلى مدى السنوات العشر الماضية نشرت العديد من الجهات الدولية الفاعلة أكثر من 21 ألف جندي في منطقة الساحل لمعالجة الوضع الحرج"، وزاد: "تشمل هذه الجهات الأمم المتحدة، مع بعثة تحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، وفرنسا، من خلال عملية سيرفال، وقوة العمل الأوروبية (تاكوبا)، والاتحاد الأوروبي، من خلال مهام التدريب العسكرية والمدنية، فضلاً عن الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تساعد الجيوش الوطنية".
وتابع الأكاديمي ذاته، ضمن دراسة له تحت عنوان "تصعيد الهجوم الجهادي: هل أصبح الساحل الإفريقي بؤرة جديدة للإرهاب؟"، نشرها مركز الإمارات للسياسات، بأن "الهجمات المستمرة، مع تزايد حدة العنف وانعدام الأمن، عوامل أدت في نهاية المطاف إلى فصل هياكل السلطة الرسمية وغير الرسمية القائمة منذ فترة طويلة بين المجتمعات المحلية والدولة، وتعطيل أنماط التعايش السلمي بين المجموعات القبلية؛ وفي الوقت نفسه استطاعت الجماعات المسلحة الإرهابية الاستفادة من الثغرات السياسية وعوامل التصدع داخل حدود الدولة الوطنية وما وراءها، وهو ما ساعدها على التمدد والانتشار، ولا سيما في منطقة الصراع الإقليمي التي تتمحور حول ثلاث دول في منطقة الساحل، هي: مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو".
إستراتيجيات متباينة وتنافس دولي
يعترف عدد من المسؤولين الأوروبيين بأن المقاربات المعتمدة خلال العقدين الماضيين في مواجهة الإرهاب في منطقة الساحل لم تكن ناجعة، خاصة أن الإستراتيجيات الوطنية والإقليمية وكذا الدولية في هذه المنطقة ركزت لسنوات طويلة على استهداف الإرهاب ورموزه، وأغفلت الساكنة المحلية ودورها في مقاومة توغل الجهاديين وإغلاق الباب أمام تجنيدهم لمزيد من الأفراد، ذلك أن "الإرهاب ليس ظاهرة أمنية فقط، بل نتاج فراغات سياسية واجتماعية"، وفق الخبير في حرب العصابات ومستقبل الصراعات والتوسع الحضري الأسترالي ديفيد كيلكولين.
في مقال له على موقع "بروجكت سينديكيت"، نُشر في 7 شتنبر من العام 2023، كتب جوزيف بوريل، الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، أن "سياسة الاتحاد تجاه منطقة الساحل لم تكن ناجحة بالقدر الذي كنا نأمله في السنوات الأخيرة؛ فقد ركزنا أحيانًا بشكل مفرط على البُعد الأمني وحده، ولم تكن جهودنا الرامية إلى تعزيز سيادة القانون وتوفير الخدمات الأساسية كافية أو واضحة بما فيه الكفاية، كما أن 'الصبر الإستراتيجي' الذي أبديناه تجاه المجالس العسكرية في المنطقة لم يُسفر عن أي نتائج ملموسة سوى تشجيع ظهور ميول جديدة",
وتابع المسؤول الأوروبي السابق بأن "الذين يبتهجون، في أوروبا أو في غيرها، بالصعوبات التي يواجهها الأوروبيون في الساحل لا يدركون تمامًا حجم المخاطر المطروحة، فجميعنا سندفع ثمنًا باهظًا إذا فشلنا في الحفاظ على التماسك والوحدة؛ وحدها أوروبا الموحدة قادرة على التأثير في مسار الأحداث".
ودفعت التحولات التي شهدتها منطقة الساحل في السنوات الأخيرة العديد من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها في المنطقة، إذ قال الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، في حوار مع موقع هسبريس في أكتوبر الماضي: "خروج القوات الغربية من بعض دول الساحل الإفريقي فرض علينا إعادة تقييم طريقة تعاملنا مع الوضع الأمني في المنطقة، وما نقوم به اليوم هو الانتقال من الوجود المادي المباشر إلى الشراكة المرنة، بمعنى أننا لا نعتمد فقط على وجود قواعد أو قوات متمركزة في المنطقة، بل نركز على بناء القدرات المحلية في الدول الإفريقية الشريكة حتى تكون قادرة على مواجهة التهديدات بنفسها".
تحول في السياسات انعكس في إستراتيجية الأمن القومي 2025 الصادرة عن البيت الأبيض في الرابع من دجنبر الماضي، مؤكدة على انتقال سياسة واشنطن في القارة الإفريقية من النموذج القائم على المساعدات الخارجية إلى نموذج يقوم على الاستثمار والنمو، بما يتيح تسخير الموارد الطبيعية الوفيرة في إفريقيا، والحذر من عودة نشاط الجماعات الإرهابية الإسلامية في بعض أنحاء القارة، مع تجنب أي وجود أو التزامات أمريكية طويلة الأمد.
وتخلق الجماعات المتطرفة التي تنشط في منطقة الساحل الحبيسة تهديدات ومناطق ضغط على دول الجوار الساحلية المنهكة أمنيًا واقتصاديًا، ما قد ينذر بتوسع العنف الإرهابي ليشمل فضاءات جديدة في إفريقيا، وعلى دول شمال القارة وعبرها أوروبا وباقي العالم من خلال سياسة الاختراق غير المباشر عبر تنشيط شبكات تهريب البشر والمخدرات، أو إيقاظ الخلايا النائمة وما تسمى "الذئاب الإرهابية المنفردة" التي تؤرق المؤسسات الأمنية للعديد من الدول.
وفي ظل التنافس الدولي على القارة، الذي يجعل مستقبل محاربة الإرهاب في المنطقة معلقًا على إيقاع سياسات متباينة، بل ومتناقضة في الكثير من الأحيان؛ فبين مقاربة واشنطن التي باتت تميل إلى تقليص الانخراط المباشر، وحضور موسكو الذي يُغلب منطق الشراكات الأمنية، ونفوذ بكين الذي تراهن على الاقتصاد دون الانغماس في التعقيدات السياسية، تُطرح تساؤلات جدية حول القدرة على بناء منظومة إنذار مبكر ومواجهة مشتركة لهذه الظاهرة "التي تجعلها الروابط المتنامية لجماعاتها في إفريقيا وخارجها تهديدا عالميا متصاعدا"، وفق تعبير أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.