المغرب يشارك في المنتدى العالمي للأغذية والزراعة ببرلين    اختراق واسع لمنصة "إنستغرام".. ونشر بيانات على "الدارك ويب"    ترامب يفرض رسوما جمركية جديدة على دول أوروبية إلى حين "البيع الكامل لغرينلاند"    طقس الأحد.. أمطار غزيرة وثلوج كثيفة تعم عدة مناطق بالمملكة    ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على حلفاء أوروبيين إلى أن تبيع الدنمارك غرينلاند لواشنطن    إيران: خامنئي يقرّ بسقوط آلاف القتلى في الاحتجاجات ويتهم واشنطن ب "التحريض"    مداهمة مستودعين تسفر عن حجز 37 ألف مفرقعة خطيرة    إلى غاية السادسة من مساء اليوم السبت.. مقاييس الأمطار المسجّلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    شرطي يتعرض لاعتداء بسكين على مستوى الوجه أثناء تنظيم حركة السير    ماسك يطالب بتعويضات مالية ضخمة    "لسنا للبيع" .. غرينلاند تنتفض وغالبية الأمريكيين يرفضون ضم الجزيرة    أمريكا أولا...    كونغولي يقود "المغرب والسنغال"    سينما "الطبقة البورجوازية" تفتح الباب لفهم السلطة والمال ورغبات السيطرة    معرض تشكيلي يحتفي بالحرف العربي    قبل صافرة النهائي .. المغرب والسنغال يجسدان أخوة تتجاوز كرة القدم    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية        رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي يمثل الملك محمد السادس في مراسم تنصيب الرئيس المنتخب لجمهورية غينيا    نهائي الأشقاء.. داكار تشيد بروح المغرب قبل موقعة الأسود المغربية والسنغالية    الكاف: السنغال حصلت على كل حقوقها وفق النظام    نهائي الكان بلا توتر.. السنغال تشيد بالمغرب تؤكد: الأخوّة أقوى من المنافسة    الركراكي قبل النهائي: الحظوظ متساوية أمام السنغال وهدفنا إسعاد الجماهير    الطقس بالموانئ يربك مستوردين مغاربة    المغرب يحتفل بمعاهدة أعالي البحار    تراجع مقلق للمخزونات السمكية بالواجهة المتوسطية المغربية    نيجيريا تحرز المركز الثالث في كأس إفريقيا 2025 بعد تفوقها على مصر بركلات الترجيح    الدرك الملكي يواصل حربه على المخدرات ويحجز بشفشاون كميات من الكوكايين والمؤثرات العقلية    النقيب عبد الرحيم الجامعي يتهم الحكومة بمحاولة إسكات المحامين عن محاربة الفساد عبر المادة 3    الأجل الاستدراكي للتسجيل في اللوائح الانتخابية العامة .. تقديم طلبات التسجيل ما بين 18 و24 يناير الجاري (وزير الداخلية)    نشرة إنذارية: زخات مطرية قوية مرتقبة بطنجة قد تصل إلى 50 ملم    باحثون يكتشفون أهمية نوع من الدهون في تنظيم ضغط الدم        ثياو: نواجه منتخبًا كبيرًا.. وطموحنا واضح    الباحثة نجوى غميجة: الكتابة عن السجن فعل أنسنة ومقاومة للنسيان    الفنان المغربي ديستانكت يعلن عن إصداره الغنائي الجديد "تعال"    جورج عبد الله ل"لكم" من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظيمي جديد ولا أغادر لبنان لأسباب أمنية        الهيئة الوطنية للشباب الملكي للدفاع عن الوحدة الترابية تحتفي بإنجازات المنتخب المغربي في الكان 25    بورصة البيضاء .. أقوى ارتفاعات وانخفاضات الأسبوع    اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي البحري تدخل حيز التنفيذ    "المغرب على رفة جناح" .. موسوعة تعرف بالطيور والمسؤوليات تجاه الطبيعة        خطوة واحدة تفصل المنتخب الوطني عن التتويج    توقعات أحوال الطقس اليوم السبت    كيوسك السبت | المغرب يقر رسميا "عيد الوحدة" عطلة وطنية سنوية    "المغرب في العلاقات الدولية".. قراءات متقاطعة تقدم مؤلف تاج الدين الحسيني    كل كرة تلمسها يد بونو تصير ذهبا    ارتفاع تكاليف العلاج والمساطر المعقدة ترهق مرضى الضمور العضلي الشوكي وذويهم    الاصطدام بالواقع    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    الرضاعة تقلل احتمالات إصابة الأمهات بالاكتئاب    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمريكا أولا...
نشر في هسبريس يوم 17 - 01 - 2026

إن نشأة وصعود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية لم تكن سهلة، لارتباط مسارها بسياق استعماري تميز بصراع إمبريالي بين بريطانيا العظمى والمملكة الإسبانية والفرنسية وكذا البرتغال التي تقاسمت مستعمرات لها بأمريكا منذ القرن السادس عشر.
هذه القوى شكلت تحديا حقيقيا إبان وبعد حرب التحرير الأمريكية على الدولة الناشئة، حيث عملت الحكومات الأولى للأباء المؤسسين على اعتماد مبدأ الحياد اتجاه الصراعات الدولية، وتوجيه كل مجهوداتها لبناء كيانها الحديث، والذي تطور (مبدأ الحياد) فيما بعد تحت مسمى مبدأ مونرو، نسبة للرئيس الأمريكي، جيمس مونرو: " كسياسة أمريكية تحولت على نحو تدريجي إلى عقيدة قانونية حاكمة للإدراك السياسي الأمريكي [...] تقتضي الإبتعاد عن مشاكل القارة الأوروبية وصراعاتها" كما أكد على ذلك كل من الرئيس جورج واشنطن وجيمس مونرو، ومنع أي تدخل أوروبي في شؤون القارة الأمريكية.
وفي هذا الإطار، تم استبعاد القوى الاستعمارية القديمة بالتدريج عن مجال أمريكا الحيوي، وإرجاعها إلى حيزها الجغرافي الأصلي في أوروبا. وأخدت أمريكا في التوسع جنوبا بأساليب الحرب والدبلوماسية، كما جاء على لسان أحد المؤرخين الغربيين بالقول: " إن السيادة الأمريكية قد امتدت خطوة خطوة في النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى الشاطئ الشمالي لبحر الكاريبي، فقد اشترت مقاطعة لويزيانا التي تحيط بمصب نهر المسيسيبي من فرنسا النابوليونية، وفلوريدا الغربية والشرقية من إسبانيا، في حين أمكن الاستيلاء على تكساس عن طريق الاحتلال، تم غزو كاليفورنيا على المحيط الهادي ". كما قامت بضم المقاطعات والواجهات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية والتجارية، حيث بسطت يدها على كوبا، وجمهورية الدومينيكان، وأقامت قواعد عسكرية هناك، وضمت المكسيك فيما بعد كسوق جديدة للسلع الأمريكية. وبذلك أصبحت حدودها موصولة بخليج المكسيك جنوبا وبشواطئ المحيط الهادي غربا كما اشترت مقاطعة ألاسكا من الروس ب 7ملايين دولار في أقصى الشمال، هكذا تم إجلاء آخر القوى الأوروبية إلى ما وراء الأطلسي، وبسطت واشنطن إرادتها السياسية فيما بعد على مجموع القارة في إطار " منظمة الدول الأمريكية".
ومنذ ذلك التاريخ، بقي المحيط الأطلسي حدا فاصلا بين العالم القديم والجديد، إلى أن دعت أسباب داخلية وخارجية الولايات المتحدة الأمريكية للإنفتاح على العالم، ولعب دور القيادة الدولية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية " ...إذ لعبت دورا أساسيا في صياغة القرار السياسي، والتسويات، وتقسيم ألمانيا، وإقامة هيئة الأمم المتحدة، وصياغة الأحلاف العسكرية للدفاع عن مصالحها سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا ضد القوى الجديدة المتمثلة في الإتحاد السوفياتي، رغم ادعائها بالعودة للعزلة بعد الحرب " كما يورد، ويلاند أريال في كتابه.
واستمرت في التعاون عبر الأطلسي مع أوروبا لمحاربة المعسكر الشيوعي، والذي بلغ ذروته إبان الحرب الباردة التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفياتي وإعلان انتصار المعسكر الغربي. واستمر هذا التعاون سياسيا واقتصاديا وثقافيا حتى وقت قريب، لكن مع ولاية ترامب الأولى، ظهرت بوادر تراجع الإدارة الأمريكية عن تعاونها المعتاد مع أوروبا بتواري الصراع الأيديولوجي وبروز التحدي الاقتصادي مع تنامي الأزمات المالية، الأمر الذي أطلق صراعا جديدا على الموارد الطاقية والمواد النادرة الخاصة بالتكنولوجيات الجديدة، خريطة هذه المعادن والمواد هي التي تحدد جغرافية الصراع وأطرافه اليوم. ومن مستجذات هذه الخريطة، أن فقدت أوروبا مكانتها في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لفائدة الصين، ومن تم، شرعت أمريكا في فك عرى التزاماتها التقليدية مع حلفائها الأوروبيين العسكرية و الاقتصادية و السياسية ، بالتراجع التدريجي عن التعامل مع هياكل الإتحاد الأوروبي، الذي لا يوافق دونالد ترامب على العديد من قراراته، واستبداله بعلاقات مع دول أوروبية بعينها كألمانيا وإيطاليا.
كما لم تتورع أمريكا في فرض رسوم جمركية ثقيلة، وبيع نفطها لحلفائها بأضعاف ما كانت تشتري به أوروبا النفط الروسي، و رفع حمايتها العسكرية عن أوروبا وإرغام دولها على رفع نسبة مساهماتهم المالية في ميزانية الدفاع بحلف الناتو ... ما دفع المستشار الألماني للقول : "...إن عهد السلام الأمريكي قد انتهى، وعلى أوروبا الحفاظ أطول وقت ممكن على حلف الشمال الأطلسي، لأن سياسة أمريكا لن تتغير سواء مع الرئيس دونالد ترامب أو بعده، وفقا لمبدأ مونرو...". هذه كلها مؤشرات انسحاب أمريكا من الفضاء الأوروبي. وهي تستشعر نذر حرب كبرى بين الروس وحلف الشمال الأطلسي، نراها تسترجع حكمة المبدأ، بعدم التورط في مشاكل أوروبا، والابتعاد فورا إلى عزلتها.
فالولايات المتحدة الأمريكية تخرج وتعود للعزلة، حسبما تتطلبه الظروف السياسية، ومصالحها العسكرية أو التجارية في العالم حسب أحد الباحثين.
فإذا كان الصراع الأيديولوجي مع المعسكر الشرقي قد دارت رحاه في أوروبا، فإن الصراع الاقتصادي مع التنين الصيني وروسيا الذي نعيش ذروته اليوم، سيكون في أمريكا اللاتينية أولا، التي تعد عمقا أستراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية، ما سيفرض عليها الغوص بعيدا في وحل صراع الموارد الأحفورية في جوارها القريب، بمصادرة جميع الموارد الطاقية هناك، ووضعها رهن إشارة الاقتصاد الامريكي، وطرد المنافسين خارج القارة، كما حدث سابقا مع القوى الاستعمارية القديمة، بُعيد تأسيس الإتحاد، وفقا لمبدأ مونرو دائما، الذي يخول للولايات المتحدة الأمريكية سيطرة كاملة على المجال اللاتيني ولو خارج الضوابط الأخلاقية.
فإسقاط الرئيس "نيكولاس مادورو" بالقوة، سيؤدي حتما لفقدان الصين ل 90% من نفط فينزويلا، مع تحييد نظامها السياسي عن التعاون مع الصين وروسيا مستقبلا.
نفس الشيء ينطبق على دول مثل كوبا، و نيكاراغوا وباقي الدول ذات التوجه اليساري ...التي من المتوقع أن تشهد تدخلا أمريكيا متزايدا بها، لكبح جماح تعاونها الاقتصادي والسياسي مع روسيا والصين، إلى جانب الإهتمام أكثر حسب توصية قائد القيادة الجنوبية الأمريكية "لورا ريتشاردسون" بالأرجنتين وبوليفيا وتشيلي التي تتوفرعلى 60% من الليثيوم الموجود بالعالم، الذي تحتاجه التكنولوجيا الجديدة. فالمسألة تتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية على حد تعبير المسؤول العسكري.
فإعادة انتشار الولايات المتحدة الأمريكية على الجغرافية السياسية لمبدأ مونرو، بدءا بأمريكا اللاتينية، أمر لامناص منه، وما التحذيرات والتهديدات المتوالية للرئيس دونالد ترامب لرئيس كولومبيا، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين التي تهم أمريكا اللاتينية إلاّ دليلا على الخطط المعدة سلفا للتحكم في القارة ككل، وفقا لمبدأ " مونرو" الذي يشكل خزانا إستراتيجيا احتياطيا للمقرر السياسي الأمريكي يستدعيه في المنعطفات الدولية المصيرية بكل حمولته التاريخية، السياسية منها والعسكرية ليحل محل القانون الدولي، بل، ليطيح به إذا دعت الضرورة لذلك.
فعندما يستدعي الفاعل الأمريكي مبدأ مونرو، فهو يستدعي معه الحالة النفسية التي رافقت الأباء المؤسسين حال استشعارهم خطر القوى الكبرى انذاك (بريطانيا، اسبانيا، فرنسا) في الجوار على دولتهم الوليدة ومستقبلها. فالصين اليوم تشكل ذلك الخطر، فعندما تصبح أمريكا تحت شعور حقيقي بالتهديد، يصبح لجوئها للقوة أمرا محتوما.
فتاريخ تطبيقات المبدأ، تفيد بأن حكومات واشنطن المتتالية تعتبر أمريكا اللاتينية محميتها الخاصة، وسلوكها هناك، يعد شأنا داخليا أكثر منه علاقات متكافئة.
وما أشبه اليوم بالأمس، فمطالبة الرئيس ترامب بجزيرة "جرينلاند" الغنية بالموارد، والمواد النادرة اليوم، شبيهة الظروف، بمطالبة وزير الخارجية الأمريكي "جون كوينسي ادمز" سابقا بجزيركوبا، سنة 1823 بالقول "... إن كوبا التي هي قريبة من شواطئنا، أصبحت ذات اهمية كبيرة للمصلحة السياسية والتجارية لإتحادنا، فالمركز المسيطر على خليح المكسيك وبحار الهند الغربية ومينائها الواسع(هافانا) ... لذا، فإن ضم كوبا لجمهوريتنا الفيدرالية سيكون أمرا أساسيا لا غنى عنه لاستمرارية الإتحاد وسلامته وكماله ".
فمعادن جرينلاند، ونفط فنزويلا، وليثيون المكسيك والشيلي والهندوراس...لاغنى عنهم لخروج الولايات المتحدة الامريكية من أزمتها الاقتصادية.هكذا كانت نظرة الولايات المتحدة الأمريكية لجنوب القارة تاريخيا وما زالت تمارس الأبوية السياسية على دولها.
سلوك الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية اليوم، يعد مسًّا خطيرا بالقانون الدولي الذي يقوم على صيانة حقوق الدول، باعتبار الدولة الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، وتهديدا صريحا لسيادتها، وتقويضا للاتفاقيات المبرمة فيها بينها، و تجاوزا لمبدأ حل الخلافات بالطرق السلمية، في إطار منظمة الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن.
هذا التوجه السياسي يدخل العلاقات الدولية في حالة من التوثر، ويزرع بذور الشك في مدى فعالية القوانين والمنظمات الدولية، والهيئات المنبثقة عنها، في ضمان مصالح الدول المتبادلة، واستتباب الأمن الدولي.
فسلوك الولايات المتحدة الأمريكية غير الداعم للمنظومة الدولية يهدد استمراراها فاعلة اتجاه الأزمات العالمية.
فاللجوء للقوة بدل الإحتكام للقوانين، يعد انقلابا على الأعراف والمواثيق الدولية، و زعزعة للاستقرار الدولي، ونذير شؤم بسقوط المنظومة القانونية الدولية وشيوع الفوضى والحروب.
يظهر جليا، أن العالم الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية قد استوفى شروط وجوده، و هو قيد التفكيك، دولا كانت أو أحلافا، منظمات أو قوانين دولية، سيتفكك لوحدات صغيرة، ليعاد تشكيل العالم وفق رؤية جديدة.
-باحث في القانون العام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.