كانت الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا نموذجا سياسيا يُحتذى به ومرساة هوية بالنسبة للأكراد في أنحاء العالم، وبارقة أمل في سعيهم إلى إقامة دولتهم الخاصة؛ لكن في سياق هجوم قوات الحكومة السورية الانتقالية على المناطق التي كانت خاضعة حتى الآن لسيطرة الأكراد، تقف الإدارة الذاتية المعروفة باسم "روج آفا" (تعني بالكردية الغرب في إشارة إلى غرب كردستان التي تعد في أدبيات الأكراد جزءا ممّا يسمّونها دولة كردستان) اليوم على شفا النهاية. فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لموازين القوى في سورياالجديدة؟ من الأكراد؟ يُعدّ الأكراد أحد أكبر الشعوب في العالم التي لا تمتلك دولة خاصة بها. ويُقدَّر عددهم بنحو 35 مليون نسمة، دون وجود أرقام دقيقة. ويعيشون أساسا في دول مثل تركيا وإيران والعراقوسوريا. وفي سوريا، يشكّل الأكراد أكبر مجموعة من الأقليات العرقية. وقد تعرضوا لتمييز واسع النطاق، حتى في عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. وكان كثيرون منهم محرومين من الجنسية السورية. خلال الحرب الأهلية السورية، قاتل الأكراد إلى جانب التحالف الدولي بقيادة الولاياتالمتحدة في مواجهة تنظيم "داعش"، وتمكنوا بذلك من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، حيث أنشأوا إدارتهم الذاتية. وفي العراق أيضا توجد منطقة ذات حكم ذاتي يسيطر عليها الأكراد، هي إقليم كردستان. ما الذي يحدث الآن؟ يبدو اليوم أن مشروع تقرير مصير الأكراد في سوريا يوشك على الانهيار؛ فقد تقدمت قوات الحكومة السورية، خلال الأيام والأسابيع الماضية، بسرعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد. ودَفعت دمشق "قوات سوريا الديمقراطية" المعروفة اختصارا ب (قسد)، التي يقودها الأكراد وتُعد الذراع العسكرية للإدارة الذاتية، إلى التراجع المستمر. ويسود، الآن، وقف لإطلاق النار. وقد مُنح الأكراد مهلة أربعة أيام لإعداد خطة لدمج مزيد من المؤسسات الكردية في أجهزة الدولة؛ وهي المهلة التي كان مفترضا أن تنتهي مساء أمس السبت لكن "قسد" طلبت تمديدها. كانت الحكومة الانتقالية في دمشق والقيادة الكردية اتفقتا في الأصل، في مارس الماضي، على دمج المؤسسات الكردية؛ غير أن الاتفاق لم يُنفَّذ قط. وفي النهاية، لجأت دمشق إلى الحسم العسكري وفرضت سيطرتها على مناطق متزايدة، بهدف توحيد البلاد تحت حكومة مركزية بعد سنوات من الانقسام. ما الدور الذي تلعبه الولاياتالمتحدة؟ يرجع التقدم السريع لقوات الحكومة في الآونة الأخيرة، بشكل أساسي، إلى قيام الولاياتالمتحدة بإعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة. وقال الخبير العسكري رياض قهوجي، لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، إن "واشنطن لديها شريك جديد في دمشق"؛ ففي حين اعتمدت الولاياتالمتحدة في عهد الأسد على "قوات سوريا الديمقراطية" كشريك على الأرض، صار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى في الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع شريكا استراتيجيا. وقد أوضح توم براك، مبعوث ترامب الخاص، هذا الأمر بجلاء، إذ كتب، مؤخرا، على منصة "إكس"، أن الغرض الأصلي من وجود "قسد"، باعتبارها القوة الرئيسية في محاربة "داعش" على الأرض، قد انتهى، وأن دمشق باتت مستعدة وقادرة على تولي مسؤولية الأمن. من جانبهم، يشعر ممثلو الأكراد بأن واشنطن تخلت عنهم. وذهب بعض المراقبين إلى القول إن الولاياتالمتحدة "باعت" الأكراد، حيث تسعى إدارة ترامب إلى تطبيع العلاقات بين سوريا وحليفة واشنطن إسرائيل. وحسب مصادر كردية، فإن الولاياتالمتحدة غضت الطرف عن تقدم القوات السورية ضد الأكراد. وفي المقابل، تردد أن الرئيس الانتقالي الشرع قد يوافق على الانخراط في عملية سلام مع إسرائيل التي تُعَد عدوة لسوريا حتى الآن. ولا توجد معلومات رسمية تؤكد ذلك. وماذا عن تركيا؟ كانت تركيا ولا تزال عاملا حاسما في تطورات المشهد السوري. فهي حليف وثيق للقيادة في دمشق، وتنظر إلى "قوات سوريا الديمقراطية" بوصفها امتدادا لحزب العمال الكردستاني "بي كيه كيه" المحظور، والذي تصنفه الدولة التركية منظمة إرهابية وتجابهه منذ عقود، كما شنت تركيا مرات عديدة هجمات مباشرة على مواقع لقسد في سوريا. وكان الدعم الأمريكي ل"قسد" على مدار سنوات سببا في توتر العلاقات بين أنقرةوواشنطن؛ وذلك قبل أن تتلاقى مصالحهما في سوريا الآن، حسب قهوجي. وعندما استقبل ترامب الرئيس السوري الانتقالي الشرع في العاصمة الأمريكيةواشنطن في نونبر، كان هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، حاضرا أيضا. وأشارت تقديرات الخبير العسكري إلى أنه جرى هناك توضيح المصالح والتوصل إلى موقف مشترك. ووفقا لوسائل إعلام تركية، دعمت أنقرة تقدم الجيش السوري ضد "قسد" بطرق عديدة؛ من بينها تقديم معلومات استخباراتية. وأفادت هذه الوسائل بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تابع التطورات عن كثب، وأعلن بنبرة تملؤها روح الانتصار أن "عهد الإرهاب في منطقتنا قد انتهى". كيف ستسير الأمور مع الأكراد الآن؟ قال لاوك غفوري، المحلل المختص بالشأن الكردي، ل (د ب أ) إن أكراد سوريا باتوا، اليوم، في "سجن سياسي". وأضاف غفوري أن "القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تضمن مستقبلهم"، وأن الطريق الوحيد هو الحوار مع دمشق، مشيرا إلى أن مستقبل الأكراد بات يعتمد الآن على كيفية تعامل دمشق معهم في الأشهر والسنوات المقبلة. وعلى الرغم من أن الرئيس الشرع أبدى مرارا، خلال الأشهر الماضية، استعداده لمنح الأكراد حقوقا أوسع، فإن قيادة الأكراد لا تثق بالحكومة السورية، وترى في القيادة الجديدةبدمشق شكلا من أشكال الامتداد لتنظيم "داعش"، وتتهمها باستخدام "أساليبه الوحشية". في المقابل، يحتفل سكان آخرون بمناطق الإدارة الذاتية للأكراد بحملة الحكومة السورية ويعتبرونها "تحريرا" لهم، إذ إن هذه المناطق لا يقطنها الأكراد وحدهم؛ بل يعيش فيها أيضا عرب ومجموعات عشائرية. وقال مضر الأسد، المتحدث الرسمي باسم العشائر السورية، إن هؤلاء السكان كان يشعرون بالتمييز ضدهم تحت السيطرة الكردية، وكانوا يُجْبَرُون على القتال في صفوف "قوات سوريا الديمقراطية".