ما لم يستوعبه المغاربة سياسيين منهم وعامة أنّ المؤامرات الجزائرية من أجل إفساد الكأس الإفريقية المنظمة في المغرب لم تبدأ مع صافرة الحكم، ولا حتى مع وصول المنتخبات، بل انطلقت مبكراً، وبنية مبيتة، منذ اللحظة التي أُعلن فيها أن المغرب هو البلد المضيف. منذ تلك اللحظة بالضبط، تحولت الجزائر الرسمية والإعلامية إلى غرفة عمليات مفتوحة، هدفها الوحيد: الطعن، التشكيك، والتسميم، ولو اقتضى الأمر حرق البطولة كلها. شُكِّك في الملاعب قبل أن تُفتح أبوابها، وفي البنية التحتية قبل أن تطأها قدم لاعب، وفي قدرة المغرب التنظيمية قبل أن تُرفع الراية الأولى. حملة لم تكن بريئة ولا عفوية، بل ممنهجة، يقودها إعلام مؤدلج، يشتغل بمنطق "إذا لم نكن نحن، فليُفشل الآخرون". ولم يكن صدفة أن تُنقل هذه السموم عبر قنوات يفترض أنها رياضية، لكنها تحولت إلى منابر سياسية، وعلى رأسها بينسبورت، التي فتحت ذراعيها بلا خجل لصحفيين فقدوا الحد الأدنى من المهنية. وخلال أيام البطولة، لم تهدأ الآلة. كل تفصيل صار فضيحة، كل قرار تنظيمي مؤامرة، كل صافرة تحكيم استهدافاً. وبدل أن تنشغل المنتخبات بكرة القدم، وجدت نفسها مشدودة إلى خطاب تحريضي يهمس لها: "أنتم ضحايا، والمغرب جلاد". وهكذا، وبفضل هذا الضخ الإعلامي المسعور، بدأت عدوى التمرد تنتشر، لا لأن التحكيم كان كارثياً، بل لأن هناك من أقنع الجميع بذلك قبل أن يحدث أي شيء. وكان المدعو حفيظ دراجي، العسكري السابق والناطق الحالي باسم الحقد الكروي، رأس الحربة في هذه الحملة. لم يعلّق، بل حرّض. لم يحلل، بل اتهم. لم ينقل، بل لقّن. وبصوته المشحون ونبرته العدائية، زرع الشك في العقول، وحرّض المنتخبات على العصيان، وخلق مناخاً مسموماً جعل أي قرار تحكيمي شرارة قابلة للاشتعال. وذروة هذا العبث كانت في النهائي، حين بلغ التحريض مداه، فانفلت العقال. ضربة جزاء واضحة بعد إسقاط إبراهيم دياز تحولت، بقدرة قادر، إلى "فضيحة كبرى"، ووجدنا المنتخب السنغالي يهدد بالانسحاب من نهائي قاري، في سابقة لا تشبه كرة القدم بقدر ما تشبه فوضى الشارع. نهائي قاري يُبتز، حكم يُحاصر، وجمهور يُستفز، لأن حملة إعلامية سبقت اللحظة، ولقنت الجميع كيف يجب أن يغضبوا. غير أن الحقيقة، مهما كانت مُرّة، لا تكتمل دون الإشارة إلى مسؤولية مغربية صريحة. نعم، الجزائر أفسدت، لكن المغرب تراخى. الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وعلى رأسها فوزي لقجع، تعاملت مع هذا العبث بصمت مريب، وكأن ما يحدث مجرد "ضجيج جانبي". والحال أن الأدوات كانت موجودة، والرد كان ممكناً، لكن الإرادة غابت. كان بإمكان لقجع أن يضع حداً لهذا الانفلات، أن يستخدم أوراق الضغط القانونية والاقتصادية، أن يمنع استخدام أجهزة بينسبورت داخل التراب المغربي، أو على الأقل أن يفرض على هذه القنوات احترام الحد الأدنى من المهنية، وأن يدفعها لطرد هذا المحرّض المقيم بين جدرانها. لكنه اختار سياسة غضّ الطرف، فاستقوى الآخرون بالصمت، وتمادوا في التحريض. وهكذا، تحولت بطولة كان يُفترض أن تكون عرساً قارياً إلى ساحة تصفية حسابات سياسية، إعلامية، ونفسية. لا لأن المغرب فشل في التنظيم، بل لأن الحقد حين يُترك بلا ردع، لا يكتفي بالكلام، بل يفسد اللعب، ويهدد المباريات، ويدنس التتويج.. والخلاصة القاسية أن الكأس الإفريقية لم تُفسدها ضربة جزاء، بل أفسدها تحريض منظم، وصمت غير مبرر. أفسدتها آلة جزائرية تعرف ماذا تريد، ومسؤولية مغربية لم تعرف متى يجب أن تقول: كفى.. وسيزداد الضرر أكثر مع استمرار سياسة الإذعان و"الرطوبية" التي يتمسك بها صانعوا القرار بالمغرب رغم علمهم بأنهم لم يجنوا من وراءها سوى المذلة لهم وللشعب المغربي قاطبة، هذا الشعب الذي صار مادة سخرية يستهزئ بهم نصف سكان القارات الأربع. -كاتبة صحفية ومؤسسة موقع أشكاين في نسخته الأولى