لم يعد غريبًا، ولا مفاجئًا، أن تخرج علينا بعض الأصوات الإعلامية المحسوبة على الجارة الشرقية كلما تعثَّر المنتخب الجزائري لكرة القدم أو وُضع أمام خصم قوي، لتبحث عن شماعة جاهزة تعلِّق عليها الإخفاقات. الجديد، والمخجل في الآن ذاته، أن يصدر هذا الخطاب من إعلامي يشتغل في مؤسسة بحجم قنوات beIN SPORTS، التي طالما قدَّمت نفسها كمنبر مهني، عابر للحدود، ومحايد في تغطيته. تصريحات المعلِّق الجزائري حفيظ الدراجي، التي اعتبر فيها وقوع المنتخب الجزائري في دور ثمن النهائي مع نظيره من الكونغو الديمقراطية "مؤامرة" من طرف الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، تتجاوز زلَّة اللسان إلى سقوط مهني وأخلاقي مدوٍّ، يسيء إلى القناة التي يعمل بها قبل أن يسيء إلى المنافسة الإفريقية برمتها. حين يعجز التحليل الرياضي الرصين عن تفسير النتائج، وحين تغيب الشجاعة للاعتراف بأن كرة القدم لا تُلعب بالأمنيات، يلجأ البعض إلى نظرية المؤامرة. اتهام "الكاف" بالتآمر على منتخب وطني لمجرد أن مساره في البطولة قد يمر عبر منتخبات قوية، هو منطق هزيل لا يصدر إلا عن عقلية ترفض مبدأ المنافسة، وتؤمن بأن الفوز حق مكتسب لا يُناقش. هل باتت مواجهة السنغال، بطلة إفريقيا السابقة، أو الكونغو الديمقراطية، مؤامرة؟ وهل تحوَّلت البطولات القارية إلى مسارات مفصَّلة على مقاس منتخبات بعينها؟ إن كان الأمر كذلك، فلماذا تُنظم المنافسات أصلًا؟ الأخطر في تصريحات الدراجي ليس مضمونها فقط، بل الموقع الذي تصدر منه. فالرجل لا يغرِّد في حساب شخصي، ولا يتحدث في جلسة مقهى، بل يظهر بصفته صحفيًّا ومعلِّقًا رسميًّا في قناة دولية، يُفترض فيها أن تلتزم بالحد الأدنى من المهنية والاتزان. وما صدر عن المعلِّق الجزائري لا علاقة له بالتحليل الرياضي، بل أقرب إلى خطاب تعبوي مشحون بالحقد، ومشحَّذ بلغة الضحية الدائمة. إعلامي يُفترض فيه أن يهدِّئ الجماهير، فإذا به يسكب الزيت على النار، ويغذي شعور الاضطهاد، ويزرع الشك في مؤسسات كروية قارية دون أي دليل. ولمن يعرف مسار هذا المعلِّق جيدًا، يدرك أن العداء للمغرب بات خلفية ثابتة في خطابه، سواء ذُكر اسم المملكة صراحة أم لم يُذكر. فكل حديث عن "التحكُّم" و"التحالفات" و"المؤامرات"، ينتهي دائمًا، بطريقة مباشرة أو ملتوية، إلى نفس العقدة: نجاح المغرب رياضيًا، وتنظيميًا، ودبلوماسيًا داخل القارة الإفريقية. وهنا يتحوَّل التحليل الرياضي إلى تصفية حسابات سياسية ونفسية، لا مكان لها في بلاط الإعلام المحترف. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف تقبل قناة تحترم نفسها أن يُستغل منبرها لبث هذا النوع من الخطاب؟ قنوات beIN SPORTS ليست محلية أو منبرًا دعائيًّا، بل مؤسسة إعلامية دولية تخاطب جمهورًا متنوعًا، وتؤثر في الرأي العام الرياضي. والسكوت عن مثل هذه التصريحات، أو اعتبارها "رأيًا شخصيًّا"، هو تواطؤ غير مباشر مع الانحراف المهني. فالإعلامي ليس حرًّا في بث الاتهامات جزافًا، خصوصًا حين تمس نزاهة مؤسسة قارية ك"الكاف"، دون قرائن أو معطيات. كما أن الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم معنيّة بدورها، ليس فقط بتنظيم البطولات، بل أيضًا بحماية صورتها ونزاهتها. وحين يخرج إعلامي معروف ليتهم "الكاف" صراحة بالتآمر، دون سند، فإن الأمر لا يجب أن يمرَّ مرور الكرام. والمطلوب ليس تكميم الأفواه، بل وضع حد لخطاب التشكيك العدمي، الذي يسيء للكرة الإفريقية، ويحوِّل كل بطولة إلى مسرح للاتهامات بدل أن تكون فضاءً للتنافس الشريف. ما قاله الدراجي خطاب مأزوم، يعكس أزمة أعمق في التعاطي مع الهزيمة، ومع فكرة التفوق الرياضي للآخر. وإذا كان المنتخب الجزائري منتخبًا كبيرًا بتاريخ وأسماء، فإنه لا يحتاج إلى من يصوِّره كضحية مؤامرة كونية، بل إلى إعلام ناضج يواكب الأداء بموضوعية. أما تحويل الميكروفون إلى منصة للحقد، والتشكيك، والتَهَجُّم، فذلك مرض في الخطاب لا علاقة له بالرياضة، ولا بالإعلام، ولا حتى بالروح التنافسية التي تقوم عليها كرة القدم.