يشهد المغرب في السنوات الأخيرة نموا اقتصاديا متسارعا تُترجمه مشاريع كبرى وبنيات تحتية متينة، يبشر بتقدم في مؤشرات النمو، غير أن هذه الحركية الاقتصادية لا يواكبها نمو موازٍ على مستوى فعالية النخب السياسية وخاصة النخب الحزبية، مما يخلق حالة من اللاتناسب البنيوي بين الانفتاح الاقتصادي الحر والاحتضان السياسي المؤطر والأثر الاجتماعي الفعال. علما بأن التنمية بما هي حق وتراكم بنيوي لا يمكن أن تنتج الأثر الحقيقي والفعال المنتج للاستقرار إلا إذا كانت نسقية قائمة على فعالية الاقتصاد وفعالية السياسة وفعالية الأثر الاجتماعي. الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية من بين ما تتطلبه رؤية سياسية قادرة على التعبئة والإقناع، وعلى بناء رؤية تدبيرية تترجم هذه الرؤية الاقتصادية إلى مشاريع تنموية مندمجة تستهدف المواطن باعتباره إنسانا أولا وباعتباره غاية كل فعل سياسي ثانيا.كما تستهدف إقامة وترسيخ نموذج تنموي في مختلف روافده وأبعاده. مشاريع غير ممركزة تسهم في الحد من إنتاج التفاوت في السرعات وفي الحد من الفوارق المجالية والاجتماعية. وهذه الرؤية التدبيرية لا يمكن أن تكون تقنية مبنية على لغة الأرقام والمؤشرات الكمية وجودة الأداء رغم أهميتها، وإنما يجب أن تكون رؤية ذات مرجعية سياسية تنتجها النخب الحزبية بما يجعلها قادرة على خلق الأثر التواصلي والفعالية الاجتماعية. وهو ما يتطلب إعادة الاعتبار للفاعل الحزبي وخاصة الفاعل المحلي المرتبط بالمشروع السياسي والمشروع المجتمعي. إنه فاعل القرب المنخرط في شبكة التفاعلات الحزبية والمجتمعية القادر على إعادة الاعتبار للسياسة كفضاء عام للترافع والاقتراح والتمثيل والمشاركة. وهذا ما سيجعل الرهان الانتخابي رهانا تنمويا جاذبا ومحفزا على الانخراط والفعل والتنافس المنتج. وفي هذا الإطار، من المهم التمييز بين الأدوار الدستورية لمختلف الفاعلين. فالمؤسسة الملكية، بحكم مكانتها الدستورية وأدوارها الوظيفية والاجتماعية وشرعيتها التاريخية والدينية، تضطلع بدور محوري في توجيه الخيارات الاستراتيجية الكبرى للأمة، وضمان استمرارية مؤسسات الدولة والسياسات العمومية، وحماية التوازنات الأساسية في بنية الدولة والمجتمع وفي بنية العلاقة بينهما. ويُشكّل هذا الدور الإطار العام الذي تُرسم داخله التوجهات الكبرى للتنمية الاقتصادية والاجتماعي والثقافية والسياسية. وفي المقابل، فإن الحكومة، باعتبارها السلطة التنفيذية المنبثقة عن الاختيار الديمقراطي، تتحمل المسؤولية المباشرة في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، وترجمتها إلى برامج قطاعية فعالة، وإجراءات ملموسة تمس حياة المواطنين اليومية. ومن هنا، فإن أي اختلال في تنزيل هذه السياسات لا يمكن إرجاعه إلى غياب الرؤية الاستراتيجية، بقدر ما يرتبط بضعف النجاعة السياسية والمؤسساتية في التدبير والتنفيذ والمواكبة. على هذا الأساس، فقد أثبت الواقع أن الإشكال لا يكمن فقط في الأداء الحكومي، بل يمتد إلى غياب دينامية حزبية حقيقية قادرة على إنتاج نخب سياسية مؤهلة ومنتجة، وقادرة على بناء وتقديم تصورات واضحة وقابلة للتنفيذ، مستمدة من الاختيارات الاستراتيجية للدولة ورؤيتها الممتدة في زمن الأمة. فبعض الأحزاب السياسية، التي يُفترض أن تكون مدرسة للديمقراطية ومشتلا لإنتاج القيادات ومصنعا لتجديد النخب، تبدو اليوم عاجزة عن إحداث نقلة سياسية فعلية، سواء على مستوى الممارسة الداخلية أو على مستوى التأطير المجتمعي. وقد ساهم هذا الوضع في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والسياسة، حيث تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وتتراجع المشاركة، ويترسخ الإحساس بأن السياسة لم تعد قادرة على التأثير في مسار التنمية. وهو ما يشكل مصدر قلق حقيقي، لأن تنمية اقتصادية غير مسنودة بحياة سياسية قوية تظل معرضة لفقدان مشروعيتها الاجتماعية. وانطلاقا من ذلك، فإن تحقيق التوازن بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي يُعد شرطا أساسيا لإعادة الاعتبار للبعد الثقافي والاجتماعي داخل المشروع التنموي. فالثقافة والسياسات الاجتماعية لا تزدهر في فراغ، بل تحتاج إلى اقتصاد قوي يموّلها، وسياسة ديمقراطية تمنحها المعنى والشرعية والاستمرارية. ومن دون هذا التوازن، تظل الثقافة هامشية، ويظل الاجتماعي في منطق التدبير الظرفي بدل كونه خيارا استراتيجيا طويل الأمد. لا شك أن التوازن بين النمو الاقتصادي والنمو السياسي شرط أساسي لبناء دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك ثقافيا واجتماعيا، وواثق في مستقبله. فالمغرب، وهو يتطلع إلى تعزيز مكانته الاقتصادية، في حاجة إلى حياة سياسية قادرة على مواكبة هذا الطموح، وتحويله إلى مشروع مجتمعي جامع ومستدام.لهذا فالأحزاب السياسية اليوم مدعوة، أكثر من أي وقت مضى، إلى التحلي بالجرأة اللازمة لإصلاح ذاتها، عبر ترسيخ الديمقراطية الداخلية، والانفتاح على فئات جديدة، وتجديد الخطاب والآليات قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فبدون هذا التحول، ستظل الفعالية السياسية تدور في حلقة مفرغة، وستضعف الثقة فيها بشكل تدريجي، وسيظل الفعل السياسي محل ارتياب، بل ستظل العملية الديموقراطية في شموليتها غير قادرة على تعبئة المجتمع وتعبئة المواطن وإقناعه بفضائلها ومردوديتها التنموية ومساهمتها الفعلية وذات الأولوية في ضمان الاستقرار الاجتماعي المستدام. وهكذا، يصير بناء مغرب قوي اقتصاديا لا يمكن أن يتم بمعزل عن فعالية سياسية حزبية مؤسساتية قوية وذات مصداقية، لأن التوازن بين الاقتصادي والسياسي هو المدخل الطبيعي لتثمين البعدين الثقافي والاجتماعي. فالثقافة تشكل الوعي الجماعي والقيم المشتركة، والسياسات الاجتماعية تضمن العدالة والإنصاف، ولا يمكن لأي منهما أن يزدهر في ظل اختلال سياسي أو تدبير تقني ضيق للتنمية. إن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق النمو الاقتصادي إلى منطق المشروع المجتمعي المتكامل، حيث يصبح الإنسان، بهويته وثقافته وكرامته الاجتماعية، في صلب كل السياسات العمومية. الوضع السياسي في المغرب اليوم في حاجة إلى رَجّة إصلاحية واعية، لا من باب الهدم أو التشكيك، بل من أجل إعادة التوازن المفقود بين الحقول الأربعة: الاقتصادي، والاجتماعي والثقافي والسياسي. فغياب هذا التناسب يفرز اختلالات بنيوية تجعل التنمية الاقتصادية تسير بوتيرة أسرع من التأطير السياسي والوعي الثقافي المواكب لها والواقع الاجتماعي. فإذا كان الاقتصاد هو محرك عجلة التنمية، والثقافة هي التي تخلق وتجدد سردية الهوية والانتماء ومنظومة العيش المشترك ومعاييرها وأخلاقياتها، والواقع الاجتماعي هو حقل الاستنبات والوجود الذي تتجلى من خلاله المعاني ودلالات الفعل والسلوك، فإن السياسة هي الحاضنة المولدة والمنتجة للرؤية والطريق من جهة والمقيمة بالفعل والأثر للنموذج والمقاربة من جهة ثانية. وأن هذه السياسة باعتبارها رؤية وفعل ضمن نسقية الاختيار الديموقراطي لا وجود لها ما لم يوجد فاعل مؤسساتي حزبي حقل فعله الوظيفي وإنتاجه الاجتماعي هو حقل السياسة العمومية في مختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية. والمغرب، وهو مقبل على ترسيخ موقعه كقوة اقتصادية إقليمية، لا يمكنه تحقيق هذا الطموح على أسس اقتصادية صرفة، لأن الاقتصاد بدون سياسة رشيدة يفتقد الحكامة، وبدون ثقافة مجتمعية واعية يفتقد المعنى والاستدامة. إن بناء القوة الاقتصادية الحقيقية يقتضي مؤسسات سياسية قوية وذات مصداقية، ونخبا ثقافية فاعلة قادرة على إنتاج خطاب نقدي وتنويري يواكب التحولات. وكل هذا يحتاج إلى فاعل حزبي مدعم بمشروع مجتمعي ورؤية سياسية مؤطرة من مؤسسة حزبية منتجة للمرجعية والاختيارات كما هي منتجة للنخب القادرة على التفكير النقدي وعلى الفعل السياسي المنتج للأثر بكل التزام ومسؤولية. بناء على ما سبق ننتهي إلى القول بأن التوازن المنشود ليس ترفا فكريا، بل هو الشرط الأساسي لضمان تنمية عادلة، واستقرار اجتماعي، ومشاركة مواطِنة حقيقية تجعل من المشروع الاقتصادي مشروعا مجتمعيا جامعا، لا مجرد أرقام ومؤشرات. وأن القوة الاقتصادية التي لا تسندها سياسة ذات مصداقية وثقافة حية، تتحول من فرصة تاريخية إلى اختلال دائم.كما أن السياسة لا تكتسب مصداقيتها الحقيقية إلا بالإيمان الراسخ بضرورة الانفتاح على نخب جديدة، وفي مقدمتها النساء والشباب، بوصفهم طاقة التغيير ومفتاح المستقبل. وهو ما ورد في الكثير من توجيهات جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، والتي تؤكد على أن: "النهوض بأوضاع المرأة ليس قضية فئوية، بل هو شأن مجتمعي يعكس مستوى تقدم الأمم." وأن: "الشباب هو الثروة الحقيقية للأمة، وعماد حاضرها ورهان مستقبل". إن مشاركة النساء في الشأن العام وتعزيز حضورهن المؤثر في مسارات التخطيط، واتخاذ القرار، رافعة أساسية للتنمية ، ليس فقط من منطلق السعي إلى تحقيق مزيد من الإنصاف والمساواة، بل لما تتوفر عليه النساء من كفاءات وخبرات ورؤى قادرة على إغناء القرار الجماعي وجعله أكثر قربا من انتظارات الوطن والمواطنين. ومشاركة الشباب تضمن نقل التجربة السياسية بين الأجيال، تعيد لها معناها ودورها كأداة للتغيير الإيجابي وبناء الثقة في المستقبل، تؤمّن استمرارية المؤسسات وتقي من القطيعة بين الدولة والمجتمع. خلاصة القول هي أن الانتخابات المقبلة موضوع رهان أمة صاعدة. وهذا الرهان مرتبط بمدى نجاح الدولة والمجتمع معا، كل من موقعه، في التعبئة الجماعية وتعزيز الثقة في الخيار الديموقراطي.كما هو مرتبط بمدى نجاح الأحزاب السياسية الوطنية في تحقيق تحولها الداخلي الذي يستجيب لسؤال المرحلة. وهذا التحول لا يمكن أن يكون تحولا حقيقيا وفعالا إلا عن طريق بناء رؤية سياسية استراتيجية في ضوء التراكم الوطني ورهانات الأمة المغربية وتحدياتها الداخلية والخارجية، وبناء رؤية مرحلية واقعية قابلة للتعاقد والتنفيذ من خلال برنامج انتخابي نسقي مقنع من جهة، وعن طريق تجديد نخبها وانفتاحها على كفاءات مدنية وفاعلين جدد، وخاصة من فئة النساء والشباب ذوي الكفاءة والخبرة والمصداقية والامتداد الجماهيري والشعبي الضامن للقدرة على التنافس والفعل وإنتاج الأثر، من جهة ثانية.